اتفاق إسرائيل ولبنان بين السلام والتحديات الراهنة
اتفاق جديد بين إسرائيل ولبنان بوساطة أمريكية يفتح طريقًا لاستعادة السيادة اللبنانية على أراضي الجنوب، رغم رفض حزب الله وشروطه. هل ينهي هذا الإطار النزاع أم يفاقم التوتر؟ تعرف على التفاصيل في خَبَرَيْن.

اتّفقت إسرائيل ولبنان على إطارٍ اتفاقي جديد، عقب أربعة أيام من المفاوضات المتواصلة في واشنطن العاصمة، بوساطةٍ أمريكية، في محاولةٍ لإنهاء نزاعٍ دامٍ امتدّ لأشهر.
تحتلّ إسرائيل ما يقارب 20 بالمئة من الأراضي اللبنانية في الجنوب، وقد راح ضحيّة القتال الذي اندلع في 2 مارس أكثر من 4,000 شخص. وكانت جولةٌ سابقة من المعارك قد توقّفت بموجب هدنةٍ في نوفمبر 2024، غير أنّ إسرائيل واصلت شنّ هجماتٍ شبه يومية ورفضت إنهاء احتلالها، في انتهاكٍ صريح لبنود تلك الهدنة.
بيد أنّ الاتفاق الجديد لا يتضمّن نصّاً صريحاً يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، بل يربط هذا الانسحاب بنزع سلاح حزب الله وهو شرطٌ رفضته الجماعة المسلّحة المدعومة من إيران مراراً وتكراراً.
وفي يوم السبت، رفض الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الإطارَ الاتفاقي، واصفاً إيّاه بأنّه "لاغٍ وباطل"، مشترطاً أن تُنهي إسرائيل احتلالها أوّلاً. وفي المساء، خرج أنصار الحزب إلى شوارع بيروت احتجاجاً على الاتفاق.
فما الذي يتضمّنه هذا الاتفاق الذي أُبرم دون مشاركة حزب الله؟ وهل يمكنه فعلاً أن يُفضي إلى سلامٍ في لبنان؟
ما الذي يتضمّنه اتفاق إسرائيل ولبنان؟
عقب التوقيع الثلاثي في واشنطن، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية نصّ الاتفاق الذي يتحدّث عن "مسارٍ متسلسل" يقضي بأن يُعيد الجيش اللبناني "السلطة السيادية الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، ريثما يُتحقَّق من نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكومية" في إشارةٍ واضحة إلى حزب الله.
لا يُلزم الاتفاق إسرائيل بالانسحاب من خُمس الأراضي اللبنانية التي تحتلّها. بدلاً من ذلك، يُشير الإطار إلى أنّ إسرائيل ستُعيد "نشر قوّاتها تدريجياً" خارج لبنان، مع تحديد "منطقتَين تجريبيّتَين" تتولّى فيهما القوات اللبنانية "الاضطلاع التدريجي بالمسؤولية الأمنية الكاملة والفعلية".
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu في بيانٍ لاحق: "إحدى المنطقتَين تقع جنوب نهر الليطاني وخارج المنطقة الأمنية كلياً، والأخرى شمال الليطاني وهي منطقةٌ صغيرة في المنطقة الأمنية الموسّعة التي سيطرنا عليها في الأسبوعَين الأخيرَين، وتقول القوات الإسرائيلية إنّها لا تحتاج إليها."
وبمجرّد استيفاء هذه الشروط، "سيتمكّن المدنيون اللبنانيون من العودة بأمانٍ إلى هذه المناطق تحت السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية"، وفق ما جاء في الإطار الاتفاقي. وكان أكثر من 1.2 مليون شخص قد اضطُرّوا إلى النزوح قسراً.
وتقول إسرائيل إنّ نجاح إعادة جنوب لبنان إلى سيطرة الحكومة اللبنانية من شأنه أن "يُلغي أيّ حاجةٍ مستقبلية لأيّ عملٍ عسكري إسرائيلي أو وجودٍ في لبنان"، مُعلنةً "أنّها لا تمتلك أيّ طموحاتٍ إقليمية في لبنان".
في المقابل، وقّعت الحكومة اللبنانية على بندٍ يُعلن رفضها "ادّعاءات أيّ دولةٍ أو جهةٍ غير حكومية باستخدام القوة نيابةً عنها دون تفويضٍ صريح منها"، معتبرةً مثل هذه الهجمات "غير قانونية" و"مخالفةً للمصالح الوطنية اللبنانية".
