قانون الوحدة العرقية الصيني يغيّر مصير الأقليات
في قانون جديد يفرض بكين تعزيز الوحدة العرقية وتوحيد الهوية الصينية، تُقيّد لغات وثقافات الأقليات مثل التبتيين والأويغور وتُفرض رقابة حتى خارج الحدود. تعرف على تفاصيل القانون وتأثيره على الأقليات في خَبَرَيْن.

في مدرسةٍ ابتدائية في لاسا، عاصمة التبت، لم يعد بإمكان المعلّمين تدريس أطفالهم بلغتهم الأمّ بالقدر ذاته الذي اعتادوا عليه منذ أجيال. وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، يُعيد باحثون متخصّصون في شؤون الأقليات الصينية النظر فيما يمكنهم كتابته أو قوله علناً. هذا التحوّل لم يأتِ فجأةً، بل جاء ثمرةً لمسارٍ سياسي طويل بلغ اليوم ذروته في قانونٍ جديد يمتدّ أثره من الفصول الدراسية إلى ما وراء الحدود.
دأب الزعيم الصيني Xi Jinping على الدفع بالأقليات العرقية، كالتبتيين والأويغور، نحو تبنّي هويةٍ قائمة على الانتماء للجنسية الصينية والولاء للحزب الشيوعي الحاكم. واليوم، تحوّل هذا التوجّه إلى قانونٍ شامل يطال الفصول الدراسية والأحياء السكنية والبيوت على حدٍّ سواء، ويمنح بكين صلاحية ملاحقة أشخاصٍ خارج حدودها إذا رأت أنّهم ينتهكون أحكامه.
قانون «الوحدة العرقية»
دخل هذا القانون، المعروف رسمياً بـ«قانون تعزيز الوحدة والتقدّم العرقي»، حيّز التنفيذ في 1 يوليو. ويحظر القانون كلّ فعلٍ من شأنه «تقويض الوحدة العرقية أو خلق الانقسام العرقي» بين الأعراق الـ56 المعترف بها رسمياً في الصين، وتشكّل الأغلبية الصينية من الهان ما يزيد على 90% من إجمالي السكان البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة.
بموجب هذه القواعد الجديدة، يتعيّن على المدارس والجهات الحكومية اعتماد اللغة الصينية المندرين لغةً أساسية؛ كما يجب أن تحرص المناهج الدراسية على «ترسيخ الشعور القوي بالانتماء إلى مجتمع الشعب الصيني»، وأن يوجّه كلّ الآباء أبناءهم نحو «محبّة الحزب الشيوعي الصيني والشعب الصيني».
ويُلزم القانون الدولة بدعم المتاحف والمكتبات وسائر المؤسّسات الثقافية لإقامة فعالياتٍ تعكس التاريخ الصيني والازدهار الوطني، فيما يتعيّن على السلطات المحلية السعي نحو الاندماج العرقي في سياسات الإسكان وهو بندٌ يرى فيه المراقبون إشارةً محتملة إلى عمليات إعادة توطين سكانية.
والأكثر إثارةً للجدل أنّ القانون ينصّ على مساءلة الأفراد والمنظّمات خارج البرّ الصيني الرئيسي إذا «قوّضوا» الوحدة العرقية أو «أحدثوا انقساماً عرقياً» وهو بندٌ يرى فيه المنتقدون تهديداً مباشراً للنشاط الحقوقي والبحث الأكاديمي والنقاش المتعلّق بقضايا الأقليات على المستوى العالمي.
وفي خطابٍ ألقاه الأربعاء بمناسبة الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، أكّد Xi Jinping أهمية هذا القانون، داعياً جميع أعضاء الحزب إلى «تعزيز الوحدة الكبرى لجميع الأعراق وتمتينها باستمرار».
انتقاداتٌ دولية وتحذيراتٌ أممية
أثار القانون موجةً من الانتقادات من منظّمات حقوق الإنسان والخبراء، الذين يرون أنّه قد يُخنق الهوية الثقافية للأقليات وممارساتها الدينية ولغاتها.
وفي رسالةٍ صادرة في أبريل، حذّر خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أنّ القانون «قد تترتّب عليه تداعياتٌ خطيرة على الاستقلالية اللغوية والثقافية والدينية للمجتمعات العرقية، بما فيها التبتيون والأويغور والمغول». كما نبّهوا من احتمال توظيفه في ممارسة «القمع العابر للحدود».
