تصاعد الصراع العسكري والدبلوماسي بين باكستان وأفغانستان
تصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان بعد هجوم على قاعدة رينجرز في كراتشي ورد باكستاني بضربات عسكرية على أراضي أفغانية. جماعة الأحرار تتبنى الهجوم وتتهم طالبان بقصف المدنيين. تفاصيل الصراع والتوترات في خَبَرَيْن.

تصاعدت حدّة التوترات بين إسلام آباد وكابول مجدّداً، بعد أن شنّت باكستان ضربات عسكرية على أراضٍ أفغانية في الفترة الممتدة بين ليلة الأحد والاثنين، مستهدفةً ما وصفته بمواقع تابعة لجماعة مسلّحة، وذلك رداً على هجوم استهدف قاعدة لقوات شبه عسكرية في مدينة كراتشي أودى بحياة ثلاثة عناصر من قوات رينجرز السند وأصاب أربعة آخرين.
أعلن وزير الإعلام الباكستاني عطاء الله تارار عبر منصة X أن قوات الأمن نفّذت ضربات في ولايات باكتيا وباكتيكا وكونار الأفغانية، مشيراً إلى مقتل 25 مقاتلاً. وفي السياق ذاته، أسفرت عملية برية منفصلة في منطقة باجور بإقليم خيبر بختونخوا الباكستاني ليلة الأحد عن مقتل عدد من عناصر جماعة جماعت الأحرار (JuA)، من بينهم قائد ميداني رفيع، فضلاً عن تدمير كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
وجماعت الأحرار، التي تبنّت هجوم كراتشي، فصيلٌ منشقّ عن حركة تحريك طالبان باكستان (TTP)، وهي الحركة التي تقف وراء كثير من أشدّ العمليات الإرهابية دموية في باكستان خلال السنوات الأخيرة.
على الصعيد الدبلوماسي، أكّد المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي يوم الاثنين أن القائم بأعمال السفارة الأفغانية في إسلام آباد تلقّى مذكرة احتجاج رسمية (دمارش)، فيما سلّم السفير الباكستاني في كابول مذكرة مماثلة إلى وزارة الخارجية الأفغانية في اليوم نفسه.
وقال أندرابي: «يُستمرّ في استخدام الأراضي الأفغانية والمواطنين الأفغان لتدبير هجمات إرهابية داخل باكستان».
في المقابل، أصرّ طالبان أفغانستان — وهم حركة مستقلة عن TTP وتحكم كابول حالياً — على أن الضربات الباكستانية أوقعت ضحايا مدنيين. ونشر المتحدث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد صوراً لأطفال مصابين، متّهماً باكستان بقصف مناطق سكنية، وسقوط عشرات القتلى من المدنيين.
لا يمكن التحقق المستقل من أقوال أيٍّ من الطرفين، غير أن هجوم كراتشي والضربات الباكستانية على الأراضي الأفغانية وحرب الروايات المتبادلة تندرج جميعها ضمن نمطٍ بات يُعرّف على نحوٍ متزايد طبيعة العلاقة بين إسلام آباد وكابول. فقد لجأت باكستان مراراً إلى مزيجٍ من الضربات العسكرية والترحيل والدبلوماسية في محاولة لتفكيك الجماعات المسلّحة التي تتّهمها بشنّ هجمات على أراضيها، إلا أن التفجيرات وعمليات القتل داخل البلاد لا تتوقف، مما يُعلي من أصوات المحللين المطالبين بإعادة النظر في الاستراتيجية الباكستانية.
هجوم كراتشي
جاءت الضربات الباكستانية والاحتجاج الدبلوماسي رداً على هجوم السابع والعشرين من يونيو على مقرّ قوات رينجرز السند في حيّ گلستان جوهر بكراتشي، الذي تبنّته جماعت الأحرار.
لقي ثلاثة عناصر من الرينجرز حتفهم في الهجوم، فيما سقط ثلاثة من المهاجمين في تبادل إطلاق النار، وأُلقي القبض على منفّذ رابع.
وكشفت مصادر أمنية باكستانية أن المعتقل يُدعى عثمان علي، وهو مواطن أفغاني من مدينة جلال آباد في ولاية ننغرهار، مشيرةً إلى أن التحقيقات كشفت دخول فريق المهاجمين إلى باكستان قبل سبعة أيام من تنفيذ العملية.
ولم تشهد كراتشي هجوماً بهذا الحجم منذ فبراير 2023، حين اقتحم مقاتلون من TTP مبنى شرطة كراتشي على شارع شاهراه فيصل، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص.
وبحسب مجلس الأمن الدولي، تتخذ جماعت الأحرار من ولاية ننغرهار معقلاً لها، وعاصمتها جلال آباد — المدينة ذاتها التي تقول السلطات الباكستانية إن المعتقل ينحدر منها.
فصيل يسعى إلى استعادة الحضور
تتّسم العلاقة بين جماعت الأحرار وحركة TTP بالتقلّب التاريخي.
فقد تأسّست TTP عام 2007 وشنّت حملة مسلّحة مستمرّة ضد الدولة الباكستانية، وتبقى الشبكة العسكرية المتشدّدة الأكثر نفوذاً، إذ تؤكد إسلام آباد أنها تعمل في معظمها من الأراضي الأفغانية. انشقّت جماعت الأحرار عن الحركة عام 2014، ثم أعادت الانضمام إليها عام 2020، قبل أن تنزلق مجدداً نحو شبه استقلالية في مطلع عام 2025.
وحين أعلنت TTP تشكيلة قيادتها الجديدة في فبراير 2025، لم تحظَ جماعت الأحرار بأي مناصب ذات ثقل، وإن لم يُعلَن عن انشقاق رسمي.
وفي هذا السياق، قال إحسان الله تيبو ماسيد، الخبير في شؤون الجماعات المسلّحة غير الحكومية في منطقة أفغانستان وباكستان، إن هجوم كراتشي يعكس حاجة جماعت الأحرار إلى إثبات وجودها.
وأوضح: «استخدمت جماعت الأحرار هذا الهجوم لتوجيه رسالة مفادها أنها لا تزال تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق داخل باكستان. ثمة تنافس داخلي دائم بين التنظيمات المسلّحة لإثبات قدراتها أمام الأنصار والمجنّدين المحتملين. إنهم يريدون إثبات قدرتهم على نشر مهاجمين متعددين لاستهداف منشآت أمنية استراتيجية بصورة مستقلة عن TTP».
وتاريخياً، تُعدّ جماعت الأحرار من أكثر الفصائل تشدّداً داخل شبكة TTP. فقد تبنّت تفجير عيد الفصح عام 2016 في حديقة گلشن إقبال بلاهور، الذي راح ضحيته أكثر من 70 شخصاً. كما نُسب إليها التفجير الانتحاري في نوفمبر 2025 داخل مجمّع محكمة المنطقة في إسلام آباد، الذي أودى بحياة 12 شخصاً.
وأضاف ماسيد: «هذا لا يقتصر على كراتشي. يمكن أن يحدث في البنجاب، ويمكن أن يحدث في أي مركز حضري كبير».
ضغط بلا حلّ
سارت الاستجابة الباكستانية وفق نمطٍ باتت ملامحه مألوفة: هجوم كبير، ثم ضربات جوية عبر الحدود الأفغانية في غضون ساعات، فتحذيرات من إسلام آباد، وإدانة كابول لسقوط ضحايا مدنيين، ثم تكرار الدورة من جديد.
ولا خلاف على حجم التحدي الأمني في حد ذاته. فوفقاً لـ معهد باكستان لدراسات السلام ومقرّه إسلام آباد، ارتفعت الهجمات في باكستان بنسبة 34 بالمئة عام 2025، إذ سُجّلت 699 حادثة على المستوى الوطني، أسفرت عن مقتل 1,034 شخصاً على الأقل وإصابة 1,366 آخرين.
وتتركّز أكثر من 95 بالمئة من الهجمات في إقليمَي خيبر بختونخوا وبلوشستان.
ومنذ فبراير من هذا العام، تنفّذ باكستان عملية «غضب للحق»، وهي حملة عسكرية مستمرة تشمل ضربات جوية وتبادلاً للمدفعية وعمليات برية في شرق أفغانستان. وفي الوقت ذاته، رحّلت إسلام آباد ما يقارب مليون مواطن أفغاني منذ سبتمبر 2023، وخاضت عدة جولات من مفاوضات وقف إطلاق النار مع حكومة طالبان في كابول، من بينها محادثات عُقدت في أورومتشي مطلع أبريل الماضي.
وبينما أفضت بعض تلك المحادثات إلى هدنات مؤقتة، لم تُفضِ أيٌّ منها إلى تسوية دائمة.
ورأى ماسيد أن هذه الدورة المتكرّرة تكشف عن خللٍ بنيوي في المقاربة الباكستانية لمكافحة الإرهاب.
وقال: «الخلل الجوهري الذي أراه في الاستراتيجية الباكستانية لمكافحة الإرهاب هو غياب النهج المتسق والاعتماد المفرط على القوة العسكرية، في حين تبقى الإخفاقات الحوكمية دون معالجة».
