تحديات جديدة في مواجهة التمرّد بشمال نيجيريا
تتزايد الهجمات في شمال نيجيريا، مما يكشف عن تكيّف التمرّد وتوسّعه. المقال يستعرض كيف أن العنف مرتبط بضعف هيكلي عميق، ويكشف عن دور التكنولوجيا في تغيير أساليب القتال. انضموا إلينا لفهم الأبعاد الحقيقية لهذه الأزمة. خَبَرَيْن.

في الأشهر الأخيرة، كسرت موجة الهجمات المتصاعدة في شمال نيجيريا من حيث وتيرتها وشدّتها الوهمَ المريح القائل بأن التمرّد الطويل في المنطقة قد تراجع إلى هامش الحياة الوطنية. ومع تكاثر الحوادث العنيفة، آثر كثيرٌ من النيجيريين تجنّب مواجهة هذه الحقيقة المزعجة، ولجأوا بدلاً من ذلك إلى نظريات المؤامرة التي تقول أن هذه الموجة الجديدة مرتبطةٌ بعودة الانخراط الأمريكي في جهود مكافحة الإرهاب على الأراضي النيجيرية.
ليس من الصعب فهم سبب تجاوب هذه الرواية عن التواطؤ الأجنبي مع الجمهور النيجيري. في فبراير 2025، قال عضو الكونغرس الأمريكي Scott Perry أن وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID) موّلت جماعة Boko Haram، دون أن يقدّم أي دليل على ذلك. وقد ردّ Richard Mills، السفير الأمريكي في نيجيريا آنذاك، على هذه التصريحات ونفاها، غير أن الادّعاء كان قد أخذ حياةً مستقلّة في الفضاء العام ووسائل التواصل الاجتماعي.
ثمّ جاء عضوا الكونغرس Ted Cruz و Chris Smith ليُضيفا وقوداً إلى نظرية "الإبادة الجماعية للمسيحيين"، التي يتهم زوراً أن الهجمات في نيجيريا تستهدف المسيحيين حصراً.
صحيحٌ أن هجمات طالت المسيحيين، كان آخرها هجومٌ على كنيسة في ولاية كادونا يوم أحد الفصح، لكنّ المجتمعات المسلمة هي الأخرى تعرّضت لاستهدافٍ متكرّر. والحقيقة أن الجماعات الإرهابية دأبت منذ أمدٍ بعيد على الضرب دون تمييز.
ما يستوجبه هذا الوضع إذن هو تجاوز إغراء التفسيرات السهلة، والانخراط في تحليلٍ جادّ لما يجري فعلاً في شمال نيجيريا.
ما تكشفه الهجمات
لا بدّ أن يبدأ هذا التشخيص بوضوحٍ حول ما تكشفه الهجمات. أوّلاً، تكشف أن التمرّد قد تكيّف في شكله وأساليبه. ثانياً، لم يعد بالإمكان فهم انعدام الأمن في شمال نيجيريا بمعزلٍ عن المنطقة المحيطة؛ فهو جزءٌ من الاضطراب الإقليمي الأشمل الممتدّ عبر حوض بحيرة تشاد ومنطقة الساحل. وثالثاً، يواصل العنف تغذيةَ نفسه من مواطن ضعفٍ هيكلية عميقة تتخطّى بكثير ميادين القتال: الفقر المزمن، والإقصاء التعليمي، وضعف الحوكمة المحلية، والتآكل الطويل للعقد الاجتماعي في أجزاء من الشمال.
التمرّد يتكيّف ويتوسّع
شاهد ايضاً: تعويضات العبودية عادلة... لكن من يدفع لمن؟
لنبدأ بالنقطة الأولى. تُظهر الهجمات الأخيرة أن المنظومة المتمرّدة قد تعلّمت وتكيّفت وتجاوزت الصورة القديمة لتمرّدٍ مسلّح بدائي يقاتل بأساليب متوقّعة. وقد باتت جماعة ISWAP الفرع الغربي الأفريقي لتنظيم داعش أكثر مرونةً في هيكلها وتكتيكاتها، فيما أضعف صراعها مع Boko Haram الأخيرةَ وجعل ISWAP التهديدَ الأكثر تنظيماً وتجذّراً في منطقة بحيرة تشاد. وقد رسّخت الجماعة حضورها وتوسّعت داخل غابة سامبيسا، موسّعةً المساحة التي تنطلق منها لتهديد المدنيين والتشكيلات العسكرية على حدٍّ سواء.
هذا أمرٌ بالغ الأهمية، لأن التمرّدات لا تستمرّ بالأيديولوجيا وحدها، بل بالتضاريس وخطوط الإمداد والاقتصادات المحلية والقدرة على تحريك الرجال والعتاد عبر مناطق غياب الدولة أو ضعفها. بهذا المعنى، لم يعد التمرّد مجرّد صامدٍ في مخابئه المألوفة، بل يُرسّخ نفسه في رقعةٍ قتالية أوسع وأكثر سيولة، إذ باتت سيطرة ISWAP على التجارة في محيط بحيرة تشاد ركيزةً أساسية من ركائز صموده.
كذلك طوّرت ISWAP أساليب قتالها، مُظهِرةً قدرةً متناميةً على شنّ هجماتٍ منسّقة وغاراتٍ ليلية وكمائن وعمليات لا تستهدف إلحاق الخسائر فحسب، بل عزل المواقع العسكرية وإبطاء وصول التعزيزات. ويتضاعف هذا التحدّي بفعل الاتّساع الهائل لمسرح العمليات.
فولايات بورنو ويوبي وأداماوا كلٌّ منها مساحةٌ تعادل دولاً أوروبية بأكملها: بورنو أكبر قليلاً من جمهورية أيرلندا، ويوبي تقارب مساحة سويسرا، وأداماوا أكبر قليلاً من بلجيكا. إن تأمين أراضٍ بهذا الحجم سيُرهق أيَّ دولة، لا سيّما حين تحدّ هذه الأراضيَ منطقةٌ إقليمية هشّة.
كما شكّلت التضاريس إيقاعَ الصراع؛ إذ يشهد الموسم الجاف، وتحديداً الربع الأول من العام، تصاعداً ملحوظاً في الهجمات.
الطائرات المسيّرة والتنقّل السريع
في قلب هذا التكيّف يقع التطوّر التكنولوجي. ما كان يبدو مستحيلاً في هذا الميدان أصبح اليوم جزءاً من ترسانة المتمرّدين. باتت الطائرات المسيّرة (Drones)، بما فيها النماذج التجارية المعدَّلة للاستخدام القتالي، جزءاً من البيئة التشغيلية. وأهمية هذا التحوّل لا تكمن في الجانب التقني وحده، بل تمتدّ إلى الأثر النفسي والاستراتيجي.
وإلى جانب التكنولوجيا، زاد تنامي حركية التمرّد من حدّة التهديد. تُظهر الهجمات الخاطفة التي تشنّها وحداتٌ مُحمَّلة على دراجات نارية المدى الذي باتت فيه الضربات الإرهابية تعتمد على السرعة والتركيز والتشتّت. يتجمّع المقاتلون بسرعة، يضربون مواقع هشّة، ثمّ يختفون في تضاريس وعرة قبل أن تتشكّل أيّ استجابة فعّالة.
الميزة هنا لا تكمن في السيطرة على الأرض بالمفهوم التقليدي، بل في فرض حالة من الغموض وتمديد انتباه الدولة الدفاعي وإثبات أن المتمرّدين لا يزالون قادرين على اختيار متى وأين يُصدمون.
المقاتلون الأجانب وشبكات الإرهاب العالمي
ولعلّ أخطر أبعاد هذا التكيّف هو تسلّل المقاتلين الأجانب. أهمية وجودهم لا تكمن في أعدادهم فحسب، بل فيما يحملونه معهم: معرفةٌ تقنية وخبرةٌ ميدانية وتدريب تكتيكي وروابط بشبكات متطرّفة أوسع.
يُشير حضورهم إلى تلاقحٍ عميق بين التمرّد المحلي والتيارات الإرهابية العالمية. والأخطر من ذلك أنهم باتوا يضطلعون بدورٍ أكثر نشاطاً في الصراع، لا يقتصر على صقل التكتيكات والمهارات، بل يمتدّ إلى المشاركة المباشرة في القتال.
الانهيار الإقليمي وتراجع التعاون
لهذا يجب أن يكون البُعد الإقليمي محوراً لأي تحليلٍ جادّ. جاء تراجع التعاون الإقليمي في أسوأ توقيت ممكن، إذ خلق ثغراتٍ لا يتردّد المتمرّدون في استغلالها. تهديدٌ كان دائماً عابراً للحدود يصعب مواجهته حين تتوقّف الدول المجاورة عن التنسيق الكافي.
أسهم انسحاب النيجر من قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات في أعقاب موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) من الانقلاب العسكري هناك في تعميق هذا التحدّي وإضعاف خطوط الدفاع المحيطة بمسرح العمليات في الشمال الشرقي. وهذه القوة التي تضمّ وحداتٍ من نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد، مع مشاركةٍ بينينية محدودة في مقرّها بنجامينا، كانت أداةً فاعلة في المكاسب السابقة، وتظلّ ضرورةً لتعزيز المواقع وتنفيذ العمليات في التضاريس الصعبة وحرمان المتمرّدين من الملاذات الآمنة واعتراض حركة المقاتلين الأجانب.
الجذور الاجتماعية للعنف
غير أن التحليل الإقليمي، على أهمّيته، لا يُفسّر المشكلة بالكامل. تستمرّ التمرّدات لا لأنها تتحرّك عبر الحدود فحسب، بل لأنها قادرة على التجنيد وإعادة التنظيم واستغلال الهشاشة الاجتماعية في الداخل.
يتغذّى العنف في شمال نيجيريا على مزيجٍ من التطرّف العقدي والفقر المزمن والإقصاء التعليمي ودولةٍ يكاد حضورها ينعدم في المجتمعات التي تسعى الجماعات المسلّحة إلى تجنيد أبنائها. لذلك لا يمكن حصر النقاش في الأطر العسكرية.
الفقر وانعدام التعليم لا ينتجان الإرهاب مباشرةً، لكنّهما يُعمّقان الهشاشة، لا سيّما حين يقترنان بالاغتراب وضعف المؤسسات والروايات الأيديولوجية التلاعبية. لهذا ينبغي النظر إلى الأزمة التعليمية في شمال نيجيريا لا بوصفها تحدّياً تنموياً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من المشهد الأمني الأشمل. التعليم لا يمنح القراءة والكتابة والحساب فقط؛ بل يوفّر البنية والروتين والمسارات نحو تحقيق الذات والانتماء الاجتماعي.
الاستجابة الحكومية وحدودها
تجدر الإشارة إلى أن الحكومة لم تقف مكتوفة الأيدي. في عام 2024، وقّع الرئيس Bola Ahmed Tinubu قانون قروض الطلاب (للوصول إلى التعليم العالي)، وفتح إطلاق صندوق قروض التعليم النيجيري مساراتٍ أوسع نحو التعليم ما بعد الثانوي وتطوير المهارات. بيد أن التحدّي التعليمي الأكثر حسماً يقع في مرحلة أسبق التعليم الأساسي حيث تبدأ محو الأمية وتتشكّل العادات ويُبنى الارتباط بالمؤسسات أو يُهدر. فحين يبلغ الشابّ عتبة التعليم العالي، تكون الأسس قد رُسيت أو أُهملت.
لهذا السبب تؤثّر الحوكمة المحلية في الأمن أكثر مما يُدرَك عادةً. في النظام الفيدرالي النيجيري، يقع التعليم الأساسي في أضعف المستويات الحكومية وأكثرها تشوّهاً سياسياً. إن ظلّت الحكومات المحلية ضعيفةً مالياً ومشلولةً إدارياً أو مُستتبَعةً سياسياً، فإن أحد أهمّ خطوط الدفاع طويلة الأمد في وجه التطرّف سيبقى هشّاً.
لهذا فإن استقلالية الحكومات المحلية التي كثيراً ما تُطرح في أُطر دستورية جافّة تنطوي على تداعياتٍ أمنية مباشرة. الرئيس Tinubu، المدافع عن هذا الاستقلال، رحّب بحكم المحكمة العليا الصادر في يوليو 2024 الذي أكّد الحقوق الدستورية والمالية للحكومات المحلية، وضغط على الحكام لاحترامه. غير أن المقاومة ليست مفاجئة: فكثيرٌ من الحكام اعتادوا منذ أمدٍ بعيد التعامل مع الحكومات المحلية باعتبارها امتداداتٍ تابعة لسلطتهم.
ما الذي يستوجبه هذا الوضع؟
ما الذي يستوجبه هذا الوضع من نيجيريا إذن؟ يستوجب بالتأكيد الاستمرار في الضغط العسكري على معاقل المتمرّدين. ويستوجب تعزيز حماية القوات وتطوير الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتحسين الأمن في الريف والمدن ونهجاً أكثر جدّية في الدبلوماسية العابرة للحدود. ويستوجب التعامل مع الدبلوماسية الإقليمية لا بوصفها رفاهيةً في أوقات السلم، بل باعتبارها جزءاً من البنية التشغيلية للأمن.
لكن لا يمكن معالجة هذه الأزمة بالعمل العسكري وحده. إنها تستدعي كذلك تدابير اجتماعية ومؤسسية وتعليمية على جميع مستويات الحكم. على الدولة أن تواجه التطرّف لا بالقوة فحسب، بل بالتعليم والمؤسسات المحلية الفاعلة. عليها إعادة بناء الحوكمة واستعادة الثقة وسدّ الشقوق الاجتماعية والمؤسسية التي يتجدّد العنف من خلالها.
أخبار ذات صلة

بحيرة فيكتوريا: نساء كينيا يكسرن حظراً تقليدياً للبقاء

البابا ليو يدعو أنغولا إلى "بناء الأمل" في قداس حاشد

الجيش السوداني يستعيد بارا ويؤمن الأبيض في شمال كردفان