وللمراقبين المتخصّصين، يبدو القانون خطوةً أخيرة في مسارٍ سياسي تطوّر على مدى سنوات لتغليب الهوية الوطنية على الاستقلالية العرقية وهو ما يصفه المنتقدون بأنّه دفعٌ عدواني نحو الاستيعاب والإذابة الثقافية. ويُنظر إليه أيضاً باعتباره جزءاً من رؤيةٍ أشمل لضمان الأمن القومي في عهد Xi Jinping، الذي وصل إلى السلطة عام 2012 في أعقاب احتجاجاتٍ واسعة شهدتها التبت عام 2008 وأعمال عنفٍ دامية في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور.
يقول James Leibold، أستاذٌ في جامعة La Trobe بملبورن متخصّص في السياسات العرقية الصينية، إنّ بكين «لم تعد تتعامل مع مفهوم الوحدة العرقية بوصفه شعاراً سياسياً عاماً أو مسألةً من مسائل الدعاية المحلية»، بل باتت «تجعل من إنتاج هويةٍ وطنية صينية واحدة مسؤوليةً ملزمة تطال المدارس والأسر ووسائل الإعلام والمتاحف والكوادر الحزبية والميزانيات والمنصّات التقنية وأجهزة الأمن».
ويُجمل Leibold الرسالة بوضوح: «الهوية العرقية مقبولةٌ فقط حين تكون خاضعةً لهويةٍ صينية يحدّدها الحزب».
«أثرٌ مُثبِّط» يتجاوز الحدود
يُشير Leibold كذلك إلى «أثرٍ مُثبِّط» محتمل يطال الباحثين والصحفيين والناشطين وأبناء الجاليات الصينية في الخارج ممّن يدرسون السياسات القومية والحدودية الصينية أو ينتقدونها، إذ قد يدفعهم القانون إلى «الرقابة الذاتية، وتجنّب السفر، وتضييق النقاش الأكاديمي».
وفي السنوات الأخيرة، صعّد الحزب الشيوعي الصيني رقابته على المؤسّسات الدينية، وتراجع عن استخدام لغات الأقليات في مدارس التعليم الابتدائي والثانوي ورياض الأطفال. كما واجهت بكين اتّهاماتٍ بارتكاب انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها الاحتجاز التعسّفي الواسع النطاق للأويغور وغيرهم من المسلمين في شينجيانغ وهي اتّهاماتٌ ينفيها المسؤولون الصينيون.
وعلى صعيد القمع العابر للحدود، كشف تقريرٌ صادر عام 2022 عن منظمة Safeguard Defenders الحقوقية عن أدلّةٍ تُثبت وجود أكثر من 100 «مركز شرطة» صيني غير رسمي في مختلف أنحاء العالم، تعمل على مراقبة المواطنين الصينيين في المهجر ومضايقتهم وإعادتهم قسراً في بعض الحالات وهو ما نفته بكين أيضاً.
في المقابل، تقول بكين إنّ قانونها الجديد يحمي «الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأعراق» ولا «يمسّ حقّ الأقليات في استخدام لغاتها». وحين سُئل نائب وزير العدل Hu Weilie في مؤتمرٍ صحفي يوم الاثنين عن احتمال تطبيق القانون بـ«ولايةٍ قضائية مديدة الذراع»، ردّ بأنّ ذلك يتوافق مع المعايير الأساسية للقانون الدولي في ما يخصّ حماية الدول لسيادتها.
وقال: «الوحدة العرقية ركيزةٌ أساسية للازدهار الوطني والتنمية. والأنشطة غير المشروعة التي تتعمّد إذكاء التوتّرات العرقية وتقويض الوحدة العرقية والإضرار بالأمن القومي ستنخر في أسس هذه الوحدة وتضرّ بالمصلحة العامة والحقوق المشروعة للشعب».
غير أنّ صوت الأستاذ Leibold يبقى صدىً لما يقلق كثيرين خارج بكين: حين تتحوّل الهوية من حقٍّ يُمارَس إلى واجبٍ تفرضه الدولة، فإنّ الفارق بين الثقافة والسيطرة يبدأ في الاختفاء.