كيف ردّت أطراف النزاع على الاتفاق؟
إسرائيل
أصدر Netanyahu بياناً مصوّراً بُعيد الإعلان عن الاتفاق، شدّد فيه على أنّ الإطار يُتيح للقوات الإسرائيلية البقاء في الأراضي اللبنانية المحتلّة.
وقال: "سنحافظ على المنطقة العازلة حتى ينزع حزب الله سلاحه وطالما بقي التهديد قائماً على دولة إسرائيل."
ويُمثّل الاتفاق كذلك انتصاراً جزئياً ومؤقّتاً لـ Netanyahu، الذي كان يواجه انتقاداتٍ داخلية حادّة في أعقاب تهميش الولايات المتحدة وإيران لإسرائيل في توقيع مذكّرة تفاهم إسلام آباد التي تُلزم بوقف الأعمال العدائية في لبنان أيضاً.
لبنان
أعرب الرئيس اللبناني جوزيف عون عن امتنانه للرئيس Trump وسائر الوسطاء الإقليميين عقب التوقيع على الاتفاق الثلاثي، مُرحِّباً به بوصفه "الخطوة الأولى في مسار استعادة سيادة لبنان".
وأشار عون في بيانٍ صادر عن الرئاسة اللبنانية إلى أنّ الإطار يُمثّل أيضاً "بداية الطريق نحو تثمير تضحيات المواطنين اللبنانيين، لكي يعودوا إلى أرضهم المحرَّرة بالكامل".
غير أنّ هذا البيان لم يُخمد التوترات في العاصمة، حيث خرج أنصار حزب الله إلى الشوارع يُحرقون الإطارات ويُغلقون طريقاً يُفضي إلى المطار.
حزب الله
على الرغم من أنّ الجماعة المسلّحة لم تكن طرفاً في الاتفاق ولم تحضر طاولة المفاوضات، فإنّ موقفها وتحرّكاتها ستُحدّد وجهة النزاع في المرحلة المقبلة.
وفي يوم السبت، أدان الأمين العام للحزب ربطَ الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الجماعة، قائلاً: "ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة في كلّ لبنان اقتراحٌ بالغ الخطورة يتجاوز كلّ الخطوط الحمراء."
وأضاف: "إطار الاتفاق في واشنطن مُهينٌ ومُخزٍ ويُمثّل تنازلاً عن السيادة."
كما طالب باستبدال الإطار الاتفاقي بمذكّرة التفاهم الإيرانية الأمريكية الموقَّعة في 15 يونيو.
وكان حسن فضل الله، النائب عن حزب الله في البرلمان، قد صرّح بأنّ السلطات اللبنانية لن تتمكّن من تطبيق الإطار الاتفاقي إلّا إذا اتّجهت بدعمٍ أمريكي نحو "حربٍ أهلية".
وفي خطابٍ متلفَز قبيل توقيع الاتفاق، قال قاسم إنّ حزب الله سيُمسك بسلاحه أكثر استعداداً للقتال دفاعاً عن لبنان في مواجهة إسرائيل، إن أخفقت الدولة اللبنانية في القيام بذلك.
وكانت مذكّرة التفاهم الإيرانية الأمريكية قد دعت إلى "الوحدة الترابية وسيادة لبنان" وهو توصيفٌ مماثل لما ورد في الإطار الاتفاقي.
الولايات المتحدة
أعلن وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، المسؤول الأوّل عن ملفّ المفاوضات مع إسرائيل ولبنان، عن تبرّعٍ أمريكي "فوري" بمبلغ 100 مليون دولار للمساعدات الإنسانية بالتنسيق مع الأمم المتحدة.
وفي حفل التوقيع بمقرّ وزارة الخارجية في واشنطن، بدا أنّ Rubio يُقرّ بمحدودية نطاق الاتفاق، واصفاً إيّاه بأنّه "بداية البداية".
وقال: "ثمّة عملٌ كثير في الأفق. نحن لا نستهين بصعوبة المهمّة القادمة، لكنّنا ندرك أهمّيتها وحيويّتها، ونفتخر بأنّنا أسهمنا في تحقيق هذا الإنجاز."
وكانت واشنطن قد رعت اتفاقَين سابقَين لوقف إطلاق النار فشلا في وقف القتال في لبنان، فضلاً عن مذكّرة تفاهم إسلام آباد التي وقّعها الرئيس Trump ونظيره الإيراني Masoud Pezeshkian في وقتٍ سابق من هذا الشهر.
إيران
في حين لم تُعلّق طهران رسمياً على الاتفاق حتى الآن، تواصل وسائل إعلامها الحكومية الضغط ضدّه. وأشارت وكالة Fars للأنباء إلى أنّ الاتفاق يُمثّل في جوهره إذناً أمريكياً لإسرائيل بانتهاك البند الأوّل من مذكّرة تفاهم إسلام آباد، الذي يُوجب وقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات بما فيها لبنان.
هل يتناقض اتفاق إسرائيل ولبنان مع مذكّرة تفاهم إسلام آباد؟
يُشير المحلّلون إلى تناقضَين مباشرَين بين الاتفاق الأوّلي الذي وقّعته الولايات المتحدة وإيران، والاتفاق الأخير بين إسرائيل ولبنان.
باختصار، تُوجب مذكّرة تفاهم إسلام آباد وقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات بما فيها لبنان دون قيدٍ أو شرط في حين يربط اتفاق إسرائيل ولبنان ذلك بنزع سلاح حزب الله.
ولم تلتزم إسرائيل بأيٍّ من اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة، ومضت في هجماتها على الأراضي اللبنانية. وفي يوم السبت، أفادت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية NNA بأنّ تقاطع متنزّه الفرح في النبطية الفوقا تعرّض لضربةٍ بطائرةٍ مسيَّرة إسرائيلية. وقد بلغ عدد الضحايا الذين سقطوا في لبنان منذ اندلاع الحرب على إيران قبل أربعة أشهر ما لا يقلّ عن 4,192 شخصاً.
أمّا التناقض الثاني، فيتمثّل في أنّ مذكّرة تفاهم إسلام آباد لا تُشير إلى أيٍّ من الجماعات المسلّحة الموالية لإيران ولا تذكرها في بنودها المتعلّقة بمسار المفاوضات لإنهاء الحرب.
وقالت تهاني مصطفى، الباحثة الزائرة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لقناة الجزيرة إنّ إسرائيل وواشنطن ستستغلّان "حتماً رفض حزب الله نزع سلاحه والاستسلام لإلقاء المسؤولية عليه في تعطيل العملية برمّتها".
وأضافت مصطفى أنّ إسرائيل "أثبتت أيضاً أنّها تتصرّف بنيّةٍ سيّئة، ممّا لا يُعطي حزب الله أيّ ثقةٍ لنزع سلاحه أو الاستسلام بالطريقة المطلوبة."
ولم تُعفِ مصطفى واشنطن من المسؤولية، مُشيرةً إلى أنّ "المفاوضين الأمريكيين يعملون بنشاطٍ خلف الكواليس لمحاولة فصل ملفّ لبنان عن ملفّ إيران."
وختمت بالقول: "هذا لم يكن في حقيقته سوى شيءٍ حاول كلٌّ من الإسرائيليين والأمريكيين الطبخ خلف الكواليس، مع التعتيم مجدّداً على المسؤولية عن فشله."
هل يمكن أن ينجح الاتفاق في ظلّ رفض حزب الله؟
ليست هذه المرّة الأولى التي يُطرح فيها نزع سلاح حزب الله على الطاولة، والتحدّيات القائمة لا تزال على حالها. فاتفاق عام 2024 طالب أيضاً بنزع سلاح الحزب، لكنّه لم يُحقَّق في ظلّ استمرار إسرائيل في مهاجمة لبنان ورفضها سحب قوّاتها خلافاً لبنود الاتفاق.
ويقول Alon Pinkas، السفير الإسرائيلي السابق والقنصل العام في نيويورك، إنّه "يشكّ كثيراً ويتشكّك" في إمكانية نجاح هذا الاتفاق، "لأنّ الاتفاق قائمٌ بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة؛ والمشكلة الحقيقية هي حزب الله."
ويرى Pinkas أنّ ربط إيران للنزاع في لبنان بمآلات الاتفاق معها "يُعقّد الأمور، إذ قال Netanyahu إنّ إسرائيل لن تُذعن لأيّ ربطٍ بإيران وإنّها ستُدافع عن نفسها في لبنان."
و وصف علي هاشم الاتفاقَ بأنّه يُمثّل "تهديداً وجودياً" لحضور حزب الله.
وقال هاشم: "دون موافقة حزب الله، لن يحدث هذا. هذا سيكون وصفةً لمواجهةٍ أخرى. الحكومة اللبنانية غير قادرةٍ على فرض هذا الاتفاق. فهي ليست القوّة الفعلية على الأرض."
أخبار ذات صلة

تحقيق في خصوم ترامب: خبير دستوري محافظ يتولى الإشراف

مسؤولون عراقيون يُلقى القبض عليهم بتهم فساد في مداهمة ليلية بالمنطقة الخضراء

إيران تؤكد استهدافها مواقع أمريكية وتوترات مضيق هرمز تهدد الاتفاق
