خطر توظيف الجيش في السياسة الأمريكية الداخلية
في خَبَرَيْن تحليل نقدي لتوظيف الجيش الأمريكي في مهام داخلية سياسية وتأثير ذلك على مهمته القتالية والهيكل المؤسسي. قراءة ضرورية لفهم حدود دور الجيش وأهمية تركيزه على مهمته الأساسية للحفاظ على استقرار الجمهورية.

في عالَم السياسة الأمريكية، ثمّة مسلّمةٌ راسخة مفادها أنّ الجيش يبقى بمنأى عن السياسة الداخلية. غير أنّ المشهد الراهن يُعقّد هذه المسلّمة بصورةٍ لافتة.
نشر الجنرال Charles Q. Brown، رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق الذي أقاله وزير الدفاع Pete Hegseth العام الماضي، مقالاً في مجلة Foreign Affairs يوم الجمعة، شارك في تأليفه أستاذ العلوم السياسية في جامعة Duke، Peter Feaver، والمحامي من ولاية نورث كارولاينا Andrew Kragie. جاء المقال انتقاداً صريحاً لتوظيف الجيش في مهامٍّ ذات طابعٍ سياسي، في إشارةٍ واضحة إلى قرار إدارة Trump نشر قوات عسكرية لمكافحة الجريمة في المدن الكبرى.
توظيف الجيش في الداخل: خطرٌ على المهمة الأساسية
كتب Brown ورفيقاه: «حين يلجأ الرؤساء إلى القوات المسلحة في مهامٍّ أكثر إثارةً للجدل السياسي، كمعالجة الجريمة المحلية في المدن، يغدو عمل الجيش أكثر تعقيداً وحساسية».
ولم يتوقّف الكتّاب عند هذا الحدّ، بل أضافوا: «إنّ اللجوء إلى الحلّ العسكري بدلاً من معالجة القصور الحقيقي في المؤسسات المدنية يصرف الجيش عن التركيز على مهمّته القتالية الأساسية. وليس من مهمّة الجيش أن يُنقذ الجمهورية من مآزقها السياسية. بل إنّ المطالبة بالكثير منه تُهدّد المشروع برمّته».
هذه الحجّة تستحقّ أن نمنحها وقتها الكافي. صحيحٌ أنّ للجيش الأمريكي تاريخاً في الانتشار الداخلي في ظروفٍ استثنائية، وصحيحٌ أنّ Pete Hegseth يرى في ذلك استجابةً مشروعة لأزمة أمن حقيقية. ولكن هل هذا صحيحٌ فعلاً على المدى البعيد؟ ما يُقدّمه Brown وزملاؤه ليس مجرّد اعتراضٍ مبدئي، بل تحذيرٌ استراتيجي: المؤسسة العسكرية تعمل بكفاءةٍ حين تظلّ محدودة المهمة، وأيّ توسّعٍ في أدوارها الداخلية يُضعف تماسكها المؤسسي على المدى البعيد.
إقالاتٌ وتساؤلات عن الجدارة
Brown نفسه ليس بعيداً عن سياق الإقالات التي يُشير إليها المقال. فهو جنرالٌ متقاعد من سلاح الجوّ، وثاني رجلٍ أسود يتولّى أرفع منصبٍ عسكري في الولايات المتحدة، أُقيل في فبراير 2025 إلى جانب الأدميرال Lisa Franchetti، رئيسة البحرية الأمريكية آنذاك والمرأة الأولى التي تشغل منصباً في هيئة الأركان المشتركة. جاءت الإقالتان في سياق حملة الإدارة على برامج التنوّع والشمول داخل الجيش والمؤسسات الحكومية.
وفي منتدى Aspen Ideas Festival الأسبوع الماضي، أبدى Brown قلقه صراحةً من موجة إقالات مسؤولي وزارة الدفاع، قائلاً: «ما يبدأ في الحدوث الآن لا علاقة له بالكفاءة». وأضاف: «المهمّ أن ندرك أنّ كلّ هؤلاء الذين يُزاحون يتمتّعون بخبرةٍ واسعة، وما يقلقني هو الأثر الذي يتركه ذلك على من لا يزالون في الخدمة. هل ستُتاح لهم فرصةٌ عادلة للتقدّم في مسيرتهم المهنية؟».
ما قاله Hegseth وما لم يقله المقال
المقال في Foreign Affairs لم يُوجّه انتقاداً مباشراً للرئيس Donald Trump أو لأيّ مسؤولٍ في الإدارة الحالية. بل أشار الكتّاب في موضعٍ واحد إلى Trump وسلفه Joe Biden معاً، بوصفهما رئيسَين «عوّلا على الجيش ليؤدّي دوراً محورياً في التعامل مع جائحة كوفيد-19». غير أنّ المقال أشار ضمنياً إلى جملةٍ من الإجراءات التي اتّخذتها إدارة Trump منذ عودتها إلى السلطة، إذ نشرت آلاف عناصر الحرس الوطني ومئات من مشاة البحرية في مدنٍ كبرى من بينها واشنطن ولوس أنجلوس، بهدف مكافحة الجريمة.
وفي المقابل، أشاد Hegseth يوم الخميس بعمل الحرس الوطني في واشنطن في مواجهة المحتجّين، واصفاً إيّاهم بـ«الجاحدين». وقال: «لا يرون القانون والنظام والمنطق السليم أمام أعينهم. لا شيء أيديولوجياً في هذه المجموعة، ولا شيء سياسياً في هذه العملية. القانون والنظام حقٌّ يستحقّه جميع الأمريكيين».
الوطنية والذكرى الـ 250
تناول المقال أيضاً الاحتفالات الجارية بمرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، وما تعنيه الوطنية في هذا السياق. كتب Brown وزملاؤه: «الوطنية تعني الاعتراف بوعد التأسيس الأمريكي، والتقدّم الذي أنجزه الماضي، وإمكانات مستقبلٍ مشترك».
وختموا بقولهم: «الخدمة لقضيةٍ أكبر من الذات، وهي فضيلةٌ تُرسّخها التدريبات العسكرية، متاحةٌ للجميع بصرف النظر عمّا إذا كانوا يرتدون الزيّ العسكري. بأشكالٍ كبيرة وصغيرة، يستطيع الأمريكيون أن يُحوّلوا هذه المحطة — مئتان وخمسون عاماً — إلى لحظةٍ لتجديد الترابط الوطني الذي أعلنه المؤسّسون إلى جانب الاستقلال».
ما يستحقّ إعادة النظر فيه هنا ليس الجدل حول الإقالات أو حتى مشروعية نشر القوات في المدن، بل السؤال الأعمق الذي يطرحه المقال: ماذا يحدث لمؤسسةٍ حين تُطلب منها مهامٌّ تتجاوز حدودها الوظيفية؟ التاريخ يُعلّمنا أنّ التبعات غير المقصودة لهذا التوسّع نادراً ما تظهر فوراً — وحين تظهر، يكون الثمن أكبر ممّا توقّعه أحد.
أخبار ذات صلة

تأمين أميركا في احتفالات الذكرى 250: الشرطة بين خطط متغيّرة وضغوط كأس العالم

ترامب والجنسية بالميلاد: هزيمة جزئية لا كاملة أمام المحكمة العليا

الإسكان الحكومي: حل سياتل لأزمة السكن في الطبقة الوسطى
