أزمة الكهرباء والوقود تضرب حياة سكان سيفاستوبول
تشهد سيفاستوبول في القرم انقطاعات كهربائية متكررة وهجمات أوكرانية على البنية التحتية، وسط أزمة وقود وحظر على المواطنين. الحياة اليومية تتأثر والسياحة تتراجع، بينما السكان يعيشون في حالة توتر وحذر. خَبَرَيْن.

-لا تزال انقطاعات الكهرباء تُلقي بظلالها على سيفاستوبول، أكبر مدن شبه جزيرة القرم الواقعة تحت السيطرة الروسية، في أعقاب ضربات أوكرانية متكررة ومتصاعدة الحدة على الجزيرة.
أعلن ميخائيل رازفوزهاييف، الحاكم الذي نصّبه الكرملين على المدينة، يوم الخميس، أنّ قيوداً فُرضت في أرجاء المدينة كافة، وحثّ السكان على تخفيف الحمل على شبكة الكهرباء. وأفاد قائد قوات الطائرات المسيّرة الأوكرانية Robert Brovdi بأن كييف شنّت 7 هجمات على محطة التحويل الكهربائي الرئيسية في سيفاستوبول في الساعات الأولى من فجر الأربعاء.
كانت روسيا قد ضمّت شبه جزيرة القرم عام 2014، في خطوةٍ أثارت إدانةً دولية واسعة، وذلك في أعقاب احتجاجات الميدان التي أطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لموسكو آنذاك، فيكتور يانوكوفيتش. وكانت سيفاستوبول، المدينة الساحلية ذات الثقل التاريخي، تحتضن مقرّ الأسطول الروسي في البحر الأسود.
حين انتُخب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عام 2019، أعلن طموحه الصريح باستعادة السيطرة على شبه جزيرة القرم، وهو خطابٌ تصاعدت حدّته منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022.
في الأسابيع الأخيرة، صعّدت أوكرانيا عملياتها العسكرية هناك، في إطار مساعي كييف الأشمل لرفع الضغط على الكرملين. وقد ألقت هذه الحملة بثقلها على الحياة اليومية لسكان شبه الجزيرة، إذ باتت الضربات بالطائرات المسيّرة متكررة، فيما فُرض حظر على بيع الوقود للمواطنين العاديين، وجرى تعليق مخيّمات الأطفال الصيفية.
قالت إحدى ساكنات سيفاستوبول بأن إنذارات الغارات الجوية باتت أكثر تكراراً في الأسابيع الأخيرة، وقد تبلغ عدة إنذارات في اليوم الواحد.
و وصفت الطائرات المسيّرة وهي تحلّق فوق المدينة وفي محيطها، مشيرةً إلى أن عمليات الاعتراض باتت تجري فوق المدينة مباشرةً بدلاً من فوق البحر الأسود كما كان الحال سابقاً. وقالت إن المدينة أصبحت "أكثر خطورة".
وأعلنت الإدارة الإقليمية المنصَّبة روسياً في القرم يوم الأحد أن الوقود لن يكون متاحاً إلا للجهات الحكومية، دون المواطنين العاديين أو الشركات.
وأوضحت الساكنة التي آثرت عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية أن محطات الوقود خاليةٌ تماماً، غير أن وسائل النقل العام لا تزال تعمل. وأشارت إلى أنها اشترت الوقود حين كان متوفراً، بسعرٍ أعلى بكثير من المعتاد.
أجواء "حذرة" في صفوف السياح
ظلّت شبه جزيرة القرم وجهةً سياحية محبوبة لدى الروس والأوكرانيين منذ ما قبل الحقبة السوفيتية. وفي خضمّ الحرب العالمية الثانية، استضافت مدينة يالطا الساحلية اللقاءَ التاريخي الذي جمع رئيس الوزراء البريطاني Winston Churchill والرئيس الأمريكي Franklin Roosevelt والزعيم السوفيتي Joseph Stalin؛ وفي تلك الحقبة ذاتها، عاشت القرم فصلاً مظلماً من فصول الحكم الستاليني، حين أُقدم على ترحيل سكان شبه الجزيرة من التتار قسراً بأمرٍ من Stalin.
كانت شبه الجزيرة واجهةً سياحية بامتياز في الحقبة الشيوعية. وبعد استقلال أوكرانيا عام 1991، خفت بريق منتجعاتها العريقة، لكنّ شواطئها البرية وحفلاتها الصاخبة على الشاطئ استقطبت السياح الدوليين. ومنذ الضم عام 2014، ضخّ الرئيس الروسي Vladimir Putin مليارات الدولارات في البنية التحتية للقرم، ليحوّلها إلى وجهة سياحية متطورة. بيد أن هذا المسار بات يترنّح اليوم مع تصاعد انقطاعات الكهرباء وأزمة الوقود.
وأعلن سيرغي أكسيونوف، رئيس القرم المعيَّن روسياً، هذا الأسبوع تعليق جميع مخيّمات الأطفال حتى الأول من سبتمبر.
ووثّقت مقاطع مصوّرة عدة صُوِّرت في سيمفيروبول، ثاني مدن شبه الجزيرة، ونُشرت عبر الإنترنت، مشاهد طرقٍ وفضاءات عامة خاوية. وفي مقطعٍ تمّ تصويره نحو الساعة التاسعة مساءً يوم الثلاثاء، تصف امرأةٌ المدينةَ بأنها تبدو كأنها "في قلب نهاية العالم".
وتقول: "لا يوجد سوى سيارة واحدة. لا شيء آخر، فراغٌ تام."
وفي مقطعٍ آخر نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، يتحدّث أحد السكان عن رفوف فارغة في أحد محلات السوبرماركت بعد أن أغلقت المقاهي وصالات الطعام أبوابها. ويقول: "أردنا أن نأكل شيئاً لكن لا يوجد شيء. الرفوف فارغة."
و قالت صاحبة بيت ضيافة في بلدة نوفي سفيت السياحية بأن الضيوف لا يزالون يتوافدون، وأن الأجواء السائدة "حذرة لا مذعورة".
وقالت: "بالنسبة لنا، لا أرى أي تأثير حرج على عمل بيت الضيافة في الوقت الراهن. الضيوف يتواصلون؛ البحر والشواطئ والمقاهي والبنية التحتية السياحية تعمل. ثمة شعور بعدم اليقين واهتمام متزايد بمتابعة الأخبار، أكثر من أي شيء آخر."
"قريباً لن يبقى لنا ما نأكله"
كثيراً ما يُحجم سكان شبه الجزيرة عن التعبير العلني في ظل القبضة الأمنية الروسية المحكمة على الأرض.
غير أن بيان أكسيونوف على Telegram، الذي أعلن فيه الحظر الشامل على بيع الوقود، استدعى مئات الردود التي أفصح فيها السكان عن غضبهم وإحباطهم.
كتب أحد المستخدمين، سائق التاكسي ألكسندر، متسائلاً كيف له أن يُعيل أسرته ويسدّد قروضه. وجاء في رسالته يوم الأربعاء: "سألت البنوك عمّا يمكنني فعله بشأن القروض. ببساطة لن يكون هناك مال لسدادها وقريباً لن يبقى لنا ما نأكله ولا ما نشتري به الطعام. البنوك ترفض منح تأجيل للدفعات بحجة أنه لم تُعلَن حالة الطوارئ."
وكتبت مستخدمة أخرى تُدعى ديانا أن عملها في توزيع الدواجن المبرّدة يعتمد اعتماداً كلياً على الديزل. وقالت: "منتجاتنا سريعة التلف، وقاعدة عملائنا تشمل جميع سلاسل التجزئة والأسواق في أرجاء شبه الجزيرة."
أما أوليسيا، فكتبت يوم الثلاثاء أن وسائل النقل العام عاجزة عن استيعاب الأعداد، وأن حافلات الترولي باتت مكتظة بالمسافرين. وقالت: "لا مكان لركاب إضافيين. والجميع يحتاج إلى الوصول إلى عمله."
تسعى أوكرانيا إلى رفع الضغط على الكرملين لدفعه نحو محادثات السلام، عبر ضربات تطال العمق الروسي تستهدف في المقام الأول مصافي النفط، إلى جانب هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة على موسكو وسانت بطرسبرغ. وقد تصاعدت أصوات السخط في أوساط روسية مع تمدّد الحرب تدريجياً نحو أراضيها.
أما في القرم، فتستهدف كييف بصورة منهجية محاور النقل الرئيسية وخطوط الإمداد التي تربط شبه الجزيرة بالقوات الروسية في الجنوب، بهدف تعطيل المنظومة اللوجستية وعزل البنية التحتية العسكرية هناك.
وقال زيلينسكي يوم الأربعاء إن العملية في القرم "محسوبة بدقة" وتهدف إلى "خلق الظروف التي ستُرغم روسيا على اختيار السلام".
وقالت تاتيانا ستانوفايا، مؤسسة مركز التحليل السياسي R.Politik : "الوضع صعب." غير أنها لا ترى أن تصاعد الضغوط الداخلية على Putin سيؤثر في حساباته وأهدافه في أوكرانيا.
وأضافت: "كل ما ستفعله هذه الضربات هو تغذية المشاعر المعادية لأوكرانيا في روسيا، وتعزيز الولاء للدولة لا لبوتين شخصياً. ومن غير المرجّح أن تُفضي إلى أي تحوّل سياسي."
وفي تقديرها، فإن حملة كييف تمنح Putin حجةً جاهزة حين يتساءل الروس لماذا تتواصل الحرب "الآن بات بإمكانه أن يجيب.".
أخبار ذات صلة

هجوم درون أوكراني على موسكو يستهدف مركزاً فضائياً ويودي بحياة رضيع

أوكرانيا تغتنم "فرصتها الأولى للانتصار" والحرب تعود إلى الأراضي الروسية

زيلينسكي يعيد أعلى وسام بولندي وسط خلافٍ متصاعدٍ حول وحدةٍ قومية في الحرب
