خَبَرَيْن logo

البقاء تحت القصف أفضل من النزوح المهين

في ظل التهديدات الإسرائيلية بالإخلاء القسري، يروي سكان الجنوب اللبناني تجاربهم بين البقاء تحت القصف أو النزوح المذل. كيف يختار الناس بين الأمان والكرامة؟ اكتشفوا قصصهم المؤلمة في خَبَرَيْن.

دمار هائل في مدينة صور، يظهر مباني مهدمة وسيارة متضررة، يعكس آثار القصف الإسرائيلي وتأثيره على المدنيين في لبنان.
أدت الهجمات الإسرائيلية بالقرب من مستشفى حيرام في صور إلى تحويل المباني إلى أنقاض، في 16 أبريل.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في مدينة صور، جنوب لبنان، كانت أمّ سعيد في منزلها قرب دوّار البص صباح الرابع من مارس، حين أصدر الجيش الإسرائيلي تهديداً بالإخلاء القسري لجنوب لبنان بأسره.

أخذت تتحرّك بارتباك، تجمع ما تستطيع من أغراض وتوقظ أفراد العائلة النائمين، فيما أطلق بعض السكان الرصاص في الهواء تحذيراً للناس كي يغادروا. ركبت مع زوجها ياسر وابنتها سميحة وطفلة سميحة ذات الأربع سنوات سيارتهم، وتوجّهوا نحو ميناء صور ظنّاً منهم أنّه بمنأى عن الضربات الإسرائيلية.

وصفت أمّ سعيد مشاهد الهلع التي عاشتها على الطريق: "بعض النساء خرجن من بيوتهن دون أن يغطّين رؤوسهن، وآخرون لم يكونوا قد ارتدوا ملابسهم كاملةً، وكبار السن يسيرون على أقدامهم". رحلةٌ لا تستغرق عادةً سوى دقائق معدودة امتدّت ثلاث ساعات كاملة. وما إن وصلوا إلى الميناء، حتى أقنع ياسر زوجته بالتوجّه شمالاً إلى بيروت والمكوث عند أحد الأصدقاء، كما فعلوا حين صعّد الجيش الإسرائيلي هجماته في سبتمبر 2024، في ما بات يُعرف في لبنان بـ"تصعيد الستة والستين يوماً".

شاهد ايضاً: صور الأقمار الصناعية تكشف توسّع إسرائيل مواقعها العسكرية بغزة

قالت سميحة، وهي تجلس الآن في منزلها بصور بعد عودة العائلة إليه: "حين وصلنا إلى بيروت، كنت لا أزال أرتدي ملابس النوم".

"البقاء تحت القصف أهون من نزوح مُهين"

في الثاني من مارس، صعّد الجيش الإسرائيلي حربه على لبنان للمرة الثانية في أقلّ من عامين، موجّهاً ضرباته نحو مساحات واسعة من البلاد. وفي وقتٍ متأخّر من تلك الليلة، ردّ حزب الله لأوّل مرة على ما يقارب خمسة عشر شهراً من الهجمات الإسرائيلية دون ردٍّ مماثل، وذلك بإطلاق صواريخ عبر الحدود، في أعقاب مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في اليوم الأوّل من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير.

في الأيام التالية، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء طالت نحو 14 بالمئة من الأراضي اللبنانية، شملت جنوب لبنان بأسره، وعدداً من قرى البقاع الشرقي، والضاحية الجنوبية لبيروت بالكامل. وسرعان ما وجد أكثر من 1.2 مليون شخص، أي ما يزيد على 20 بالمئة من سكان لبنان، أنفسهم نازحين عن ديارهم.

شاهد ايضاً: قوات إسرائيلية تقتل سائقي شاحنة مياه في غزة.. واليونيسيف تستنكر

وصفت منظمة Human Rights Watch تهجير إسرائيل للمدنيين في لبنان بأنّه "جريمة حرب محتملة"، مشيرةً إلى أنّ "الحرب ليست ترخيصاً لطرد الناس من أراضيهم".

أمام تهديدات الإخلاء القسري، وجد سكان الجنوب أنفسهم أمام معادلة صعبة: الموازنة بين خطر الموت في الغارات الإسرائيلية من جهة، ومشقّة الاعتماد على كرم الآخرين أو دفع إيجارات باهظة للسكن المؤقّت من جهة أخرى.

