حكم المحكمة العليا يفتح باب المسؤولية في الحرب
حكمت المحكمة العليا الأمريكية لصالح جندي مصاب، مما يطرح تساؤلات حول حدود مسؤولية الشركات الخاصة في مناطق الحرب. القضية تكشف عن انقسام داخل المعسكر المحافظ وتسلط الضوء على الإهمال المحتمل من قبل مقاولين عسكريين. خَبَرَيْن.

قضيةٌ تبدو في ظاهرها نزاعاً قانونياً بين جندي مصاب ومقاول عسكري، غير أنّها تحمل في باطنها سؤالاً أعمق: أين تنتهي سلطة الدولة وتبدأ مسؤولية الشركات الخاصة في مناطق الحرب؟ المحكمة العليا الأمريكية أجابت يوم الأربعاء بحكمٍ لافت، وإن كان الانقسام داخل صفوف المحافظين أنفسهم يكشف أنّ الإجابة ليست بسيطةً كما قد تبدو.
{{MEDIA}}
المحكمة العليا تنحاز إلى الجندي المصاب
أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 لصالح المتخصص العسكري Winston T. Hencely، الذي أُصيب بجروحٍ بالغة إثر هجوم انتحاري على قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان عام 2016. الحكم، الذي صاغه القاضي Clarence Thomas، يُتيح لـ Hencely مواصلة دعواه القضائية ضد شركة المقاولات العسكرية المتّهمة بالإهمال.
كان Hencely في العشرين من عمره حين واجه المهاجم، وخرج من الحادثة بعجزٍ دائم في ذراعه اليسرى ويده اليسرى والجانب الأيسر من وجهه. أودى الهجوم بحياة 5 أشخاص من عسكريين ومدنيين، وأوقع أكثر من 12 مصاباً. ويعاني Hencely وفق ما أفاد به محاموه من آلامٍ مزمنة واضطراباتٍ معرفية وفقدانٍ للذاكرة وقلقٍ دائم.
من هو المنفّذ ومن المتّهم؟
جرى التعرّف لاحقاً على منفّذ الهجوم بوصفه Ahmad Nayeb، مواطناً أفغانياً كان يعمل في ساحة صيانة المركبات لدى مقاول عسكري. رفع Hencely دعوى قضائية ضد شركة Fluor Corporation وأحد مقاوليها من الباطن، متّهماً إياهما بالإخفاق في التحقق من خلفيات الموظفين الأفغان والإشراف عليهم بصورةٍ كافية.
كتب القاضي Thomas في حيثيات الحكم: "طلبت الحكومة من Fluor توظيف عمالة أفغانية وتوفير الخدمات اللوجستية لقاعدة باغرام الجوية، غير أنّها لم تطلب منها فيما يدّعيه Hencely أن تتركَ Nayeb دون إشراف، أو أن تسمح له بالتجوّل منفرداً لساعةٍ كاملة بعد انتهاء وردية عمله، أو أن تُمكّنه من الحصول على أدواتٍ غير مرخّصة يمكن استخدامها في تصنيع متفجّرة."
وأشار Thomas إلى أنّ الجيش الأمريكي خلص إلى أنّ تدخّل Hencely "أفضى على الأرجح إلى درء كارثةٍ أكبر بكثير."
سابقةٌ قانونية وسؤالٌ عن حدودها
لفهم هذا الحكم، لا بدّ من استحضار السياق القانوني. في عام 1988، أصدرت المحكمة العليا حكماً في قضية Boyle v. United Technologies Corporation يُقيّد حقّ الأفراد في مقاضاة المقاولين العسكريين على أضرار الإصابات. جاء ذلك الحكم في سياق دعوى رفعتها عائلة طيار مارينز لقي حتفه خلال تدريبٍ عسكري، وكانت تُطالب شركة تصنيع الطائرة المروحية بالتعويض بسبب تصميم فتحة النجاة الطارئة. آنذاك، أغلقت المحكمة المنقسمة بحدّة باب مثل هذه الدعاوى، مستندةً إلى أنّ الجيش الأمريكي كان قد وافق على التصميم.
احتجّت Fluor Corporation بأنّ هذه السابقة ينبغي أن تُنهي دعوى Hencely، مؤكّدةً أنّ الجيش هو من أجاز توظيف Nayeb وأخفى عنها المخاوف الأمنية المتعلقة به. وانحازت إدارة Trump إلى جانب المقاول من الباطن، مستدلّةً بأنّ المقاولين العسكريين لا ينبغي أن يخضعوا لدعاوى المسؤولية التقصيرية أمام محاكم الولايات.
شاهد ايضاً: ميانمار: الجيش يرفض عرض محادثات السلام
بيد أنّ Hencely ردّ بأنّ قضية 1988 مختلفةٌ جوهرياً، إذ كان المقاول في تلك القضية يُنفّذ أوامر الحكومة حرفياً. وقال محاموه أمام المحكمة العليا خلال المرافعات الشفهية في مطلع نوفمبر: "قضية Boyle أرست دفاعاً محدوداً للمقاولين الذين يفعلون ما تأمر به الحكومة. لكنّها لا تنطبق هنا، لأنّ الجيش ذاته خلص إلى أنّ Fluor ارتكبت مخالفة."
انقسامٌ داخل المعسكر المحافظ
ما يستحقّ التأمّل في هذا الحكم ليس نتيجته وحدها، بل الانقسام الذي كشفه داخل الجناح المحافظ في المحكمة. كتب القاضي Samuel Alito رأياً مخالفاً، انضمّ إليه رئيس المحكمة John Roberts والقاضي Brett Kavanaugh، يرى فيه أنّ مناطق الحرب تقع تقليدياً تحت سلطة الحكومة الفيدرالية لا الولايات.
كتب Alito: "هل يحقّ لولايةٍ ما تنظيمُ الترتيبات الأمنية على قاعدةٍ عسكرية في منطقة حربٍ نشطة؟ هل يحقّ لقضاة ومحلّفي الولايات إصدار أحكامٍ في مسائل تتشابك بلا فكاكٍ مع قراراتٍ عسكرية تُوازن بين مخاطر الحرب والأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى؟ في تقديري، الجواب عن هذين السؤالين لا بدّ أن يكون 'لا'." وأضاف أنّ هذه الدعوى التقصيرية المستندة إلى قانون الولاية "تُعدّ متجاوَزةً بموجب الصلاحيات الحربية التي منحها الدستور حصراً للحكومة الفيدرالية."
مسارٌ قضائي طويل
رفع Hencely دعواه أمام محكمة فيدرالية في ولاية South Carolina، مدّعياً الإهمال في الإشراف وجملةً من المطالبات الأخرى وفق قانون الولاية. حكمت محكمة الدرجة الأولى لصالح المقاول، فطعن Hencely في الحكم أمام محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الرابعة التي أيّدت بدورها الحكم الابتدائي. لم يبقَ أمامه سوى اللجوء إلى المحكمة العليا، التي أنصفته في نهاية المطاف.
ولكن هل هذا نهاية المطاف فعلاً؟ الحكم لا يُلزم Fluor بدفع تعويضاتٍ لـ Hencely؛ هو يفتح الباب أمام استمرار التقاضي فحسب. المعركة القانونية لم تنتهِ، وما أنجزه الحكم هو إعادة Hencely إلى نقطة البداية مع فارقٍ واحد: أنّ المحكمة العليا باتت تقف خلفه.
أخبار ذات صلة

ترامب يمدّد الهدنة مع إيران: الدوافع والحسابات

مجلس النواب يوافق على تمديد مؤقت لقانون المراقبة الرئيسي رغم انتكسات قيادية
