خَبَرَيْن logo

صراع الأورال ومحادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا

في خضم هجمات الطائرات المسيّرة على الأورال وتدهور الأوضاع الاقتصادية، بوتين يعرض استئناف محادثات السلام مع أوكرانيا بشروط روسية صارمة وسط تعثر الهجوم الروسي وتحديات ميدانية كبيرة. التفاصيل على خَبَرَيْن.

صورة لبوتين أثناء اجتماع، يظهر فيها بملامح جدية وتركيز، مع وجود أشخاص آخرين في الخلفية. تعكس الصورة الأجواء السياسية المتوترة.
يشارك رئيس روسيا فلاديمير بوتين في اجتماع مع رئيس وزراء تيمور الشرقية كاي رالا كسانا غوسماو على هامش قمة روسيا-آسيان في قازان، روسيا، 18 يونيو 2026.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أواخر أبريل، اخترقت أسرابٌ من الطائرات المسيّرة الأوكرانية سماء يكاترينبورغ العاصمة الإدارية لمنطقة الأورال، التي تبعد أكثر من 1,800 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية. كان الهدف منشأةً تُصنَّع فيها مكوّنات منظومات الدفاع الجوي، وما إن وقع الهجوم الأول حتى أُغلق مطار يكاترينبورغ خمس مرات على الأقل. في المحطات، طوابير أمام مضخّات الوقود. في المتاجر، رفوفٌ تفرغ ببطء. في الهواء، رائحة قلقٍ لم يألفها الأوراليون من قبل.

لقرونٍ طويلة، كان التعبير الروسي «خلف جبال الأورال» يعني شيئاً واحداً: الأمان من الغزو الأجنبي. في حملة نابليون عام 1812 وفي الاجتياح النازي عام 1941، كان الجبل الفاصل بين روسيا الأوروبية وسيبيريا يمثّل خطّ الإنقاذ، حيث تُجلى المدنيون وتُنقل المصانع العسكرية بعيداً عن نيران المعركة. لم يعد ذلك صحيحاً اليوم.

أناتولي، صاحب عملٍ صغير في يكاترينبورغ يبلغ من العمر 45 عاماً، وصف المشهد بكلماتٍ لا تحتاج إلى تعليق: «الأسعار ترتفع، المحالّ تُغلق، هناك طوابير عند محطات الوقود، ولا يسمحون بملء الجراكن» حتى لا يُعاد بيعه بأسعار أعلى. وأضاف أن الناس «يحاولون تخزين الطعام» تحسّباً لكارثةٍ يشعرون باقترابها. أحجم أناتولي عن ذكر اسمه الأخير بسبب موقفه المعارض للحرب، قال. «ما يطير فوقنا مزعجٌ، لكنّه مستحَق».

«روسيا مستعدّة لمحادثات السلام»: بوتين

على الجبهة الدبلوماسية، أخفق الهجوم الصيفي الروسي المصمَّم للسيطرة على الجزء الخاضع للسيطرة الأوكرانية من منطقة دونباس الجنوبية الشرقية، وقضم مزيدٍ من الأراضي في شمال أوكرانيا وجنوبها. وفي مقابل هذا الإخفاق، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير Putin رغبته في استئناف محادثات السلام التي توقّفت على خلفية الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

«روسيا مستعدّة لمحادثات سلام مع أوكرانيا على أساس اتفاقيات إسطنبول» التي صِيغت عام 2022، قال Putin يوم الثلاثاء.

غير أن كييف على الأرجح ستُسقط معظم المطالب الروسية باعتبارها غير واقعية. ويرى المراقبون أن Putin يسعى ببساطة إلى كسب الوقت.

«هذه رغبته في التريّث بحثاً عن مخرجٍ من موقفٍ صعب»، قال نيكولاي ميتروخين، باحثٌ من أصلٍ موسكوفي في جامعة بريمن الألمانية، وأضاف: «للمرة الأولى منذ خريف 2022، أصبح أمام أوكرانيا فرصةٌ حقيقية للفوز بالحرب»، في إشارةٍ إلى العملية الجريئة التي نفّذتها القوات الأوكرانية رغم قلّة عددها، وأجبرت جيشاً روسياً أكبر حجماً على الانسحاب من شمال أوكرانيا.

مشهد لامرأة تنظر إلى مبنى مدمر في يكاترينبورغ، حيث تظهر أشعة الشمس من خلال الفتحات، مما يعكس تأثير الحرب على المدينة.
Loading image...
تغرب الشمس خلف مبنى سكني متعدد الطوابق تعرض لأضرار بالغة بعد هجوم ليلي، أطلق عليه المسؤولون الذين عينتهم روسيا اسم هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية، في مدينة هورليفكا (غورلوفكا) في منطقة دونيتسك، وهي منطقة تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا، 24 يونيو 2026.

وقد لخّص محلّلٌ موالٍ للكرملين جوهر المطالب الروسية. كتب سيرغي ماركوف، رئيس مجموعة معهد الأبحاث السياسية في موسكو، عبر Telegram أن أوكرانيا يجب أن تخضع لما وصفه بـ«إزالة النازية»، مردّداً الرواية الروسية المثيرة للجدل حول «جنتا نازية جديدة» يُدّعى أنّها تحكم أوكرانيا. كما طالب بنزع السلاح الأوكراني مع تحديد سقفٍ للأسلحة الثقيلة وأعداد القوات، وأن تكون أوكرانيا «محايدة» وألّا تنضمّ إلى NATO أبداً، مع الحصول على ضماناتٍ أمنية من الغرب وروسيا.

وطالب ماركوف بأن تُوقف كييف «القمع ضدّ اللغة الروسية»، في إشارةٍ إلى حزمة قوانين عزّزت مكانة اللغة الأوكرانية على حساب الروسية وهو ما يعتبره عددٌ من المسؤولين الأوكرانيين جزءاً من الهيمنة الإمبريالية الروسية. وأضاف أن أوكرانيا يجب أن تُحظر عليها تطوير أسلحة نووية.

خريطة توضح السيطرة في أوكرانيا حتى 10 يونيو 2026، مع تحديد المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية والأوكرانية وتقدم القوات.
Loading image...
الجزيرة

كذلك طالب بانسحاب كييف من دونباس، قلب الصناعة الثقيلة الأوكرانية وثرواتها المعدنية، فيما يجب أن تُعترف بالقرم «بصيغةٍ قانونية ما» جزءاً من روسيا. وأردف ماركوف أن أيّ معاهدة سلام ينبغي أن يوقّعها قائدٌ «شرعي» لأوكرانيا، مستعيداً الادّعاءات الروسية بأن ولاية الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy قد «انتهت» علماً بأن أوكرانيا لم تُجرِ انتخاباتٍ بسبب الأحكام العرفية المعمول بها.

وعلى أرض المعركة، فشل الهجوم المضادّ الأوكراني، وواصل الجيش الروسي تقدّمه البطيء رغم خسائر بشرية بعشرات الآلاف حتى كاد يتوقّف هذا العام. يتقدّم في دونباس بخطواتٍ بطيئة للغاية، لكن أيّ مكاسب هناك «لن تبرّر الانهيار في العمق»، حيث باتت خطوط الإمداد تحت رقابة متزايدة من الطائرات المسيّرة الأوكرانية، وفق ما قاله ميتروخين. وإذا استمرّ هذا الانهيار «بالوتيرة الحالية، فإن الجيش الروسي سيضطرّ ببساطة إلى التراجع».

دخان أسود كثيف يتصاعد في سماء يكاترينبورغ، مع ظهور كنيسة ذات قبة ذهبية ونصب تذكاري في المقدمة، مما يعكس أجواء القلق في المدينة.
Loading image...
تصاعد الدخان من مصفاة نفط بعد هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية خلال النزاع بين روسيا وأوكرانيا، في موسكو، روسيا، 18 يونيو 2026، في هذه الصورة التي تم الحصول عليها من وسائل التواصل الاجتماعي.

ويرى مراقبٌ آخر أن قرار Putin باستئناف محادثات السلام لا يعكس بالضرورة سخطاً شعبياً على التقدّم المتعثّر والخسائر الفادحة والاقتصاد المتراجع. «التغيير حدث منذ زمنٍ بعيد»، قال سيرغي بيزييكين، ناشطٌ معارضٌ في المنفى من مدينة ريازان الغربية. «لأن أنصار الحرب ومعارضيها كانوا يظنّون أن النصر سيكون سريعاً. مع الوقت، أدرك الأنصار أن Putin لا يصنع المعجزات، وأن الأمور في روسيا عادت إلى طبيعتها المعهودة: الفوضى والفساد».

وأضاف: «في روسيا، عتبة الألم مرتفعةٌ جداً. قد يكون الناس ضدّ الحرب، لكنّهم يتحمّلون كلّ شيءٍ بصبرٍ ويعملون لصالح هذه الحرب. أمّا الفاعلون، فقد غادروا منذ زمنٍ طويل».

الفرار من موسكو إلى الريف... دون أمان

لا يجد سكّان موسكو الفارّون من هجمات الطائرات المسيّرة أماناً حقيقياً حتى في الريف. أرسيني، كاتب إعلاناتٍ من موسكو، انتقل إلى منزله الريفي في منطقة ياروسلاف، على بُعد 280 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة. «هنا أكثر أماناً بكثيرٍ من موسكو»، قال مُحجماً عن ذكر اسمه الأخير بسبب موقفه المعارض لـ Putin.

«الهواء أنقى بكثير» مقارنةً بموسكو، حيث سقطت «أمطارٌ زيتية» سامّة وسوداء في أعقاب هجومَين بطائراتٍ مسيّرة استهدفا مصفاةً كبرى في منتصف يونيو. لكن حتى في هذا الملجأ الريفي، يسمع أرسيني دويّ الطائرات المسيّرة الأوكرانية وانفجارات منظومات الدفاع الجوي. «أوّل أمس، كانوا يُسقطونها على بُعد 10 كيلومترات منّا. ارتجّ البيت ثلاث مرات»، قال بنبرةٍ فيها مرارةٌ ودهشة.

وتُسهم «عقوبات الطائرات المسيّرة» الأوكرانية على حدّ تعبير التقارير في تعميق ما وصفه تقريرٌ صادر في 11 يونيو عن معهد Kiel للاقتصاد العالمي في السويد ومعهد ستوكهولم لاقتصاديات الانتقال بـ«الإنهاك البنيوي» للاقتصاد الروسي. جاء في التقرير: «تتّضح معالم نهايةٍ اقتصادية حقيقية لروسيا. لم ينهر الاقتصاد، لكنّ الأسس البنيوية تآكلت بسرعة».

في المقابل، لا يخفي كثيرٌ من الأوكرانيين شعورهم بـ«الشماتة» وهي كلمةٌ ألمانية (Schadenfreude) باتت تُعبّر عمّا يختلج صدورهم. «إنّها الكلمة المناسبة تماماً لما أشعر به»، قالت هانّا أونوبرييينكو، مستشارةٌ مالية تسكن حيّ لوكيانيفكا في وسط كييف، وهو الحيّ الذي تعرّض لعشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة الروسية وخرج منها مُثخَناً. آخر هجومٍ في أواخر مايو خلّف ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى، وأحرق مركزاً تجارياً فوق محطة مترو. «ومع ذلك، أدركُ أن ما يعيشونه لا يتجاوز خمسة بالمئة ممّا مررنا به نحن».

أخبار ذات صلة

Loading...
موقع تدمير مبنى في موسكو بعد ضربة طائرة مسيرة أوكرانية، مع وجود سيارة إسعاف وحاجز أمني في المكان.

هجوم درون أوكراني على موسكو يستهدف مركزاً فضائياً ويودي بحياة رضيع

تتصاعد الهجمات الأوكرانية على مركز الاتصالات الفضائية قرب موسكو باستخدام الطائرات المسيّرة في حملة تهدف لإنهاء الحرب مع روسيا. اكتشف التفاصيل وتابع المستجدات الآن!
Loading...
طوابير طويلة من السيارات أمام محطة وقود في سيفاستوبول، حيث تعاني المدينة من نقص حاد في الوقود بسبب القيود المفروضة.

جزيرة القرم تحت الحصار: أوكرانيا تشدّد الضغط على روسيا بقطع الكهرباء والوقود

تعيش سيفاستوبول أوقاتاً عصيبة مع تكرار انقطاعات الكهرباء وارتفاع حدة الهجمات الأوكرانية، مما يترك السكان في حالة من القلق. هل ستستعيد المدينة عافيتها؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا المزيد عن الوضع الراهن.
Loading...
زيلينسكي يقدم وسام الشرف البولندي إلى الرئيس نافروتشكي، معبراً عن احترامه للشعب الأوكراني وسط توترات تاريخية.

زيلينسكي يعيد أعلى وسام بولندي وسط خلافٍ متصاعدٍ حول وحدةٍ قومية في الحرب

في خضم توترات تاريخية متجددة، أعاد الرئيس الأوكراني زيلينسكي وسام الشرف البولندي إلى وارسو، مما أثار جدلاً واسعاً حول ماضي الحرب العالمية الثانية. هل ستنجح أوكرانيا وبولندا في تجاوز هذه الجراح القديمة؟ تابعوا التفاصيل.
Loading...
تصاعد الدخان من مبنى تاريخي أثناء اندلاع حريق، مع وجود رجال إطفاء ومركباتهم في موقع الحادث، مما يعكس تأثيرات الصراع في المنطقة.

استراتيجية أوكرانيا الجديدة بالطائرات المسيّرة: كيف تُفكّك خطوط إمداد روسيا

تتغير ملامح الحرب في أوكرانيا مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، حيث تحوّلت الطرق السريعة إلى مناطق خطر حقيقية. اكتشف كيف تعيد هذه الطائرات رسم قواعد الإمداد الروسية وتهدد استراتيجيات بوتين. تابع القراءة!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية