انهيار تمويل مكافحة الإيدز يهدد حياة الملايين
ملايين مرضى الإيدز يواجهون أزمة تمويل بعد انتهاء دعم 120 منحة أمريكية مهمة لمكافحة الفيروس خاصة في إفريقيا مع إعادة هيكلة CDC وتحويل الصلاحيات لوزارة الخارجية مما يهدد استمرارية الخدمات الحيوية خَبَرَيْن

ملايين المرضى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) والإيدز، كثيرٌ منهم في إفريقيا، يواجهون مستقبلاً مجهولاً مع اقتراب موعد انتهاء تمويل البرامج الأمريكية العالمية. ففي سبتمبر المقبل، ستنتهي صلاحية 120 منحةً تمويلية مخصّصة لأعمال مكافحة HIV/الإيدز التي تنفّذها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية (CDC)، دون أن يكون ثمّة نظامٌ بديل واضح المعالم في مكانه.
تُقدّم هذه البرامج خدماتٍ لأكثر من 8.7 مليون مريضٍ حول العالم، وفق ما يقوله المحلّلون، وما يزال غير محسومٍ ما الذي سيحدث لكثيرٍ من هذه الخدمات بعد الأول من أكتوبر.
يأتي هذا في سياق إعادة هيكلة تجريها وزارة الخارجية الأمريكية لعمل CDC في مجال المبادرات الصحية العالمية، بهدف تعزيز سيطرتها المباشرة، وذلك وفق توجيهاتٍ داخلية نشرتها الوزارة في مايو الماضي.
تُرسي هذه التوجيهات الجديدة نهجاً «مُبسَّطاً» للمبادرة الأمريكية طويلة الأمد لمكافحة HIV/الإيدز، المعروفة بـ PEPFAR، أي الخطة الطارئة لرئيس الولايات المتحدة لمكافحة الإيدز، التي أسّستها إدارة بوش عام 2003. وتُعدّ PEPFAR من أبرز المبادرات الصحية العالمية، إذ يُنسب إليها إنقاذ أكثر من 26 مليون حياة والحيلولة دون ملايين الإصابات، معظمها في إفريقيا.
كانت PEPFAR تُدار مشتركةً بين الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وCDC وجهاتٍ حكومية أخرى، تحت إشراف وزارة الخارجية. غير أنّ الخطة الجديدة ستنقل قدراً أكبر بكثيرٍ من صلاحيات الإدارة إلى وزارة الخارجية بصورةٍ متسارعة. وقد أفاد عددٌ من المنتقدين والخبراء بأنّهم يؤيّدون مبدأ تبسيط PEPFAR وكان العمل على تحسين كفاءتها جارياً أصلاً لكنّهم يرون أنّ هذا النهج الجديد سيُضعف فاعلية المبادرة تضعيفاً بالغاً، ويُهمّش الخبراء الصحيين في CDC.
ومن المتوقّع أن تنتهي 120 منحةً أمريكية التمويل تخصّ فرع CDC في PEPFAR في غضون أسابيع، دون توافر آليات بديلة، وفق تحليلٍ حديث لبياناتٍ متاحة للعموم أجرته Health Security Policy Academy، وهي مركز أبحاثٍ أمريكي.
وكتب مؤلّفو التحليل: "قد تكون النتيجة آلةَ تقطيعٍ صحّية عالمية ثانية: الإتلاف المفاجئ لأنظمةٍ تشغيلية لا يزال المرضى والعيادات والعمّال الصحيون والمختبرات ووزارات الصحة يعتمدون عليها."
ومن المتوقّع أن تتفاوت التداعيات تفاوتاً كبيراً من بلدٍ إلى آخر. وستكون موزمبيق وتنزانيا وجنوب إفريقيا الأشدّ تضرّراً من هذا الانقطاع التمويلي هذا العام، وفق ما يُظهره التحليل.
تموّل هذه المنح طيفاً واسعاً من الخدمات، تشمل الفحص المجتمعي، والخدمات السريرية لـ HIV، وخدمات مختبرات HIV، ودواء الوقاية قبل التعرّض (PrEP)، وغير ذلك. وكثيرٌ من البرامج الخارجية المنتهية صلاحيتها قائمٌ منذ 15 أو 20 عاماً، إذ كان التمويل يُجدَّد عادةً بدوراتٍ خمسية.
