عودة الشيخة حسينة تحدد مستقبل بنغلاديش السياسي
في خَبَرَيْن تعرف على قصة الشيخة حسينة التي غادرت بنغلاديش بعد انتفاضة دموية وتواجه حكم الإعدام غيابياً بينما تستعد لإلقاء كلمة من المنفى وتعلن نيتها العودة رغم التحديات السياسية والقضائية التي تواجهها.

في مدينة دكا، لا تزال شينا بيغوم تحمل صورة ابنها ساجات حسين سوجال، الطالب البالغ من العمر 20 عاماً، الذي أطلقت عليه الشرطة النار وأحرقت جثّته قبل ساعاتٍ من اللحظة التي أجبرت فيها الانتفاضة الطلابية رئيسة الوزراء الشيخة حسينة على الفرار من البلاد. تقول شينا لقناة : "لن أهدأ حتى يُعاد بها إلى هذه البلاد وتُشنق فيها". اليوم، وبعد عامَين على تلك الأحداث، تستعدّ حسينة لإلقاء كلمةٍ عبر الفيديو من منفاها في نيودلهي فيما تبقى شينا وعائلاتٌ أخرى كثيرة تنتظر إجابةً عن سؤالٍ واحد: هل ستواجه رئيسة الوزراء المخلوعة العدالة يوماً ما؟
الشيخة حسينة: من رئاسة الوزراء إلى المنفى
تعيش الشيخة حسينة، البالغة من العمر 78 عاماً، في منفىً اختياري في نيودلهي منذ أغسطس 2024، حين أطاحت احتجاجاتٌ طلابية بحكومة حزب رابطة عوامي التي قادتها لسبعة عشر عاماً. بدأت الشرارة بمظاهراتٍ ضدّ نظام حصص الوظائف الحكومية، ثمّ تحوّلت إلى انتفاضةٍ شعبية واسعة حين لجأت قوات الأمن إلى القمع الدموي. وتشير التقديرات إلى مقتل نحو 1,400 شخص وإصابة أكثر من 20,000 آخرين خلال تلك الأحداث.
غادرت حسينة البلاد بالمروحية في 5 أغسطس 2024، وتولّت حكومةٌ انتقالية السلطة قبل أن تُجرى انتخاباتٌ في وقتٍ لاحق من هذا العام. وفي عام 2025، صدر بحقّها حكمٌ بالإعدام غيابياً بتهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، وهو حكمٌ وصفته بأنّه "باطلٌ قانونياً". كما تواجه أكثر من 1,500 قضية تتعلّق بحالات اختفاءٍ قسري طالت معارضين سياسيين خلال سنوات حكمها، من بينهم قياداتٌ من حزب الأمة البنغلاديشي (BNP) وجماعة جماعت إسلامي.
ظهورٌ عبر الفيديو من نيودلهي
من المقرّر أن تُلقي حسينة كلمةً عبر الفيديو، الأربعاء، في فعاليةٍ ينظّمها نادي المراسلين الأجانب (FCC) في جنوب آسيا، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لسقوط حكومتها. ويُشارك في الفعالية ابنها ساجيب واجد جوي، إلى جانب قياداتٍ من رابطة عوامي، من بينهم وزير التعليم السابق محب الحسن تشودهوري نوفيل. وتحمل الفعالية عنوان "عودة الشيخة حسينة إلى الوطن".
وفي يناير الماضي، ألقت حسينة كلمةً صوتية أُذيعت أمام حشدٍ في نادي المراسلين الأجانب ذاته في نيودلهي، تابعها أكثر من 100,000 شخص عبر الإنترنت. وصفت فيها محمد يونس، رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك، بأنّه "فاشيٌّ قاتل"، وقالت إنّ بنغلاديش "لن تشهد انتخاباتٍ حرّة ونزيهة" في ظلّ حكمه.
وفي الشهر الماضي، أعلنت حسينة أنّها تعتزم العودة إلى بنغلاديش في ديسمبر المقبل، مع عددٍ من قيادات رابطة عوامي، للمثول أمام المحاكم. وقالت: "ربّما أُقتل. ربّما أُعتقل. ربّما يُزجّ بي في السجن. أنا مدركةٌ تماماً لمصيري. ومع ذلك، أريد العودة لأنّ شعبي يناديني."
بنغلاديش تحظر بثّ الكلمة
في اليوم السابق للفعالية، أصدرت السلطات البنغلاديشية قراراً يحظر على وسائل الإعلام المحلية بثّ كلمة حسينة. وانتقد المساعد أبو عبيدة أرين هذا القرار، قائلاً إنّ "محاولات إسكات المعارضة لا تستطيع إخماد الأصوات" خارج حدود البلاد.
وكانت وزارة الخارجية البنغلاديشية قد أعربت عن "دهشتها وصدمتها" إزاء السماح لحسينة بإلقاء كلمتها الصوتية في يناير من الهند، ووصفت ذلك في بيانٍ رسمي بأنّه "إهانةٌ صريحة للشعب البنغلاديشي وحكومته". وأضاف البيان أنّ حسينة "دعت صراحةً إلى إسقاط" الحكومة الانتقالية، وحرّضت "بشكلٍ سافر" أنصارها على ارتكاب أعمال عنفٍ لتعطيل الانتخابات التي جرت في 12 فبراير من هذا العام.
ماذا تعني العودة المُعلنة؟
