بوتين يحذر الغرب ويكشف مفاوضات موسكو السرية
في قمة بيشكيك بوتين يرفض الانصياع للغرب ويدعو إلى مواجهة حاسمة مع قراصنة الإمبريالية كما يرد بحدة على تهديدات زيلينسكي ويكشف عن تحالفات دبلوماسية مع مبعوثي ترامب وسط تساؤلات حول مستقبل السلام خَبَرَيْن

في قاعة مؤتمرات بيشكيك، عاصمة قيرغيزستان، وقف فلاديمير بوتين هذا الأسبوع أمام مجموعة من أكبر زعماء العالم من بينهم Xi Jinping وNarendra Modi وMasoud Pezeshkian ليُلقي رسالةً لم تكن موجّهةً إليهم بالضرورة، بل إلى من يصفهم بـ"قراصنة الإمبريالية" في الغرب. كانت قمة منظمة شنغهاي للتعاون مناسبةً دبلوماسية رفيعة، لكنّ بوتين حوّلها إلى منصةٍ لإعلان موقفٍ حادّ: روسيا لن تُبتلع، ومن يحاول ذلك سيكسر أسنانه.
حين تتحوّل قاعة القمة إلى غابة
لم تكن استعارات الحيوانات التي لجأ إليها بوتين وليدة لحظة بيشكيك. قبل أيام، في لقاءٍ بجامعة موسكو التربوية الحكومية، شرح الرئيس الروسي للطلاب فكرةً يبدو أنّها تشغل تفكيره: أنّ الحيتان القاتلة الأوركا تهاجم الدببة القطبية في مجموعات وتلتهمها "كالأسماك الصغيرة". ومن هذا المشهد الطبيعي المثير للجدل إذ أشار المراقبون إلى أنّ الأوركا لا تصطاد الدببة القطبية في الواقع استخلص بوتين درساً جيوسياسياً قال إنّه يستحق أن يُعلَّم للأطفال.
قال بوتين في تلك الجلسة: "هذه هي سلسلة الغذاء، ويجب إخبار الأطفال بذلك أيضاً، حتى يفهموا العالم الذي نعيش فيه ولماذا نُجري العملية العسكرية الخاصة."
في مؤتمره الصحفي يوم الثلاثاء على هامش القمة، أعاد بوتين صياغة المشهد ذاته بلغةٍ أكثر مباشرة: "أودّ القول إنّ الأوركا هي بلا شكّ مفترسٌ هائل، غير أنّها أيضاً مخلوقٌ بالغ الذكاء، ماكر." أمّا الغرب، فقد أُسبغت عليه تسميةٌ أخرى: "الغرب الجماعي، من جهته، حُدِّد له تعريفٌ بعينه في الحقبة السوفيتية، لا يزال سارياً حتى اليوم قراصنة الإمبريالية." وأضاف في تلخيصٍ لا يخلو من تهديد: "جوهر ما قلته هو أنّه إذا حاول أحدٌ إنزالنا في سلسلة الغذاء والتهامنا، فعليه أن يتوقّع كسر أسنانه."
زيلينسكي والتهديدات الجوية... وردّ بوتين
لم يكن الغرب المجرّد هو الطرف الوحيد الذي واجهه بوتين في بيشكيك. فقد أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتصريحاتٍ حذّر فيها من أنّ المجال الجوي الروسي "سيُغلق فعلياً" بفعل الطائرات المسيّرة الأوكرانية. ردّ بوتين بحدّةٍ واضحة، واصفاً ما قاله زيلينسكي بأنّه "دعوةٌ صريحة للإرهاب الذي ترعاه الدولة"، وأضاف في عبارةٍ تنطوي على مفارقة: "وأودّ الإشارة إلى أنّهم يطلبون منّا استئناف المفاوضات وطلب لقاءاتٍ وجهاً لوجه. لا يُفاوَض الإرهابيون."
وعلى صعيدٍ آخر، نفى بوتين أيّ تورّط روسي في الهجوم بطائرةٍ مسيّرة على مطار Leipzig الألماني الشهر الماضي، الذي وجّهت برلين فيه اتّهاماتٍ مباشرة لموسكو. وقال ساخراً: "الشرح الوحيد المقدَّم هو الحاجة إلى مواجهة 'روسيا العدوانية'. لكن أين الدليل؟ حسناً، الآن جرى 'زرع' بعض الأدلة."
Witkoff وKushner... الوجهان المفضّلان في موسكو
وسط كلّ هذا التصعيد اللفظي، برز جانبٌ لافت في حديث بوتين: انفتاحه الصريح على قناةٍ دبلوماسية بعينها. فقد أشاد الرئيس الروسي بـSteve Witkoff وJared Kushner، المبعوثَين المقرّبَين من الرئيس الأمريكي Donald Trump، واصفاً إيّاهما بأنّهما "أشخاصٌ مخلصون يسعون إلى إضفاء مضمونٍ ملموس على عملنا". وأضاف: "الرئيس يثق بهم، وهذا بالغ الأهمية، وبدونه لا يمكن إجراء أيّ مفاوضاتٍ أصلاً."
وأكّد بوتين أنّ "كلاً من Kushner وWitkoff يُعدّان دائماً ضيفَين مرحَّباً بهما لدينا، ونسعد بالعمل معهما." وجاءت هذه الإشادة في سياقٍ لافت: فقد زار مدير CIA John Ratcliffe موسكو مؤخّراً، وعلّق بوتين على ذلك بالقول: "الاتصالات موجودةٌ دائماً، حتى في أصعب أوقات الحرب الباردة، وهي الآن أكثر من ذلك."
غير أنّ ثمّة تفصيلاً يستوقف المراقبين: Witkoff وKushner أجريا عدّة زياراتٍ إلى موسكو، لكنّهما لم يزورا أوكرانيا منذ توليّهما أدوار الوساطة. وهو غيابٌ يطرح تساؤلاتٍ جدّية حول طبيعة مسار السلام الذي يُروَّج له.
ما بعد القمة: أسئلة مفتوحة
ختم بوتين مؤتمره الصحفي بنفي قاطع لأيّ خططٍ لتعبئةٍ عسكرية جديدة بعد الانتخابات البرلمانية الروسية المقبلة، واصفاً التكهّنات بهذا الشأن بأنّها "هراءٌ مطلق". لكنّ الصورة الأشمل التي رسمتها قمة بيشكيك تبقى أكثر تعقيداً: روسيا تخوض حرباً، وتنفي اتّهاماتٍ أوروبية، وتُبدي انفتاحاً انتقائياً على الدبلوماسية كلّ ذلك في آنٍ واحد.
السؤال الذي يظلّ معلّقاً هو ما إذا كانت استعارات الأوركا والقراصنة تُعبّر عن موقفٍ تفاوضي مُحكم، أم أنّها تُغلق الأبواب أمام أيّ تسويةٍ حقيقية في وقتٍ لا يزال فيه Witkoff وKushner يتنقّلان بين موسكو و واشنطن، دون أن تطأ أقدامهما كييف.
أخبار ذات صلة

ألمانيا تتهم روسيا بهجوم درون على مطار لايبتسيغ

هجوم حوثي على المخا يوقع قتلى وجرحى وفق الحكومة اليمنية

الجيش السوداني يقول إن قوات الدعم السريع تتقدم على بلدة رئيسية على الحدود مع إثيوبيا