وإلى جانب عدم تجديد البرامج الممولة أمريكياً التي يصادف انتهاؤها عام 2026، تعتزم وزارة الخارجية أيضاً استبدال بعض المنح الأخرى المتبقية لـ CDC، وأبلغت CDC بإلغاء بعض فرص التمويل المفتوحة، وفق مسؤولٍ في CDC.
وقال المسؤول، الذي لم يكن مأذوناً له بالتصريح رسمياً:"يبدو الأمر فعلاً وكأنّه نهاية PEPFAR. في حالاتٍ كثيرة، لم تُنشأ آلية وزارة الخارجية بعد. إذاً، هذا ليس نقلاً من مجموعةٍ من الخبراء إلى مجموعةٍ أخرى بل هو انتزاعٌ من خبراء ووضعٌ في صندوقٍ كبير عليه علامة استفهام."
جزءٌ آخر من الاستراتيجية الجديدة التي أُطلقت في مايو يتمثّل في الانتقال إلى نظامٍ تختار فيه الدول الشريكة من "قائمةٍ" بالخدمات، وتدفع مقابل ما تريده من خدمات CDC بصورةٍ مُفصَّلة. ويرى المحلّلون أنّ ذلك سيُخرج الوكالة الصحية الأمريكية من موقع القيادة ويحوّلها إلى مجرّد مقاولٍ من نوعٍ ما.
وأضاف مسؤول CDC أنّ المعيَّنين السياسيين في إدارة Trump "كانوا صريحين جداً في أنّ التمويل الإجمالي سيتراجع تراجعاً حادّاً"، مشيراً إلى أنّ مسؤولي وزارة الخارجية أوضحوا أنّهم لم يعودوا مهتمّين بتمويل بعض الأعمال المنهجية، كأنظمة المراقبة الصحية وبعض الأعمال المختبرية وتدريب الكوادر الصحية. أمّا الأجزاء التي يرغبون في الإبقاء على تمويلها، كالعمّال الصحيين والأدوية، فـ"هي لسنةٍ أو سنتَين فقط، وقد أبلغوا بعض الدول بالفعل بأنّنا سنوقف الدعم."
في المقابل، قالت وزارة الخارجية إنّ تمويل العمليات سيزيد مع الانتقال إلى ما تسمّيه "استراتيجية الصحة العالمية أمريكا أوّلاً". وتندرج التغييرات على PEPFAR ضمن هذه الاستراتيجية الأشمل، التي ستُوجَّه بموجبها المساعدات الأمريكية عبر نظامٍ جديد من مذكّرات التفاهم (MOU) الثنائية مع الدول، بدلاً من توزيعها عبر شركاء ومنظّمات المساعدات الدولية.
وقال متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية رداً على أسئلة :"تتوقّع وزارة الخارجية أن يزيد التمويل التشغيلي لـ CDC في الخارج لا أن يتراجع في إطار استراتيجية الصحة العالمية أمريكا أوّلاً."
وأضاف المتحدّث: "تحرص إدارة Trump على الحفاظ على الأثر المنقذ للأرواح لـ PEPFAR وتعزيزه، مع صون الدور التقني الرفيع لـ CDC، وضمان أن تُفضي المساعدات الأمريكية إلى نتائج راسخة." وأشار إلى أنّ كلّ دولةٍ متلقّية للمساعدات تعمل حالياً على خطّة لتنفيذ اتفاقيات MOU، وأنّ CDC تبقى "المزوّد المفضّل لجميع الخدمات التقنية للدول المستفيدة."
أمّا المتحدّث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، التي تُشرف على CDC، فقد قال: "إنّ الاقتراح بأنّ استراتيجية الصحة العالمية أمريكا أوّلاً ستُتلف البرامج الصحية العالمية يتجاهل عقوداً من عمل CDC لبناء قدرةٍ صحّية عامة مستدامة حول العالم"، مضيفاً أنّ "CDC تواصل تنفيذ برامج الصحة العالمية الممولة من الاعتمادات الكونغرسية."
انتقاداتٌ تتجاوز الانقسام الحزبي
استقطبت إعادة هيكلة وزارة الخارجية لـ PEPFAR انتقاداتٍ واسعة من خبراء وأعضاء في الكونغرس ومسؤولين سابقين في CDC عملوا في عهد إداراتٍ جمهورية وديمقراطية على حدٍّ سواء.
في مقالٍ نُشر في مايو بموقع Stat المتخصّص في أخبار الصحة، حذّر ثمانية مديرين سابقين لـ CDC من أنّ استراتيجية وزارة الخارجية، "إذا نُفِّذت على عجلٍ كما هو مخطَّط لها حالياً... ستُدمّر PEPFAR وتُقوّض الأمن الصحي حول العالم وفي بلدنا ذاته." وأضافوا أنّ نظام قائمة الخدمات مقابل الرسوم "يُخاطر بسحب الهيكل الداعم والخبرات" من البرنامج قبل أن يكون ثمّة بديلٌ فعّال جاهز.
وحثّ المديرون السابقون لـ CDC وزارةَ الخارجية وCDC والكونغرس على التعاون من أجل خطّة انتقالٍ أكثر استقراراً.
في غضون ذلك، أرسل مجموعةٌ من السيناتورات من الحزبَين رسالةً إلى لجنة المخصّصات في مجلس الشيوخ يطالبون فيها بزيادةٍ مباشرة في تمويل حساب الصحة العالمية لـ CDC، مؤكّدين أنّه "رغم ضرورة أن نكون حُرّاساً واعين للأموال العامة المنفقة على المساعدات الخارجية، فإنّ PEPFAR تُعدّ من أكثر برامج المساعدات الخارجية كفاءةً من حيث التكلفة، وتُحقّق عائداً استثمارياً هائلاً."
ولـ CDC "سجلٌّ حافل" في التنفيذ الناجح للعمل الأمريكي العالمي في مجال HIV/الإيدز، قالت المجموعة المؤلّفة من 23 سيناتوراً بقيادة القسّ Raphael Warnock (ديمقراطي عن ولاية جورجيا) والدكتور Bill Cassidy (جمهوري عن ولاية لويزيانا).
وقالت الدكتورة Michele Montandon، القائدة السابقة لفريق CDC المعني بالوقاية من انتقال HIV من الأمّ إلى الطفل، والتي أُحيلت إلى الفصل العام الماضي: "التحدّي الحقيقي في هذا المقترح هو أنّه ينظر إلى العمل العالمي في مجال HIV والاستجابة الصحية العالمية نظرةً تجاريةً بحتة، باعتبارها جزءاً من صفقات MOU هذه. ثمّة غيابٌ حقيقي للتركيز على المآلات الصحية وإنقاذ الأرواح وحماية الأمريكيين."
وأعربت Montandon عن قلقها إزاء استمرارية المساءلة والشفافية وجمع البيانات الدقيقة التي طالما اعتُبرت مفاتيح نجاح PEPFAR، مع تطبيق النظام الجديد القائم على اتفاقيات MOU الثنائية.
وقالت ل:"حين تُلزم الدول بتحقيق مؤشّراتٍ بعينها، نعلم أنّ الناس يميلون إلى إخبارك بما تريد سماعه. لذا تحتاج إلى منظومةٍ واسعة من أنظمة ضمان جودة البيانات والزيارات الميدانية والرقابة للتحقّق من دقّة البيانات."
وأضافت بشأن المنح المنتهية الصلاحية: "من الصعب جداً نقل دعم 8 ملايين شخصٍ في غضون أشهرٍ قليلة دون أن تحدث اضطراباتٌ جسيمة... حين يفقد الناس إمكانية الوصول إلى العلاج، يمرضون بالإيدز. الأطفال يُصابون بـ HIV. الناس يموتون."
وأشار مسؤول CDC إلى أنّ الموظّفين داخل الوكالة كانوا يعملون منذ فترةٍ طويلة على تحسين كفاءة PEPFAR وتعزيز مشاركة الحكومات الشريكة، بهدف ضمان أن يذهب المال الأمريكي المرصود لمكافحة HIV/الإيدز إلى أبعد مدى. ورأى المسؤول أنّ إعادة هيكلة PEPFAR تُعيق الكفاءة في الواقع.
وقال: "المفارقة أنّنا نسير للوراء فعلاً. نحصل على أقلّ بكثيرٍ مقابل كلّ دولارٍ ممّا كنّا نحصل عليه قبل عامَين بسبب هذه التغييرات."
أخبار ذات صلة

مواطن أمريكي يعمل في الكونغو الديمقراطية يُثبت إصابته بفيروس إيبولا

تجاوزت وفيات إيبولا المؤكدة في الكونغو الديمقراطية 600 حالة

رحلات آسيا: كيف تُعيد الأمريكيين إلى الصحة