يرى المحلّلون أنّ إعلان حسينة عن نيّة العودة يحمل أبعاداً سياسيةً أكثر من كونه مجرّد خطوةٍ قانونية. وتقول سمروتي باتانايك، الباحثة في معهد مانوهار باريكار للدراسات الدفاعية والتحليلية في نيودلهي، إنّ هذا الإعلان يهدف إلى "تعبئة أعضاء رابطة عوامي ومنحهم توجيهاً واضحاً". وأضافت لقناة الجزيرة أنّ العودة إلى بنغلاديش "ستُتيح لحزبها إظهار أنّه غير خائفٍ من مواجهة التهم"، مشيرةً إلى أنّ بقاء رابطة عوامي يستدعي أن "تُفكّر القيادة في مستقبل الحزب لا في المكاسب الفردية".
أمّا سريرادها داتا، المحاضرة في الشؤون الدولية بجامعة OP Jindal Global في سونيبات بالهند، فترى أنّ حسينة ستُلقي "خطاباً تحفيزياً" لأنصار رابطة عوامي استعداداً للعودة. وأشارت إلى أنّ "99 بالمئة من قيادات رابطة عوامي فرّت"، وأنّ العودة تهدف إلى "استعادة ثقة المؤيّدين". غير أنّها حذّرت من أنّ توقيت الإعلان في ذكرى 5 أغسطس "لن يُقابَل بارتياح"، مؤكّدةً أنّ المزاج الشعبي الذي أشعل انتفاضة يوليو لا يزال حاضراً في بنغلاديش. وقالت: "ثمّة عائلاتٌ كثيرة فقدت شهداءها ولم تنسَ تلك الأيام المروّعة وجرائم قوات الأمن."
وتجدر الإشارة إلى أنّ حزب الأمة البنغلاديشي (BNP)، بقيادة طارق رحمن، فاز بأغلبيةٍ تعادل ثلثَي المقاعد في انتخابات فبراير، فيما جُرِّدت رابطة عوامي من حقّها في المشاركة. وفي ظلّ حكم حسينة، قضت والدة رحمن، الزعيمة السابقة خالدة ضياء، التي وافتها المنية في ديسمبر الماضي، سنواتٍ خلف القضبان في دكا بتهمٍ يصفها حزب الأمة بأنّها ذات دوافع سياسية.
لماذا لم تُسلَّم حسينة حتى الآن؟
تواصل دكا مطالبتها بتسليم حسينة، فيما تقول نيودلهي إنّ الطلب يخضع للمعالجة القانونية المعتادة. وفي نوفمبر الماضي، استندت وزارة الخارجية البنغلاديشية إلى اتفاقية التسليم المبرمة بين البلدَين، مؤكّدةً أنّ تسليم حسينة "مسؤوليةٌ إلزامية" على عاتق نيودلهي، ومحذّرةً من أنّ الاستمرار في إيوائها سيُمثّل "تصرّفاً عدائياً صريحاً وتجاهلاً للعدالة".
بيد أنّ الهند تُعدّ تاريخياً الحليف الأوثق لحسينة، وتبدو متحفّظةً على إجبارها على العودة. فخلال سنوات حكمها، حظيت نيودلهي بتعاونٍ اقتصادي وأمني وثيق مع دكا، شمل صفقاتٍ مربحة في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية والدفاع. ويرى محلّلون سياسيون هنود أنّ اتفاقية التسليم تتضمّن استثناءً يتعلّق بالجرائم ذات "الطابع السياسي".
وقال سانجاي بهاردواج، أستاذ دراسات جنوب آسيا في جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، إنّ "الهند تعدّ هذه القضية قضية حسينة انتقاماً سياسياً من القوى السياسية الحاكمة في بنغلاديش". وأضاف أنّ نيودلهي ترى في بنغلاديش الراهنة دولةً تحكمها "قوىً معادية للهند".
وكان رئيس الحكومة الانتقالية السابق يونس كثيراً ما يوجّه انتقاداتٍ لاذعة للهند، فيما حمّل قادة حركة الاحتجاج نيودلهي مسؤولية دعمها لحسينة. غير أنّ العلاقات الهندية-البنغلاديشية شهدت تحسّناً ملحوظاً منذ تولّي طارق رحمن رئاسة الوزراء في فبراير، إذ وجّهت الهند إليه دعوةً لحضور قمّة BRICS في سبتمبر المقبل.
وفي سياقٍ متّصل، طلبت دكا من نيودلهي توضيح موقفها من الكلمة المرتقبة لحسينة، محذّرةً من أنّ السماح لشخصٍ فارٍّ من العدالة بممارسة نشاطٍ سياسي قد يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية المتحسّنة. وردّ المتحدّث باسم وزارة الخارجية الهندية راندهير جايسوال، الثلاثاء، بأنّ الفعالية تنظّمها "جهةٌ إعلامية خاصّة"، مؤكّداً أنّ "الحكومة ليس لها أيّ تدخّلٌ في الأمر، ولا تُقرّ أيّ آراءٍ قد تُطرح في هذا المنتدى".
في نيودلهي، تستعدّ حسينة لمخاطبة أنصارها عبر شاشةٍ صغيرة. وفي دكا، تنتظر شينا بيغوم وعائلاتٌ أخرى فقدت أبناءها في تلك الأيام الدامية. المسافة بين المنفى والعدالة لا تُقاس بالكيلومترات وحدها.
أخبار ذات صلة

روسيا تثير غضب اليابان بزيارة بوتين لجزر كوريل المتنازع عليها

شيخة حسينة تعلن عودتها إلى بنغلاديش

الصين والفلبين تتبادلان الاتهامات بعد إصابة بحار في البحر