غادر بعضهم؛ وآثر آخرون البقاء.

شاهد ايضاً: أعداد قياسية من لاجئي الروهينجا يفقدون أرواحهم في البحار

آية وعائلتها قرّروا الثبات في بلدة العبّاسية، على بُعد نحو 8 كيلومترات من صور. هذه الخرّيجة الحديثة من الجامعة الإسلامية في صور، التي سبق أن نزحت خلال تصعيد عام 2024، قالت إنّها لا تريد أن تمرّ مجدّداً بتجربة الإذلال التي عاشتها مع أصحاب الشقق الذين رفعوا الإيجارات وأساؤوا معاملة النازحين.

"البقاء تحت القصف قد يكون أهون نفسياً من صدمة النزوح ذاتها"، قالت لـ Al Jazeera عبر الرسائل.

يشعر كثير من أبناء الجنوب بارتباطٍ عميق بأرضهم، ولعلّ ذلك يعود جزئياً إلى الاجتياحات الإسرائيلية المتكرّرة على مرّ السنين، وإلى الاحتلال الإسرائيلي الذي دام عقدين قبل أن ينتهي عام 2000. وقد عاد شبح عزل المنطقة عن بقية لبنان ليتجسّد من جديد حين قصف الجيش الإسرائيلي الجسور المؤدّية إلى الجنوب.

شاهد ايضاً: العودة إلى الجنوب المدمّر: اللبنانيون يختبرون الهدنة الهشّة

قالت آية: "السبب الأهمّ هو الخوف من أن يُحاصَر الناس خارج الجنوب لفترة طويلة، حتى بعد انتهاء الحرب". وأضافت: "وثمّة سببٌ قد يبدو بسيطاً لكنّه حقيقيٌّ جداً، وهو ارتباطنا العاطفي ببيوتنا وبالجنوب وبصور. ليس سهلاً أن تغادر مكاناً يشعرك بأنّك في بيتك".

يجد كثير من النازحين أنفسهم في أوضاعٍ هشّة، إذ يضطرّون للاختيار بين الأمان والأعباء المادية كتكاليف الإيجار. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ النازحين "يعانون معدّلات أعلى من الفقر متعدّد الأبعاد".

بعد وصولهم إلى بيروت مطلع الشهر الماضي، لم يمكث ياسر وأمّ سعيد سوى يومٍ واحد قبل أن يقرّرا العودة إلى صور. غير أنّ أصوات الحرب المتواصلة لم تمنحهم راحةً: أزيز الطائرات الحربية، ودويّ الطائرات المسيّرة، والانفجارات التي تهزّ الأرض. فعادوا إلى بيروت في اليوم التالي.

شاهد ايضاً: الغارات الإسرائيلية تحصد أرواحاً في غزة رغم "وقف إطلاق النار"

بعد أسابيع، وتحديداً في الثامن من أبريل، أُعلن عن وقف إطلاق نار بين إيران والولايات المتحدة. بيد أنّ خلافاً نشأ حول مصير لبنان: إذ أكّدت إيران وباكستان، التي توسّطت بين طهران وواشنطن، أنّ لبنان مشمولٌ بالاتفاق، في حين نفى ذلك كلٌّ من إسرائيل والولايات المتحدة.

"ارتكبوا مجازر"

في صباح ذلك اليوم، حزم ياسر وأمّ سعيد أمتعتهم وانطلقوا عائدَين إلى صور. حاول مضيفهم في بيروت إقناعهما بالبقاء يوماً إضافياً للتثبّت من صمود وقف إطلاق النار، لكنّ العائلة أصرّت على العودة.

وصلوا إلى صور نحو منتصف النهار. وبعد ثلاث ساعات فحسب، شنّ الجيش الإسرائيلي أكثر من 100 غارة في أقلّ من 10 دقائق، استهدفت أحياءً مكتظّة بالسكان في وسط بيروت، من بينها المنطقة ذاتها التي كان ياسر وأمّ سعيد يقيمان فيها.

شاهد ايضاً: إسرائيل في خلافٍ مع زعيم كوريا الجنوبية بشأن مخاوف الاعتداءات بحق الفلسطينيين

وفي وقتٍ لاحق من المساء، دمّر الجيش الإسرائيلي مبنىً آخر في وسط بيروت. كان ذلك اليوم الأكثر دموية في لبنان منذ سبتمبر 2024، إذ سقط أكثر من 350 قتيلاً وأكثر من 1000 جريح.

في السادس عشر من أبريل، دخل وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ أخيراً، بعد 46 يوماً من القصف الإسرائيلي وعملية برية في جنوب البلاد.

لكنّ الجيش الإسرائيلي واصل قصف جنوب لبنان حتى الدقائق الأخيرة. وفي صور، تجادل السكان يوم الأحد حول ما إذا كانت آخر ضربة قد وقعت عند الساعة 11:59 مساءً أم عند منتصف الليل بالضبط.

شاهد ايضاً: آلاف الفلسطينيين يؤدون الصلاة في المسجد الأقصى بعد حظر دام 40 يومًا من إسرائيل

بعد خمس عشرة دقيقة من منتصف الليل، أرسل ياسر إلى Al Jazeera مقطع فيديو يُظهر دخاناً رمادياً داكناً يتصاعد من موقع غارة جوية. وبعد ربع ساعة أخرى، أرسل رسالة صوتية بصوتٍ يرتجف قليلاً وهو يصف "مجازر في صور".

"دمّروا المباني، دمّروا الأحياء من حولنا"، قال، وهو يسمّي الشوارع التي استُهدفت قرب منزله. "كلّ شيء مدمَّر. في اللحظة الأخيرة ارتكبوا مجازر، وهناك الآن جرحى كثيرون جداً".

يوم الأحد، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه أُمر باستخدام "القوة الكاملة" في مواجهة "التهديدات" في لبنان رغم سريان وقف إطلاق النار، وقف ياسر على شرفة منزله. أشار إلى مكانٍ على بُعد أكثر من 100 متر قليلاً: "هناك، أسقطوا خمسة مبانٍ"، قال. ثمّ التفت في الاتجاه المعاكس وأضاف: "وهناك، أسقطوا مبنىً آخر".

شاهد ايضاً: يقول جيه دي فانس إن إيران ستكون "غبية" إذا سمحت بانهيار المحادثات بسبب لبنان

بحلول السابع عشر من أبريل، كان ستة أسابيع من الهجمات الإسرائيلية قد أودت بحياة ما يقارب 2300 شخص في لبنان.

أخبار ذات صلة

Loading...
تظهر الصورة عمليات هدم لأحد المباني في منطقة حدودية لبنانية، حيث تعمل جرافات إسرائيلية على إزالة الأنقاض وسط مشهد من الدمار.

هل تنتهك إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار اللبناني برسمها «الخطّ الأصفر»؟

في خضم التوترات المتصاعدة، يُلقي وقف إطلاق النار بظلالٍ من الشكّ على مستقبل لبنان، حيث تتجدد الهجمات الإسرائيلية رغم الهدنة. هل ستنجح جهود السلام أم ستستمر دوامة العنف؟ اكتشف المزيد عن هذه الأوضاع المعقدة.
الشرق الأوسط
Loading...
شاب يظهر من نافذة سيارة، يرفع إشارة النصر، بينما تظهر عائلات في الخلفية تعود إلى قراها بعد النزوح بسبب القصف الإسرائيلي.

عودة النازحين اللبنانيين وسط انتهاكات إسرائيلية للهدنة في الجنوب

تتسارع الأحداث في لبنان، حيث تتجه العائلات المهجرة نحو قراها رغم الدمار المستمر. هل ستنجح الهدنة الهشة في إعادة الأمل؟ تابعوا معنا لتعرفوا المزيد عن تطورات الوضع الراهن في المنطقة.
الشرق الأوسط
Loading...
صحفية أمريكية ترتدي حجابًا، تبتسم أمام مبنى في بغداد، بعد إعلان إطلاق سراحها من قبل كتائب حزب الله.

مجموعة مسلحة عراقية تطلق سراح الصحفية الأمريكية شيللي كيتلسون التي تم اختطافها

في خطوة مثيرة، أعلنت كتائب حزب الله العراقية عن إطلاق سراح الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون، بعد فترة من الاحتجاز في بغداد. تابعوا تفاصيل هذه القصة المثيرة وتداعياتها على حرية الصحافة في المنطقة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية