خَبَرَيْن logo

معركة الجنسية بالولادة في قلب البيت الأبيض

خَبَرَيْن يكشف تفاصيل رفض المحكمة العليا محاولة ترامب إلغاء حق الجنسية بالولادة مع فتح الباب لتشريع فيدرالي محتمل يغير قواعد المواطنة وسط جدل سياسي وقانوني محتدم حول مستقبل الهوية الأمريكية.

الرئيس دونالد ترامب يلوّح بإصبعه ويبتسم خلال لقاء رسمي، في سياق نقاش حول مرسومه الرئاسي المتعلق بحق الجنسية بالولادة في الولايات المتحدة.
يشير الرئيس دونالد ترامب إلى رئيس المحكمة العليا جون روبرتس بعد أداء اليمين داخل قبة مبنى الكابيتول الأمريكي في 20 يناير 2025. جوليا ديماري نيخينسون/وكالة فرانس برس/صور غيتي
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في يومه الأوّل من العودة إلى البيت الأبيض في يناير 2025، أمسك الرئيس Donald Trump بقلمه الأسود العريض ووقّع مرسوماً رئاسياً يستهدف حقّ الجنسية بالولادة، معلّقاً: "هذه واحدةٌ كبيرة." كان الرهان جريئاً بامتياز. غير أنّه فشل في جوهره الأساسي؛ إذ رفضت المحكمة العليا بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 محاولته إلغاء الضمان الدستوري الذي يمنح الجنسية الأمريكية لكلّ طفلٍ يولد على الأراضي الأمريكية، بصرف النظر عن وضع والديه القانوني.

أعادت الأغلبية تأكيد فهمٍ راسخٍ منذ قرون لمبدأ الجنسية التلقائية بالولادة، وهو مبدأٌ يستند إلى التعديل الرابع عشر للدستور الذي ينصّ على أنّ "جميع الأشخاص المولودين أو المجنَّسين في الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون في الولايات المتحدة وفي الولاية التي يقيمون فيها."

ولكن هل انتهت القصة عند هذا الحدّ؟ الإجابة الصريحة هي: لا. فعلى الرغم من جذريّة هذا المسعى، فقد حقّق صدىً لافتاً في أروقة المحكمة والفضاء العام على حدٍّ سواء. استقطبت الإدارة دعماً من التيار السائد، شمل 25 ولايةً وعدداً كبيراً من أعضاء الكونغرس، لفكرةٍ كانت تُعدّ ضرباً من الهامشية السياسية في أحسن أحوالها. والأهمّ من ذلك وهو ما يرسم ملامح المستقبل أنّ القاضي Brett Kavanaugh، وإن انضمّ إلى قرار الأغلبية بوقف المرسوم التنفيذي، فقد أسّس موقفه على انتهاكٍ لقوانين الهجرة الصادرة عامَي 1940 و1952، لا على التعديل الرابع عشر ذاته. بل ذهب أبعد من ذلك، حين اقترح أنّ بإمكان الكونغرس تحقيق هدف Trump عبر تشريعٍ فيدرالي جديد:

"يستطيع الكونغرس بما يتوافق مع التعديل الرابع عشر تعديل القوانين الفيدرالية ذات الصلة أو سنّ تشريعاتٍ جديدة تُقرّر استثناءاتٍ من حقّ الجنسية بالولادة لأطفال المواطنين الأجانب المقيمين في البلاد بصورةٍ غير مشروعة أو مؤقّتة."

سارع Trump إلى اعتبار هذا الكلام نصراً جزئياً، فكتب على منصّة Truth Social عقب صدور الحكم في قضية Trump v. Barbara: "أيّدت المحكمة العليا حقّ الجنسية بالولادة، وهذا مؤسفٌ لبلدنا، لكنّنا نستطيع بسهولة تعويض ذلك في الكونغرس عبر التشريع، بدعمٍ من الرئيس الذي جرى تحديده خلال هذه العملية. لا حاجة إلى تعديلٍ دستوري طويل ومُرهِق!"

بيد أنّ Trump مخطئٌ في هذه المسألة، على الأقلّ في ظلّ تركيبة المحكمة الراهنة. فقد أكّدت أغلبيةٌ من خمسة قضاة بقيادة رئيس المحكمة John Roberts أنّ الدستور يكفل حقّ الجنسية بالولادة كفالةً صريحة. انضمّ إليه المحافظ Amy Coney Barrett والليبراليون الثلاثة Sonia Sotomayor وElena Kagan وKetanji Brown Jackson.

وفي رأيه الموجز والحازم، أرسى Roberts حقّ الجنسية بالولادة في جذوره التاريخية العميقة: القانون العرفي الإنجليزي، ونشأة الأمة الأمريكية، والسياق التاريخي لحقبة إعادة الإعمار التي وُلد فيها التعديل الرابع عشر. وكتب Roberts:

"كانت الجنسية، آنذاك وحتى اليوم، حقَّ امتلاك الحقوق المشاركةَ الحرّة في مجتمعنا السياسي. مدّ واضعو التعديل الرابع عشر هذا الوعد ليشمل 'كلّ شخصٍ حرٍّ وُلد في هذه الأرض.' ونحن نفي بهذا الوعد اليوم."

حين أعلن Roberts الحكم من منصّة المحكمة المرتفعة، تحدّث بنبرةٍ هادئة ورصينة كأنّ النتيجة كانت محسومةً سلفاً. وبعد سبع دقائق وجيزة عرض فيها الحكم، ختم قائلاً: "نحن لا نُرسي هنا أيّ قاعدةٍ جديدة." وجاء رأيه المكتوب بالقدر ذاته من الإيجاز، في 26 صفحة فحسب.

في المقابل، أبدى نائب الرئيس JD Vance ما وصفه بـ"الجانب المضيء" في حديثه، مستنداً إلى موقف Kavanaugh: "هذا يعني أنّ مفهوم الجنسية بالولادة وهو سخافةٌ بالنسبة للتعديل الرابع عشر معلّقٌ بخيط."

وقد أسهم هذا الجدل في تحقيق مكسبٍ استراتيجي لإدارة Trump على صعيدٍ آخر. فحين وصل النزاع حول مرسوم يوم التنصيب إلى المحكمة العليا للمرّة الأولى العام الماضي، استغلّ القضاةُ القضيةَ لـتقليص صلاحيات قضاة المحاكم الأدنى درجةً في إصدار أوامر قضائية تحول دون تطبيق السياسات الرئاسية المثيرة للجدل على المستوى الوطني. وقد شكّل هذا القرار انتصاراً مبكّراً حاسماً لـTrump في ولايته الثانية.

رسم توضيحي لجلسة المحكمة العليا الأمريكية يناقش قضية حق الجنسية بالولادة وسط حضور القضاة ومحامي ترامب في قاعة المحكمة.
Loading image...
تُظهر هذه الرسمة القضائية المدعي العام الأمريكي د. جون ساور والرئيس دونالد ترامب أثناء المرافعات الشفوية حول الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب لمحاولة إنهاء حق المواطنة التلقائية بالولادة، وذلك في المحكمة العليا الأمريكية في واشنطن العاصمة، يوم الأربعاء الأول من أبريل 2026. دانا فيركوترن

مسألة "الإقامة الدائمة" ومعركة النصوص

تمسّك محامو Trump بعبارة "الخاضعين لولايتها القضائية" الواردة في التعديل الرابع عشر. وحجّة المدّعى عنه المحامي العام D. John Sauer أنّ هذه العبارة تستلزم أن يكون الشخص "مقيماً إقامةً دائمة" في الولايات المتحدة لإثبات ولائه المباشر للبلاد:

"جاء بند الجنسية بُعيد الحرب الأهلية لمنح الجنسية للعبيد المحرَّرين حديثاً وأبنائهم، الذين أثبتت أجيالٌ من الإقامة الدائمة ولاءهم للولايات المتحدة. ولم يمنح الجنسية لأبناء الزوّار المؤقّتين أو الأجانب غير الشرعيين الذين لا ولاء كهذا لديهم."

غير أنّ أغلبية Roberts خلصت إلى أنّ الكونغرس لم يعتبر قطّ إقامةَ الفرد الدائمة شرطاً لحقّ الجنسية بالولادة. وكتب Roberts:

"لو أراد الكونغرس ربط الجنسية بإقامة كلّ فردٍ الدائمة ... لكان من المعقول توقّع وجود نقاشٍ ما في هذا الشأن"، مضيفاً أنّ كلمة "الإقامة الدائمة" بالكاد وردت في النقاشات والمداولات المتعلّقة ببند الجنسية.

حرارة المعارضة وعمق الخلاف

لم يكن المعارضون صامتين. ففي معرض مناقشته لحجج الإدارة، افتتح القاضي Samuel Alito رأيه المعارض بالحديث عن ظاهرة "سياحة الولادة" النساء اللواتي يأتين إلى الولايات المتحدة بهدفٍ وحيد هو إنجاب أطفالهن ثمّ العودة فور ذلك مؤكّداً أنّ حكم الأغلبية سيُبقي على "حافزٍ قويٍّ للدخول إلى هذا البلاد أو البقاء فيه بصورةٍ غير مشروعة."

أمّا القاضي Clarence Thomas، فقد قدّم في رأيه المعارض الذي امتدّ 91 صفحةً التقييمَ الأشدّ قسوةً للأغلبية، مؤكّداً أنّ التعديل الرابع عشر جاء أصلاً لضمان الجنسية للعبيد المحرَّرين وأبنائهم تحديداً. وكتب:

"تُضيف المحكمة اليوم صفحةً مؤلمة إلى التاريخ الحزين للتعديل الرابع عشر، الذي صُمِّم وفُهم أصلاً لضمان حقوقٍ متساوية للسود المحرَّرين، فإذا به يُعاد توظيفه لخدمة مشاريعَ سياسية لم يؤيّدها الكونغرس في حقبة إعادة الإعمار."

وفي ختام رأيه، استشهد Thomas بما قاله القاضي John Marshall Harlan في رأيه المعارض في قضية Plessy v. Ferguson عام 1896 تلك القضية التي أجازت الفصل العنصري في وسائل النقل والمرافق العامة:

"أضاف بندُ الجنسية 'إضافةً عظيمة إلى كرامة المواطنة الأمريكية وفخرها'. أمّا رأي اليوم، فيُهدر قيمة تلك المواطنة."

وختم Thomas بعبارةٍ لا شكّ أنّ Trump يتبنّاها بحماس: "لستُ متأكّداً من أنّ رأي اليوم سيصمد أمام اختبار الزمن."

الجنسية بالولادة: محور الأجندة المناهضة للهجرة

الحكم الصادر اليوم في مجموعه الذي تجاوز 189 صفحة بين الأغلبية والمعارضة لن يُغلق الجدل، بل سيُذكيه. يقول المحامي في قضايا الاستئناف Charles Cooper، الذي مثّل السيناتور Eric Schmitt من ولاية Missouri والنائب Chip Roy من ولاية Texas: "هذا الحكم لن يُنهي النقاش. إن لم يكن للقضية من أثرٍ آخر، فقد سلّطت ضوءاً ساطعاً على بعض التكاليف الجسيمة لحقّ الجنسية بالولادة."

وقد جعل Trump من هذا المرسوم التنفيذي حجرَ الزاوية في أجندته المناهضة للهجرة. وأيّدت محكمة Roberts العديد من مبادراته الأخرى، من بينها قرار الإدارة الأسبوع الماضي إنهاءَ ما يُعرف بـ"الوضع المحمي المؤقّت" (Temporary Protected Status) للمهاجرين الهايتيين والسوريين وغيرهم ممّن تعصف بدولهم النزاعات المسلّحة والكوارث الطبيعية.

بيد أنّ مسعى تقليص حقّ الجنسية بالولادة بدا أكثرَ شخصيةً بالنسبة لـTrump، الذي اتّخذ الخطوة اللافتة بحضور جلسة الاستماع الشفهية أمام المحكمة العليا في 1 أبريل.

وقد احتجّ المهاجرون ومناصروهم الذين رفعوا الدعاوى بأنّ المرسوم الرئاسي القاضي بحرمان الأطفال المولودين لأمّهاتٍ مقيماتٍ في الولايات المتحدة بصورةٍ غير نظامية أو بتأشيرةٍ مؤقّتة من الجنسية يُشكّل انتهاكاً صريحاً للتعديل الرابع عشر والقوانين الفيدرالية المرتبطة به. وقالت Cecillia Wang من منظّمة ACLU، التي مثّلت المتحدّين للمرسوم، خلال جلسة الاستماع:

"القاعدة الثابتة والواضحة التي يرسيها التعديل الرابع عشر أسهمت في نموّ أمّتنا وازدهارها. إنّها تنبع من النصّ والتاريخ معاً، وهي قابلةٌ للتطبيق، وتحول دون التلاعب. أمّا المرسوم التنفيذي فيخفق في كلّ هذه المعايير. ستُصبح شرائح واسعة من القوانين الأمريكية بلا معنى، وسيُحرم آلاف الأطفال الأمريكيين فوراً من جنسيّتهم، وإذا سلّمنا بنظرية الحكومة، فإنّ جنسية الملايين من الأمريكيين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً قد تُصبح موضعَ تشكيك."

ثمّة ما ينبغي إعادة النظر فيه هنا. فالسردية الشائعة تقول إنّ المحكمة العليا أوقفت Trump وأعادته إلى نقطة الصفر. لكنّ القراءة الأكثر دقّةً تُشير إلى مشهدٍ أكثر تعقيداً: الأغلبية أغلقت الباب الدستوري، لكنّ Kavanaugh أبقى نافذةً تشريعية مفتوحة، والمعارضة الحارّة لـThomas تُلمح إلى أنّ هذا الجدل لم يُحسم بعد في الفضاء الفكري للمحكمة ذاتها. من يخلط بين ردّ المحكمة على مرسومٍ بعينه وردّها على المبدأ في مجمله، يبني تقديراً خاطئاً لما قد يأتي به الغد.

أخبار ذات صلة

Loading...
علم الأمم المتحدة يرفرف أمام مقر المنظمة في نيويورك، حيث وقعت حادثة إحراق ذاتي احتجاجاً على حكم الصين للتبت.

رجل يضرم النار في نفسه احتجاجاً على التبت أمام مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك

في حادثة نادرة أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك، أضرم رجل يحمل علم التبت النار في نفسه احتجاجاً على قمع الصين لهويته وثقافته. اكتشف التفاصيل وتأثير الحادث الآن.
سياسة
Loading...
اجتماع رسمي في المحكمة الجنائية الدولية مع حضور مسؤولين وخلفية أعلام دولية، في سياق النزاع القانوني بين الولايات المتحدة والمحكمة.

المحكمة الجنائية الدولية: إدارة ترامب تشدّد الضغط

تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية بعد رسالة إدارة ترامب التي ترفض أي تحقيق مع مواطنين أمريكيين وتعتبره انتهاكاً للسيادة. اكتشف التفاصيل وتابع التطورات الآن.
سياسة
Loading...
امرأتان صينيتان ترتديان أزياء تقليدية يعبران شارعًا في مدينة صينية، مع خلفية من السيارات والأشجار، في سياق الحديث عن قانون الوحدة الوطنية للأعراق في الصين وتأثيره على الأقليات العرقية.

الصين تشدّد قبضتها: قانون "الوحدة الإثنية" الجديد وتأثيره على الأقليّات

قانون الوحدة الوطنية في الصين يفرض دمج الأقليات العرقية بالقوة ويثير قلق حقوق الإنسان بسبب فرض لغة المندرين وتقييد الثقافات. اكتشف التفاصيل وتأثيرات القانون الآن.
سياسة
Loading...
امرأة تحمل علمًا أحمر وسط مجموعة من المتظاهرين في السويد، تعبيرًا عن احتجاجات ضد قوانين الهجرة الصارمة.

السويد تشدّد سياسة الهجرة: «لم أرتكب خطأ» وحياةٌ تنقلب رأساً على عقب

تغييرات قوانين الهجرة في السويد تهدد آلاف المهاجرين بالإبعاد رغم جهودهم للاندماج. اكتشف كيف تؤثر هذه السياسات الجديدة على حياتهم ومستقبلهم في بلدهم الجديد. تابع التفاصيل الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية