تحولات استراتيجية الدفاع اليابانية في كيوشو
في كيوشو، تتغير استراتيجية اليابان الدفاعية بشكل جذري مع نشر صواريخ بعيدة المدى لمواجهة التهديد الصيني المتزايد. تعرف على تفاصيل "الدرع الجنوبية" وكيف تعزز اليابان قوتها العسكرية في مواجهة التحديات الإقليمية. خَبَرَيْن.

في جزيرة كيوشو الجنوبية اليابانية، المعروفة بمناظرها البركانية وطبقها الشهير راميَن التونكاتسو، تجري اليوم واحدة من أعمق التحوّلات في الاستراتيجية الدفاعية اليابانية منذ عام 1947، حين تخلّت اليابان رسمياً عن اللجوء إلى الحرب لتسوية نزاعاتها الدولية.
في أواخر مارس الماضي، نشرت اليابان صواريخ بعيدة المدى في محافظة كوماموتو على الساحل الجنوبي الغربي للجزيرة. وعلى خلاف المنشآت الدفاعية السابقة، فإنّ هذه الصواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي الصينية، وهو ما يعكس حقيقة أنّ بكين باتت تحتلّ مرتبة التهديد الأمني الأول لليابان منذ عام 2019، متقدّمةً على كوريا الشمالية وروسيا.
وكان وزير الدفاع Shinjiro Koizumi قد صرّح للصحفيين في ذلك الوقت بأنّ "اليابان تواجه أشدّ بيئة أمنية تعقيداً في حقبة ما بعد الحرب"، مضيفاً أنّ البلاد يجب أن تعزّز "قدرتها على الردع والاستجابة".
يُعرف هذا التوجّه الجديد بـ"الدرع الجنوبية"، وقد شهد انتشاراً واسعاً لمنظومات أسلحة متنوّعة تابعة لقوات الدفاع الذاتي اليابانية (JSDF)، إلى جانب أصول الحرب الإلكترونية والقوات الجوية في جنوب اليابان وجزرها النائية الجنوبية الغربية.
وقال Suzuki Kazuto، مدير معهد الجيواقتصاد (Institute of Geoeconomics)، وهو مركز أبحاث مستقلّ في طوكيو: "الموازين تتغيّر. الوضع الدفاعي تحوّل كلياً نحو الجنوب الغربي، وأصبح الشمال أقلّ أولوية بكثير."
"الدرع الجنوبية"
أُنفق جزءٌ كبير من الميزانية الدفاعية اليابانية المتنامية، التي بلغت مستوىً قياسياً بـ58 مليار دولار للسنة المالية 2026، على هذا التعزيز العسكري. وتتمحور الاستراتيجية بصورة رئيسية حول جزر نانسي أو ريوكيو، التي تمتدّ من كيوشو حتى مسافة لا تتجاوز 100 كيلومتر من تايوان.
تُشكّل هذه الجزر حاجزاً طبيعياً يفصل بحر الصين الشرقي عن بحر الفلبين، وهي جزءٌ محوري من استراتيجية "سلسلة الجزر الأولى" البحرية التي تقودها الولايات المتحدة، والرامية إلى إبعاد القوات الصينية عن المحيط الهادئ.
وعلى الرغم من أنّ جذور استراتيجية "سلسلة الجزر الأولى" تعود إلى حقبة الحرب الباردة، فإنّ طوكيو تُبدي قلقاً متزايداً إزاء النشاط العسكري الصيني المتصاعد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما يشمل بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان.
وأوضح Jonathan Ping، الاقتصادي السياسي المتخصّص في الدراسات الاستراتيجية بجامعة Bond الأسترالية، أنّ "الدرع الجنوبية" تهدف إلى إنشاء "طبقات لمنع الوصول ورفض المنطقة على امتداد سلسلة الجزر الأولى، بما يُعقّد أيّ عمليات صينية محتملة قرب تايوان أو في بحر الصين الشرقي."
كما تتضمّن هذه الاستراتيجية تحوّلاً جوهرياً في السياسة الدفاعية اليابانية نحو امتلاك "قدرة الضربة المضادة"، التي تتيح لقوات الدفاع الذاتي الردّ عسكرياً في حال تعرّضها لهجوم، وهو ما يمدّ التعريف القانوني لـ"الدفاع عن النفس" حتى حدوده القصوى. وتعكس هذه التناقضات طبيعة قوات الدفاع الذاتي الحديثة، التي هي في جوهرها جيشٌ بكلّ معنى الكلمة، وإن لم يُسمَّ كذلك، وتحتلّ مرتبةً مماثلة لكوريا الجنوبية وفرنسا في مؤشر القوة العسكرية العالمية لعام 2026.
جيشٌ يلجأ إلى "البهلوانيات القانونية"
نشأت قوات الدفاع الذاتي اليابانية من رحم الشرطة اليابانية في مرحلة ما بعد الحرب، في زمنٍ كانت فيه اليابان تحت الاحتلال الأمريكي تتصارع مع إرث جرائم الجيش الإمبراطوري الدموية، وفق ما تشرحه Soyoung Kim، الأستاذة المساعدة في جامعة ناغويا المتخصّصة في السياسة الأمنية اليابانية لما بعد الحرب.
وتُصنَّف عناصر هذه القوات قانونياً بوصفهم "موظّفين حكوميين وطنيين خاصّين"، وقد انصبّ تركيزهم حتى نهاية الحرب الباردة على مهام الإغاثة الإنسانية والاستجابة للكوارث. لكنّ دورهم أخذ يتبدّل بعد حرب الخليج، حين أحسّ السياسيون اليابانيون بالإحراج جرّاء عجزهم عن تقديم دعم عسكري للتحالف بقيادة الولايات المتحدة، بحسب Kim.
وفي العقود التالية، بدأت المواقف الشعبية من دور قوات الدفاع الذاتي تتحوّل تدريجياً، في ظلّ النزاع الإقليمي المستمرّ بين اليابان والصين على جزر سينكاكو أو دياويو. ويتلقّى المواطنون اليابانيون بصفة منتظمة تنبيهات في كلّ مرّة تُجري فيها كوريا الشمالية تجربةً لإطلاق صاروخ، تذكيراً بأنّ بيونغ يانغ لا تزال تمثّل تهديداً حقيقياً.
وقالت Kim : "ثمّة قبولٌ متزايد، أو ربّما استسلامٌ متزايد، لتوسيع مهام قوات الدفاع الذاتي وقدراتها."
وعلى مدار العقد الماضي، تحرّكت الحكومة اليابانية ببطء لتوسيع الهامش القانوني المسموح به لقوات الدفاع الذاتي، بدءاً من حكم دستوري عام 2014 أجاز لليابان المشاركة في "الدفاع الجماعي عن النفس" إلى جانب حلفائها.
وقال Taniguchi Tomohiko، الذي شغل منصب المستشار الخاص لمجلس الوزراء في عهد رئيس الوزراء Shinzo Abe: "تجنّبت اليابان إلى حدٍّ بعيد أيّ تعديلات دستورية رسمية، واختارت عوضاً عن ذلك 'إعادة تفسير' النصّ. هذا ما يجعل اليابان فريدةً من نوعها، ليس فقط بسبب توجّهها السلمي، بل بسبب 'البهلوانيات القانونية' اللازمة للحفاظ على جيش حديث في ظلّ دستورٍ يحظر ذلك صراحةً."
وفي عام 2022، جرى توسيع الاستراتيجية الأمنية الوطنية اليابانية لتشمل "قدرات الضربة المضادة"، أي حقّ الردّ العسكري في حال التعرّض لهجوم. وفي إطار هذه الاستراتيجية، تعتزم اليابان الحصول على 400 صاروخ Tomahawk أمريكي الصنع، قابلة للإطلاق من الغوّاصات والسفن الحربية.
الولايات المتحدة، لا الصين وحدها، تقود التحوّل الياباني
ستُصدر طوكيو المرحلة التالية من استراتيجيتها الأمنية الوطنية في وقت لاحق من هذا العام، لتغطّي الفترة الممتدّة بين 2026 و2030. ومن المرتقب أن تستوعب هذه الوثيقة دروساً مستخلصة من تجربتَي أوكرانيا وإيران في مجال الطائرات المسيّرة ونقاط الاختناق في سلاسل الإمداد، وفق ما أفاد به Suzuki من معهد الجيواقتصاد. وفي آخر انقلاباتها القانونية، أقرّت اليابان هذا الشهر تصدير الأسلحة الفتّاكة، في خطوةٍ تندرج ضمن مساعيها لبناء صناعة محلية للطائرات المسيّرة.
وبينما تأتي بعض هذه التحوّلات استجابةً لصعود الصين المجاورة، فإنّها تعكس في الوقت ذاته قلقاً متنامياً في طوكيو حيال حليفتها التاريخية الولايات المتحدة، ومدى قدرتها أو استعدادها للدفاع عن حلفائها، بحسب المحلّلين.
اعتمدت اليابان تاريخياً على المظلّة النووية الأمريكية، غير أنّ التوسّع العسكري والنووي الصيني المتسارع "قلّص مصداقية الردع الأمريكي الممتدّ"، وفق تعبير Kei Koga، الخبير في الأمن شرق آسيوي والتحالف الأمريكي الياباني في جامعة Nanyang التكنولوجية في سنغافورة.
وأضاف: "تريد اليابان أن تضطلع بدورٍ أكثر فاعلية لتعويض المكاسب النسبية التي حقّقتها الصين"، مشيراً إلى أنّ ذلك يشمل امتلاك قدرة الضربة النووية الثانية أي القدرة على الردّ عقب أيّ هجوم نووي. وأشار إلى أنّ العلاقات الوثيقة بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية ترفع من حدّة المخاطر.
ويساور السياسيين اليابانيين أيضاً قلقٌ متواصل إزاء احتمال اندلاع نزاعٍ مسلّح حول تايوان، هذه الديمقراطية المستقلّة ذات الـ23 مليون نسمة. وتعتبر الصين تايوان إقليماً تابعاً لها، وأعلنت عزمها ضمّها بالسلم أو بالقوة.
وتُشير التقديرات العسكرية الأمريكية إلى أنّ الصين ستكون على الأرجح قادرةً على تنفيذ ذلك بحلول العام المقبل. وكانت رئيسة الوزراء اليابانية Sanae Takaichi قد صرّحت في ديسمبر بأنّ أيّ نزاعٍ حول تايوان قد يشكّل "وضعاً يهدّد بقاء" اليابان، التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية متعدّدة.
وتقع بعض الجزر اليابانية النائية أقرب إلى تايوان من اليابان البرّية ذاتها. وفي عهد الرئيس الأمريكي Donald Trump، باتت كثيرٌ من الافتراضات الراسخة بشأن الالتزام الأمريكي بالدفاع عن حلفاء كاليابان موضع تساؤل.
ويزداد الغموض حول ما إذا كان Trump سيتدخّل للدفاع عن تايوان. فواشنطن لا تعترف رسمياً بتايبيه، وإن كانت قد تعهّدت بمساعدة تايوان على الدفاع عن نفسها بموجب قانون العلاقات مع تايوان الصادر عام 1979. وتقوم هذه السياسة على مبدأ "الغموض الاستراتيجي"، الذي يتحاشى التزاماً صريحاً بتدخّل القوات الأمريكية، لكنّه ظلّ طويلاً تهديداً ذا مصداقية كافية لردع الصين عن التحرّك ضدّ الجزيرة الأصغر.
وقد أثار توجّه Trump نحو سياسة "أمريكا أوّلاً" وعلاقته المتوتّرة مع الحلفاء التاريخيين في أوروبا قلقاً بالغاً في اليابان. وأظهر استطلاعٌ أجرته صحيفة Asahi Shimbun اليابانية عام 2025 أنّ 77 بالمئة من المستطلَعين يشكّكون في أنّ الولايات المتحدة ستُدافع عن اليابان في حال نشوب أزمة عسكرية.
وقال Suzuki : "كلّ شيء يتمحور حول المصلحة الأمريكية والدفاع عن أمريكا، لذا فإنّ الدفاع عن دولٍ أخرى ليس الأولوية."
وقد دفع تنامي الشكوك اليابانية تجاه الولايات المتحدة طوكيو إلى تمتين تحالفاتها مع شركاء أمريكيين آخرين كالفلبين وأستراليا، في حين تراجعت حدّة الانتقادات الشعبية لمسار التسلّح الياباني.
وختم Suzuki بقوله: "لسنواتٍ طويلة، افترضت المعارضة أنّ الولايات المتحدة ستأتي لإنقاذ اليابان، وبالتالي لا حاجة لأكثر من الدفاع عن النفس. لكنّ الناس يدركون اليوم بصورة متزايدة أنّ هذا الافتراض كان متفائلاً أكثر ممّا ينبغي، وأنّ اليابان بحاجةٍ على الأقلّ إلى الحدّ الأدنى من القدرة على الردع والضربة المضادة."
أخبار ذات صلة

وزير الدفاع الباكستاني يقول إن الاشتباكات الأخيرة مع طالبان تعني "حرباً مفتوحة". ماذا يحدث؟

كيف تهدد هجمات بلوشستان وعود باكستان للصين وترامب

شي جين بينغ من الصين وكير ستارمر من المملكة المتحدة يتفقان على تعميق العلاقات الاقتصادية
