قانون الوحدة الوطنية في الصين يهدد ثقافات الأقليات
قانون الوحدة الوطنية للأعراق في الصين يثير قلق حقوق الإنسان بسبب فرض هوية موحدة على الأقليات العرقية وتقييد لغاتها وثقافاتها. هل هو تعزيز للوحدة أم اندماج قسري؟ تفاصيل وأبعاد القانون في خَبَرَيْن.

منذ أن دخل القانون حيّز التنفيذ الأربعاء الماضي، بات اسمه يتردّد في بيانات منظمات حقوق الإنسان وتصريحات المسؤولين الأجانب: قانون الوحدة الوطنية للأعراق في الصين. لكنّ ما يُقلق المنتقدين ليس العنوان، بل ما يختبئ خلفه من آليات قد تُسرّع ما يصفونه بالاندماج القسري للأقليات العرقية.
الصين تعترف رسمياً بـ55 مجموعة عرقية أقلّية، تُشكّل مجتمعةً 8.9% من سكان البرّ الصيني. والقانون الجديد لا يستهدفها داخل الحدود فحسب، إذ أعلن المسؤولون الصينيون أنّ نصوصه قابلة للتطبيق على أفراد خارج البلاد أيضاً — وهو ما أثار موجةً من القلق في أوساط حقوق الإنسان، التي رأت فيه أداةً محتملة لملاحقة المعارضين الصينيين في الخارج. في المقابل، وصفت الحكومة الصينية هذه القراءة بأنّها "تحريف" للنصّ، مؤكّدةً أنّ كلّ ما تسعى إليه هو مكافحة حركات الانفصال خارج حدودها.
ما هو قانون الوحدة الوطنية للأعراق؟
أقرّت الصين هذا القانون في 12 مارس، بهدف بناء هُويّة وطنية "مشتركة" بين المجموعات العرقية الـ56 في البلاد — الأغلبية الهانية والأقليات الـ55. وتضمّ أبرز هذه الأقليات الأويغور بنحو 11 مليون شخص، والتبتيين بنحو 7 ملايين. وتُعدّ منطقتا التبت وشينجيانغ — حيث يتركّز معظم الأويغور — المنطقتين الوحيدتين في الصين اللتين تُشكّل فيهما الأقليات العرقية أغلبية السكان.
أقرّ القانون البرلمانُ الصيني الاستشاري، وصاغه لو تشينجيان، أحد مندوبي مجلس الشعب الوطني، الذي قدّمه في مارس بوصفه وسيلةً لتعزيز "إحساسٍ أعمق بالانتماء المشترك بين جميع المجموعات العرقية في الأمّة الصينية".
ويُلزم القانون جميع الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة بتعزيز الوحدة الوطنية، بما فيها الحكومات المحلية والمنظمات المرتبطة بالدولة كالاتحاد الوطني للمرأة الصينية. غير أنّ المنتقدين يرون أنّ بكين استخدمت في السابق قوانين مشابهة تبدو في ظاهرها بريئة لتبرير تقييد التعبير الثقافي للأقليات، لا سيّما التبتيين والأويغور.
وينصّ القانون صراحةً على أنّ "كلّ مجموعة عرقية، وجميع المنظمات والهيئات والقوّات المسلّحة وكلّ حزبٍ وتنظيم اجتماعي وكلّ شركة، ملزمةٌ بموجب القانون والدستور بترسيخ وعيٍ مشترك بالأمّة الصينية، وتحمّل مسؤولية بناء هذا الوعي".
وبموجب المادة 15 من القانون، يُفرض تدريس اللغة الصينية المندرين لجميع الأطفال قبل مرحلة الروضة وطوال مراحل التعليم الإلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية. وإن كانت المندرين هي لغة التدريس الأساسية أصلاً في منغوليا الداخلية والتبت وشينجيانغ، إلّا أنّ القانون الجديد يُرسّخ عملياً منع اللغات الأقلّوية من أن تكون لغةَ التدريس الرئيسية على المستوى الوطني — في حين كانت الأقليات تتمتّع حتى وقتٍ قريب بقدرٍ من الاستقلالية في اختيار لغة التعليم.
والمفارقة أنّ الدستور الصيني نفسه ينصّ على أنّ "لكلّ قومية الحقّ في استخدام لغتها وتطويرها" وعلى "الحقّ في الحكم الذاتي"، فيما يعد قانون الحكم الذاتي الإقليمي للأعراق بمنح هذه المجموعات استقلاليةً محدودة تشمل صياغة تدابير مرنة لتنمية اقتصاداتها.
لماذا يُثير القانون انتقادات واسعة؟
لم تكن الصين يوماً بمنأى عن الانتقادات الدولية بشأن معاملة أقلّياتها العرقية. ففي عام 2018، أعلنت الأمم المتحدة أنّ الصين تحتجز ما لا يقلّ عن مليون شخص، معظمهم من الأويغور المسلمين وأقليات تركية أخرى، في شبكة من المراكز التي وصفتها بكين بأنّها "مراكز تدريب مهني" تُعلّم المندرين ومهاراتٍ أخرى لمكافحة "التطرّف" ومنع "الإرهاب". وقد رفضت الصين اتهامات العمل القسري جملةً وتفصيلاً.
أمّا الدالاي لاما، الزعيم الروحي للتبتيين، فيعيش في المنفى بالهند منذ أكثر من 60 عاماً، وتُصنّفه بكين "انفصالياً" رغم تطوّر طبيعة العلاقة بينهما عبر الزمن.
وقد أبدت منظمات حقوق الإنسان قلقاً بالغاً إزاء تداعيات القانون الجديد على الحقوق الثقافية والاجتماعية للأقليات. وقالت Sarah Brooks، نائبة المدير الإقليمي في منظمة Amnesty International، الثلاثاء: "تقع على السلطات الصينية التزاماتٌ بموجب حقوق الإنسان تُوجب عليها حماية مجتمعات الأقليات وثقافاتها، لكنّ هذا القانون يسير في الاتجاه المعاكس تماماً".
وأضافت: "بدلاً من الاحتفاء بالتنوّع، يدفع هذا القانون مجموعاتٍ كالأويغور والتبتيين والمغول نحو تبنّي هُويّة وطنية واحدة تحدّدها الدولة وتهيمن عليها الثقافة الهانية". ونبّهت Brooks إلى أنّ "أنشطةً تنطوي أصلاً على مخاطر جسيمة داخل الصين — كالترويج للغات الأقليات، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أو المطالبة بالإفراج عن المحتجزين بسبب تعبيرهم الثقافي أو آرائهم أو معتقداتهم — قد تُجرَّم بصورة أوسع".
هل يمتدّ تطبيق القانون خارج الصين؟
في نظر بكين، نعم.
يتضمّن القانون بنداً يُجيز مساءلة أشخاص وجماعات خارج حدود جمهورية الصين الشعبية إذا رُئي أنّهم يُقوّضون "الوحدة العرقية والتقدّم أو يُحرّضون على الانفصال العرقي".
وقد أثار ذلك قلقاً بالغاً في تايوان المتمتّعة بحكمٍ ذاتي، إذ رأت أنّه قد يمنح بكين سنداً قانونياً إضافياً لملاحقة من تعدّهم انفصاليين على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية التايوانية: "في المستقبل، قد يصبح أيّ فردٍ من أيّ دولة تصدر عنه أقوالٌ أو أفعالٌ لا تقبلها الصين هدفاً للقانون أو مطلوباً بموجبه". وتصرّ بكين على أنّ تايوان جزءٌ من أراضيها ولم تستبعد استخدام القوّة للسيطرة عليها.
كذلك أدانت الإدارة التبتية المركزية — التي تعتبر نفسها الحكومة التبتية في المنفى — هذا القانون، وقالت في بيانٍ لها: "في حين تُصوّر الصين هذا التشريع باعتباره آليةً لتعزيز 'الانسجام الاجتماعي والوحدة الوطنية'، فإنّه يُقنّن فعلياً سياسات الاندماج القسري". وأضافت أنّ القانون، "مقروناً بالإجراءات القائمة — بما فيها توسيع المدارس الداخلية التي تديرها الدولة وسياساتٍ أخرى تمسّ اللغة التبتية والدين والتعليم وأنماط الحياة التقليدية — يُثير مخاوف جدّية حول مستقبل الهُويّة التبتية وبقائها على المدى البعيد".
كيف ردّت الصين على هذه الانتقادات؟
رفضت الصين الانتقادات الموجّهة للقانون. وعلى الصعيد الداخلي، تقول إنّ القانون يهدف إلى تعزيز السلام والوئام بين المجموعات العرقية ودمج المجتمعات الهامشية في الفضاء الوطني العام. وعلى الصعيد الدولي، تؤكّد أنّها لا تفعل سوى ما تفعله سائر دول العالم: صون مصالحها الأمنية.
وفي مؤتمرٍ صحفي في بكين، قال نائب وزير العدل هو ويلي إنّ وسائل إعلام غربية — لم يُسمّها — "حرّفت وأساءت تفسير" البند المتعلّق بالتطبيق خارج الحدود. وأضاف: "هذا البند يستند إلى الواقع الوطني الصيني، ويتوافق مع المبادئ القانونية ومع الممارسة الدولية. وهو بندٌ قانوني مشروع وضروري وقابل للتطبيق". وتابع: "لجميع دول العالم الحقّ في منع الأنشطة الانفصالية والتخريبية والحفاظ على التضامن الاجتماعي والنظام العام عبر التشريعات الوطنية".
وأكّد هو أنّ تطبيق هذا البند خارج الحدود يهدف إلى "صون سيادة الصين وأمنها ومصالح تنميتها، فضلاً عن الحقوق والمصالح المشروعة لأبناء جميع المجموعات العرقية"، مشيراً إلى أنّه "لن يؤثّر على التبادلات الإنسانية الطبيعية بين الصين والدول الأخرى، ولا على النقاشات الأكاديمية أو التعاون الاقتصادي والتجاري أو غيرها من الأنشطة".
أخبار ذات صلة

المحكمة الجنائية الدولية: إدارة ترامب تشدّد الضغط

ترامب والجنسية بالميلاد: هزيمة جزئية لا كاملة أمام المحكمة العليا