ووصف المحلل المقيم في إسلام آباد الضربات العابرة للحدود بأنها «ردود فعل آنية في معظمها»، مضيفاً: «لا أرى استراتيجية شاملة تقوم عليها. بعد كل هجوم، تدفع حسابات التواصل الاجتماعي نحو المطالبة بضرب أفغانستان. يبدو أن صانعي القرار، بدلاً من بناء استراتيجية متماسكة لمكافحة الإرهاب، يستسلمون لهذا الضغط وينفّذون الضربات فقط ليُظهروا أنهم يفعلون شيئاً».
انتصارات ميدانية، وخسارة في الرواية
تسعى باكستان إلى الجمع بين الضغط العسكري والانخراط الدبلوماسي في آنٍ واحد، غير أن المحللين يشككون في صحة الافتراضات التي يقوم عليها كلا المسارَين.
وصف إبراهيم بهيس، المحلل المتخصص في الشأن الأفغاني لدى مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، الموقف الباكستاني بأنه ضغطٌ أقصى مبنيٌّ على فرضية لم تُثبَت بعد.
وقال: «الافتراض الضمني هو أن حملة قمع طالبان ستُفضي إلى تراجع العنف داخل باكستان. وما إذا كانت هذه الفرضية صحيحة وسليمة ومنطقية، فذلك محلّ جدل حقيقي».
وميّز بهيس بين إحجام طالبان أفغانستان عن التحرك ضد TTP ودعمهم المباشر لهجمات داخل باكستان، قائلاً: «رغم وجود أدلة على اشتراك أفغان في صفوف TTP، فإن ذلك لا يشكّل في حد ذاته دليلاً قاطعاً على أن السلطات الأفغانية توجّه تلك العمليات أو تدعمها».
وأضاف أن ميل باكستان إلى ربط كل هجوم كبير بأفغانستان «يبدو لي أكثر ارتباطاً بالحسابات السياسية منه بالأدلة الموضوعية».
وقد وثّقت روايات مستقلة، من بينها أرقام الأمم المتحدة، سقوط ضحايا مدنيين أفغان جراء الضربات الجوية الباكستانية بصورة متكرّرة. فقد رصدت الأمم المتحدة ما لا يقل عن 372 حالة وفاة مدنية أفغانية و397 إصابة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 وحدها، من بينها عشرات القتلى في ضربة صاروخية باكستانية استهدفت مركزاً لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابول في مارس الماضي.
وقال سامي يوسفزاي، الصحفي والخبير في الشأن الأفغاني، إن الثمن البشري الذي يدفعه المدنيون يُعيد تشكيل المزاج العام داخل أفغانستان.
وأوضح: «باتت شريحة واسعة من الأفغان تعتقد أن الضربات الباكستانية تُغيّر طبيعة النقاش حول نظام طالبان. حتى الأفغان الذين كانوا ينتقدون سياسات طالبان — في ملف تعليم المرأة مثلاً — باتوا يقولون: دعونا نضع ذلك جانباً ونتحدث عن العدوان الباكستاني. باكستان في الواقع تُقدّم لطالبان ورقة روايةٍ جاهزة، وطالبان تُحسن توظيفها بفاعلية كبيرة».
وأشار يوسفزاي إلى أن الضربات تُعزّز كذلك سردية تاريخية أعمق، قائلاً: «لم تدّعِ أي حكومة أفغانية في الأربعين سنة الماضية أنها قصفت باكستان أو هاجمت أراضيها رداً على حوادث عابرة للحدود. الضربات الجوية الباكستانية ترسّخ الرواية القائلة بأن باكستان هي المعتدي، وهذه مشكلة استراتيجية بعيدة المدى لإسلام آباد».
وختم بهيس بتحذير من أن المسار الراهن لا يمكن الاستمرار فيه إلى ما لا نهاية: «لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو لعامٍ أو عامَين آخرَين. إنه يُذكي المشاعر الشعبية على الجانبَين ويُلحق أضراراً جسيمة بالتبادل التجاري. لا بدّ للطرفَين من التفاوض. ما يحتاجه المشهد الآن عقولٌ جديدة ونهجٌ مختلف حقيقي، لأن ما يُجرَّب حالياً لا يُجدي نفعاً».
أخبار ذات صلة

طيار JetBlue يبلّغ عن اصطدام بطائرة مسيّرة أثناء الهبوط في مطار جون كينيدي

اصطدمت طائرة صغيرة بأطول ناطحة سحاب في العاصمة الصينية وبعد ساعات، كان الأمر وكأن شيئًا لم يحدث

غارة إسرائيلية على سيارة وسط غزة تسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين
