خَبَرَيْن logo

موسكو وإيران: تحالف دبلوماسي في زمن الأزمات

زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى موسكو تطرح تساؤلات حول موقف روسيا من الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. روسيا تسعى لحل دبلوماسي بينما تواجه إيران عزلة دبلوماسية. هل تنجح هذه الديناميكيات في تغيير المعادلة في الشرق الأوسط؟ خَبَرَيْن.

زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو، حيث يتصافح مع الرئيس الروسي بوتين، تعكس العلاقات الاستراتيجية بين إيران وروسيا في ظل التوترات الإقليمية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال لقائهما في مكتبة بوريس يلتسين الرئاسية في سانت بطرسبرغ بتاريخ 27 أبريل 2026.

زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو تُعيد طرح سؤالٍ لا يزال معلّقاً: أين تقف روسيا بالضبط من الصراع الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟

لنبدأ بما هو بديهي: هذه الزيارة لا ينبغي أن تُفاجئ أحداً. روسيا دولةٌ كبرى وعضوٌ دائم في مجلس الأمن، وتربطها بإيران علاقاتٌ وُثِّقت رسمياً في معاهدة 2025 التي أرست بين البلدين إطاراً من الشراكة والتعاون. ومن هذا المنطلق، يبدو الترويج للحلّ السلمي هو الاستراتيجية الأجدى، حتى وإن كانت التصعيدات العسكرية تُقدّم لموسكو مكاسبَ آنية لا يمكن إنكارها.

{{MEDIA}}

شاهد ايضاً: إيران تفقد أكثر من 40 بحاراً في الحرب الأمريكية الإسرائيلية

وهذه المكاسب حقيقية: ارتفاع أسعار النفط، وانصراف الأنظار عن الملف الأوكراني. غير أنّ موسكو تُدرك جيداً أنّ انتعاشاً مؤقتاً في سوق النفط لا يُغني عن ضرورة إعادة هيكلة اقتصادها في مواجهة العقوبات الغربية، وأنّ المتغيّرات الخارجية وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافها في أوكرانيا. لهذا، لا تُراهن موسكو على المكاسب العابرة، بل تُولي الأولوية لاحتواء الأزمة والحدّ من تداعياتها السلبية: أزمةٌ إنسانية محتملة في إيران، وتباطؤٌ اقتصادي عالمي جرّاء ارتفاع أسعار الطاقة وما يعقبه من تراجع في الطلب، وخطرٌ على المراكز المالية الإقليمية، فضلاً عن تهديدٍ مباشر للشركات الروسية التي وسّعت حضورها في المنطقة توسيعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

الموقف الدبلوماسي لطهران

تبدو طهران مقتنعةً بأنّ الموقف الروسي يصبّ في مصلحتها. فإيران نجحت في الصمود أمام هجومٍ عسكري أمريكي-إسرائيلي مشترك، وهو ما يُعدّ في نظر كثيرين انتصاراً تكتيكياً بالغ الأهمية. كما أحكمت طهران قبضتها على موقعٍ دبلوماسي مريح، في وقتٍ وجدت فيه واشنطن وتل أبيب نفسيهما في عزلةٍ شبه تامة على الصعيد الدولي.

حلفاء أوروبا في حلف الـ NATO أبدوا تحفّظاً واضحاً إزاء المشاركة في عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز أو غيرها من الأنشطة المرتبطة بالصراع، إذ لا يرون مصلحةً حقيقية في الانزلاق إلى مواجهةٍ لم يُستشاروا فيها أصلاً. أما حلفاء واشنطن في المنطقة، فقد خرجوا من هذه المعادلة بخسائر أمنية لا بمكاسب. وأما China، فموقفها صريحٌ في رفض أي عملٍ عسكري، وهو موقفٌ ذو ثقل استثنائي نظراً للروابط الاقتصادية الوثيقة التي تجمعها بطهران. وكذلك India، التي لم تُبدِ أي حماسٍ للحرب، لا سيما في ظلّ الأعداد الكبيرة من مواطنيها العاملين في المنطقة.

شاهد ايضاً: إيران والحرب: الوضع في اليوم 63 وإشارات ترامب نحو هجماتٍ محتملة

المفارقة اللافتة هنا أنّ إيران دخلت الصراع في عزلةٍ دبلوماسية — دون أن يكون حلفاؤها العسكريون ملزَمين بتقديم دعمٍ فوري — ومع ذلك وجدت واشنطن وتل أبيب نفسيهما في عزلةٍ مماثلة. لواشنطن حلفاءٌ كثيرون، لكنّ حجم دعمهم الفعلي يظلّ ضبابياً.

وزيارة عراقجي لموسكو تُسهم في كسر هذه العزلة الدبلوماسية الإيرانية، وإن كانت الأوضاع تبقى بالغة الهشاشة والخطورة، خاصةً بالنسبة لطهران.

حدود القوة الأمريكية... وحدود القوة الإيرانية

لا ينبغي أن نُسارع إلى استنتاجٍ مفاده أنّ الولايات المتحدة باتت عاجزة. فرغم ضعف التحالف المناهض لإيران، تحتفظ واشنطن بهامشٍ واسع لشنّ ضربات عسكرية وفق ما تراه مناسباً. صحيحٌ أنّ الحرب كشفت عن ثغراتٍ في البنية العسكرية الأمريكية حين تواجه قوةً إقليمية كبرى، أبرزها الحاجة إلى تعزيز الأسطول البحري، لكنّ واشنطن تظلّ بمنأى عن أي انتقامٍ إيراني فعّال. والأمريكيون لديهم الوقت الكافي لتصحيح أخطائهم، وهم ليسوا رهينةً لأي حصارٍ في مضيق هرمز، إذ باتت الولايات المتحدة أكبر منتجٍ للنفط في العالم، وتُعزّز مكانتها الريادية بالتنسيق مع كندا والمكسيك.

شاهد ايضاً: إيران تتحايل على الحصار البحري الأميركي: تتبّع أسطول الظلّ في الخليج

في المقابل، ثمّة ديناميكيةٌ جديدة تستحق التأمّل: هذه هي المرة الأولى منذ زمنٍ طويل التي تُخفق فيها عمليةٌ عسكرية أمريكية واسعة النطاق في تحقيق نتائج سياسية سريعة وحاسمة. قبل هذه الحرب، كان مجرّد التهديد بالقوة كافياً. هذا التهديد لا يزال قائماً، لكنّ فاعليته باتت موضع تساؤل. ومن المرجّح أن يدفع هذا القصورُ في الأداة العسكرية خصومَ إيران نحو توظيفٍ أكثر كثافةً لأساليب "الحرب الهجينة" (Hybrid Warfare)، مع السعي في الوقت ذاته إلى تطوير قدراتهم العسكرية التقليدية.

روسيا: عاملٌ في المعادلة لا مُحرّكٌ للنتائج

وإن كانت روسيا لن تُحدث تأثيراً مباشراً في مآلات الصراع، فإنّ موقفها السياسي وإجراءاتها العملية تُشكّل عاملاً مهماً في المعادلة التي ترسم ملامح الأزمة القادمة في الشرق الأوسط.

موسكو تُعبّر عن رؤيتها بلغةٍ لا تحتمل التأويل: الولايات المتحدة وإسرائيل ارتكبتا عدواناً على إيران، وتداعيات هذا العدوان تتجاوز إيران والشرق الأوسط. ثمّة مخاطر جسيمة تشمل احتمال وقوع كارثةٍ إنسانية وتلوّثٍ نووي إن طالت الضربات المنشآت النووية الإيرانية. ولا حلّ عسكري لهذا الصراع؛ الحلّ الوحيد هو الدبلوماسية المستدامة والمتواصلة.

شاهد ايضاً: إيران تقدّم مقترحاً جديداً.. كيف ردّ الأميركيون؟

وتبعاً لذلك، لا تدعم روسيا أي قيودٍ اقتصادية على طهران، وهو ما تجلّى بوضوح في اتفاقية 2025، وتتمسّك بموقفها الثابت القاضي برفض أي عقوباتٍ تُفرض خارج إطار مجلس الأمن، بما في ذلك أي حصارٍ بحري. غير أنّ موسكو تُشدّد في الوقت ذاته على ضرورة التوصّل إلى تسويةٍ سياسية.

أما القدرة الروسية على تقديم دعمٍ عسكري مباشر لطهران فهي محدودة، وهو ما كان جلياً قبل اندلاع الصراع وتكرّس في نصوص اتفاقية 2025 التي رسمت إطار علاقاتٍ ودية لا تحالفاً عسكرياً بالمعنى الدقيق. وتحرص موسكو على صون علاقاتها مع دول الخليج الأخرى، ولا مصلحة لها في تأجيج التوترات بين إيران وجيرانها في منطقةٍ تجعل تعقيداتها أي تنبّؤٍ بعواقب الحروب فيها ضرباً من المجازفة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ أي تغييرٍ محتمل في الإدارة الأمريكية لن يحلّ هذه المعضلة. فمنذ عام 1979، ظلّت الولايات المتحدة خصماً راسخاً للجمهورية الإيرانية على اختلاف إداراتها وتقلّب سياساتها. وواشنطن قد تقبل بصفقةٍ مع طهران اليوم، لكنّها قادرةٌ على التراجع عنها متى رأت في ذلك مصلحةً أو سنحت لها فرصةٌ للإجهاز على النظام الإيراني.

التحدّي الأعمق أمام إيران

شاهد ايضاً: ترامب يدرس اقتراحاً إيرانياً لإعادة فتح مضيق هرمز

أثبتت إيران قدرتها على الصمود تحت ضغطٍ عسكري هائل، وهذا إنجازٌ لا يُستهان به. لكنّ الصمود في مواجهة الأزمات شيء، وبناء نموذج تنميةٍ مستدام شيءٌ آخر. فالقصور في النموذج الاقتصادي الإيراني كان ظاهراً قبل الصراع بكثير، وقد يُلقي بظلاله الثقيلة على المستقبل. ستسعى طهران إلى انتزاع فترة هدوءٍ تستعيد فيها قدراتها الاقتصادية، لكنّ بناء مستقبلٍ متين لا يقوم على إدارة الأزمات وحدها، بل يستلزم إصلاحاً هيكلياً عميقاً لا تستطيع الدبلوماسية مهما بلغت من نجاح أن تُعوّض عنه.

أخبار ذات صلة

Loading...
صورة جوية لمضيق هرمز تُظهر المياه المتقلبة واليابسة المحيطة، تعكس التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على حركة الملاحة البحرية.

الولايات المتحدة ستطلق النار على الزوارق الإيرانية في مضيق هرمز، يقول ترامب

في مضيق هرمز، تتصاعد التوترات مجددًا مع تصريحات ترامب التي تهدد بتصعيد الصراع. كيف ستؤثر هذه التطورات على أسعار النفط والهدنة الهشة؟ تابع معنا لتكتشف المزيد عن الأبعاد السياسية والاقتصادية لهذه الأزمة المتصاعدة.
Loading...
مجموعة من رجال الدين الشيعة يرتدون العمائم البيضاء والسوداء، يجلسون معاً في تجمع، مع تعبيرات جادة تعكس التوترات السياسية الحالية في المنطقة.

إيران والحرب: الوضع في اليوم 55 من وقف إطلاق النار الممدّد

تتأزم محادثات السلام مع إيران مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، حيث تتهم طهران واشنطن بعرقلة الحوار. هل ستستمر الأزمات أم سيتحقق السلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في مقالنا.
Loading...
احتشاد جماهيري في طهران خلال عرض عسكري ليلي، مع صاروخ باليستي خرمشهر-4 في المقدمة، ولافتات تدعم الحكومة وسط هتافات معادية لأمريكا.

إيران تناقش الحرب والسلام بعد تمديد ترامب للهدنة

تستعد إيران لاستئناف المواجهة مع الولايات المتحدة، رافضةً أي تنازلات خلال المفاوضات. مع تصاعد التوترات، تبرز دعوات قوية للانتقام. اكتشف كيف تتفاعل إيران مع التحديات الراهنة وما يعنيه ذلك لمستقبل المنطقة.
Loading...
توضيح لعملية تخصيب اليورانيوم، يظهر أجهزة الطرد المركزي مع نسب تخصيب مختلفة (10%، 20%، و90%)، مما يبرز الفروق الأساسية في التخصيب.

إيران والقنبلة النووية: كم يستغرق تخصيب اليورانيوم؟

في خضم المفاوضات النووية المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز أهمية فهم عملية تخصيب اليورانيوم. هل تساءلت يومًا عن كيفية تحول هذا المعدن إلى سلاح نووي؟ انقر هنا لتكتشف التفاصيل المثيرة وراء هذا الموضوع الشائك!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية