مبابي رمز القوة والتحدي في وجه العنصرية
كيليان مبابي نجم فرنسا الذي تحدى العنصرية والإساءات ليقود منتخب بلاده إلى نصف نهائي كأس العالم ويصبح رمزاً للتنوع والقوة في وجه خطاب اليمين المتطرف ودعايات الكراهية تابع قصته في خَبَرَيْن.

قبل خمس سنوات، كاد Kylian Mbappé أن يُودّع المنتخب الفرنسي إلى الأبد.
كانت فرنسا من أبرز المرشّحين للتتويج في يورو 2020، حين سقطت أمام سويسرا في دور الستة عشر بطريقةٍ مؤلمة. قادت فرنسا المباراة لمعظم وقتها، قبل أن يُسجّل السويسريون هدفَين متتاليَين في الدقائق الأخيرة ويدفعوا اللقاء إلى ركلات الترجيح. وقع على عاتق Mbappé شرف تسديد الركلة الحاسمة كانت قوية، لكنّ الحارس تصدّى لها بردّةٍ سريعة.
كان الخروج كارثةً بكلّ المقاييس. وصفته ESPN بـ"الفشل الذريع"، وصدرت جريدة Le Parisien الفرنسية في اليوم التالي بعنوان "خيبة الأمل"، فيما اختارت L'Equipe كلمة "الدمار".
بالنسبة لـMbappé، الذي لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين آنذاك، تحوّلت هذه الهزيمة الوطنية إلى موجةٍ من الإساءات العنصرية على منصّات التواصل الاجتماعي. انتشرت تغريدةٌ واسعاً كتب فيها أحدهم: "هذا الزنجي القذر يستحق مئة جلدة وأن يُباع في ليبيا." لم يُجدِ نفعاً أنّه وُلد في باريس، ولا أنّه كان ركيزةً أساسية في انتزاع كأس العالم قبل سنواتٍ قليلة.
قال Mbappé لرئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم Noël Le Graët في تلك الفترة: "لن أستطيع أن ألعب لأناسٍ يعتبرونني قرداً. لن ألعب."
غير أنّه عاد وأكمل المشوار. في العام التالي مباشرةً، قاد المنتخب الفرنسي إلى نهائي كأس العالم الثاني على التوالي في قطر، قبل أن يخسر أمام الأرجنتين بركلات الترجيح. واليوم، تقف فرنسا في الدور نصف النهائي، على موعدٍ مع إسبانيا يوم الثلاثاء.
Mbappé اليوم في أوج نضجه، وهو أفضل بكثيرٍ مما كان عليه عام 2021. يحمل شارة القيادة ويتصدّر قائمة هدّافي المنتخب، وقد بلغ رصيده 20 هدفاً في مسيرته بكأس العالم، ليحتلّ المرتبة الثانية في قائمة الهدّافين التاريخيين خلف Lionel Messi وحده.
لكنّ مكانة Mbappé بوصفه أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ لا تقيه من الإساءة. فهو ذو أصولٍ كاميرونية وجزائرية، و وجوده في حدّ ذاته يجعله بحسب من تسأل إمّا رمزاً لقوّة التعدّدية الثقافية في فرنسا، وإمّا دليلاً على تآكل الهويّة الفرنسية.
قبيل انطلاق كأس العالم هذا العام، دخل Mbappé في مواجهةٍ علنية مع قيادات اليمين المتطرّف في حزب التجمّع الوطني، Marine Le Pen وJordan Bardella. بعد أن حثّ Mbappé المواطنين الفرنسيين في مقابلةٍ مع Vanity Fair على التحذّر من هذا الحزب، ردّ عليه Le Pen وBardella بالإشارة إلى أنّ ناديه السابق Paris Saint-Germain فاز بدوري أبطال أوروبا بعد رحيله.
Le Pen، المرشّحة الأوفر حظّاً للانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل، سبق أن طالبت بوقف الهجرة إلى فرنسا كلياً، وشبّهت يوماً ما المسلمين الذين يصلّون في الشوارع بالاحتلال النازي.
المنتخب الفرنسي، المؤلَّف في معظمه من أبناء الجيلَين الأول والثاني من المهاجرين، سبق أن تصدّى لـLe Pen وحزبها. في عام 2024، طالب Mbappé وOusmane Dembélé وزملاؤهم المواطنين الفرنسيين بالتوجّه إلى صناديق الاقتراع، رداً على الصعود اللافت للتجمّع الوطني في استطلاعات الرأي.
قالت Le Pen في وقتٍ لاحق من ذلك العام: "Mbappé لا يمثّل الفرنسيين ذوي الخلفيات المهاجرة، لأنّ عددهم الأكبر يعيش على الحدّ الأدنى للأجور، ولا يستطيع تحمّل تكاليف السكن أو التدفئة، على عكس أمثال السيد Mbappé."
هذه الحجّة وإن كانت مغلوطةٌ في جوهرها يُردّدها آخرون في الحزب: لأنّ Mbappé، أو أيّ لاعبٍ غير أبيض يحقّق النجاح، فقد هويّته المهاجرة.
في الواقع، قد يكون النجاح درعاً واقية، لكنّه ليس حاجزاً منيعاً. بعد أن أقصى المنتخب الفرنسي باراغواي في هذه النسخة من كأس العالم، أطلقت عضو مجلس الشيوخ الباراغوانية Celeste Amarilla تصريحاتٍ عنصرية صريحة تستهدف Mbappé وهويّته الوطنية، إذ وصفته بـ"الكاميروني المستعمَر الذي يتظاهر بالفرنسية"، وكتبت: "الوحش لم يتعلّم حتى الكتابة، بدلاً من حليب أمّه رضع جوز الهند، وأرقى ما سمعه كان صياح الشمبانزي."
تراجعت Amarilla لاحقاً عن تصريحاتها، قائلةً إنّها جاءت "في لحظة انفعال". ثمّ حاولت أن تصوّر ردّ Mbappé الذي رفض فيه العنصرية على أنّه شكلٌ من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وكتبت له في رسالةٍ نشرتها على Instagram: "تراجع عن تصريحاتك، وأثبت جدارتك بالجنسية الفرنسية، واعتذر منّي."
دافع الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron علناً عن Mbappé، كاتباً على X: "هدفٌ آخر لـKylian Mbappé. ضدّ العنصرية هذه المرة." في المقابل، آثرت Le Pen الصمت.
الإساءات العنصرية لم تقتصر على جماهير الخصوم؛ فقد صدرت أيضاً من مشجّعين فرنسيين. خلال موسم 2025-26 مع Real Madrid في إسبانيا، تعرّض Mbappé لهتافاتٍ عنصرية مقيتة في مباراةٍ أمام Real Oviedo، ما أفضى إلى احتجاز أحد المشجّعين. وحين خسرت فرنسا كأس العالم 2022، تعرّض Mbappé وزملاؤه من اللاعبين السود مجدّداً لوابلٍ من الإهانات العنصرية والتعليقات الكارهة على وسائل التواصل تماماً كما حدث في يورو 2020.
هذا التذبذب في المعاملة ليس حكراً على Mbappé. في عام 2011، قال المهاجم Karim Benzema: "إن سجّلت، أنا فرنسي. وإن لم أسجّل أو وقعت مشاكل، أنا عربي." وفي 2022، ردّد المدافع Patrice Evra الفكرة ذاتها: "حين تفوز مع فرنسا، أنت لاعبٌ فرنسي. وحين تخسر، يُخرجون لك جواز سفر السنغال فجأةً."
كان هذا الخطاب أقلّ حضوراً في عام 1998، العام الذي وُلد فيه Mbappé. كانت "البلوز" آنذاك بقيادة الفرنسي الجزائري Zinedine Zidane، إلى جانب Lilian Thuram المولود في جوادلوب، وMarcel Desailly المولود في غانا، وThierry Henry ذي الأصول الأنتيلية. كانت تعدّدية الفريق مصدر احتفاءٍ وفخر، وابتُكر لها مصطلح "Black, Blanc, Beur" أي أسود، أبيض، عربي في إشارةٍ ذكية إلى ألوان العلم الفرنسي "Bleu, Blanc, Rouge".
حين أحرز الفريق لقب كأس العالم ذلك الصيف للمرة الأولى في تاريخ فرنسا، عمّ الابتهاج الشوارع، وساد اعتقادٌ بأنّ هذا المنتخب متعدّد الأعراق والثقافات سيُسهم في لمّ شمل فرنسا.
قال Desailly في عام 2018 متذكّراً تلك اللحظة: "كانت لحظة تواصلٍ حقيقي. الجماهير، الجميع معاً. لا عنصرية، لا تمييز، الجميع سعداء في فرنسا."
غير أنّ نجاح الفريق متعدّد الثقافات لم يُرسّخ انتصاراً دائماً للتعدّدية في فرنسا. Jean-Marie Le Pen، والد Marine Le Pen ورئيس الحزب اليميني المتطرّف آنذاك، قال أنّ الفريق ليس فرنسياً حقيقياً بل هو فريقٌ "مصطنع" على حدّ وصفه، أفريقيٌّ أكثر من اللازم، أسودٌ أكثر من اللازم. وقال إنّه لا مكان لأيٍّ منهم في المنتخب الفرنسي.
وفي عام 2011، يُقال إنّ Laurent Blanc، المدرّب الفرنسي آنذاك، كان طرفاً في نقاشاتٍ تدور حول فرض حصصٍ لتقليص عدد اللاعبين من أصولٍ أفريقية في المنتخب، قبل أن تُبرّئه السلطات من تهمة التمييز العنصري.
خفّفت Le Pen في السنوات الأخيرة من حدّة اللغة العنصرية الصريحة في خطابها رغم أنّها سبق أن طالبت بأن يلعب Benzema مع الجزائر عوضاً عن فرنسا، وانتقدت المنتخب بعد إقصائه في دور المجموعات في كأس العالم 2010 بسبب "ولائه لجنسياتٍ أخرى في قلوبهم". بيد أنّ هذا الخطاب لا يزال حاضراً في انتقاداتها لـMbappé وفي الهجمات المبطّنة التي يشنّها حزبها على منتخبٍ يحمل تعدّدية تُذكّر بفريق 1998. والجدير بالذكر أنّه حين فازت فرنسا بكأس العالم 2018 بفضلٍ كبير من Mbappé ذي التسعة عشر ربيعاً، كان الاسم الوحيد الذي خصّته Le Pen بالتهنئة هو اسم المدرّب الأبيض Didier Deschamps.
هذه المرة، باتت آراء Le Pen وحزبها اليميني المتطرّف أكثر قبولاً في الأوساط السياسية، وأصبح السؤال عن "من هو الفرنسي الحقيقي" يتجاوز الحدود الفرنسية. كان كلام Amarilla صريحاً لا لبس فيه: الفرنسي الحقيقي لن يردّ على العنصرية بهذه الطريقة. فهل يجعله رفضه للعنصرية أقلّ فرنسيةً؟
لا يهمّ كم هدفاً يسجّله Mbappé لفرنسا، ولا كم مرةً يُعلن انتماءه الفرنسي. تكشف المواجهة مع Amarilla والخلاف المتجدّد مع Le Pen أنّ هويّته لا تزال ورقةً في يد السياسيين يتداولونها متى شاؤوا.
يوم الثلاثاء، سيرتدي Mbappé من جديد شارة المنتخب الفرنسي. إن فازت "البلوز"، توجّهوا إلى نهائي كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، وسيكون بطلاً فرنسياً لا جدال فيه. لكن ماذا لو خسروا؟
أخبار ذات صلة

جود بيلينجهام وتوخيل: ضجة كبيرة حول أمر بسيط قبل مونديال 2026

هل ميسي وإمبابي ويامال وكين في أفضل نصف نهائي كأس عالم؟
