شغب تورونتو ضد اليونانيين درس في كراهية الأجانب
في خَبَرَيْن نروي قصة أعمال شغب في تورونتو استهدفت المهاجرين اليونانيين، تكشف كيف يمكن للكراهية تجاه الأجانب أن تتصاعد وسط أزمات اجتماعية وسياسية، وتدعو لتعلم الدروس من ماضي مظلم قبل أن يتكرر.

في أغسطس 1918، اندفعت حشودٌ غاضبة في شارع Yonge، شريان مدينة Toronto النابض، الذي يُعدّ اليوم قلب أكبر مدن كندا. أمضى عشرات الآلاف من الناس ساعاتٍ طويلة يعيثون فيه فساداً، تحرّكهم مظالم اجتماعية متراكمة. كان هدفهم واضحاً: المطاعم والمحلّات التجارية التي يمتلكها مهاجرون يونانيون، والتي باتت في نظرهم رمزاً لكلّ ما يستشيطون منه غضباً.
يقول المؤرّخ Thomas Gallant: "في تلك الليلة، دمّرت حشودٌ تتراوح بين 20 و25 ألف شخص كلّ مؤسّسة يونانية تقريباً في المدينة، وهم يهتفون: 'الليلة نصطاد اليونانيين'". ويُضيف: "أحد المطاعم تعرّض لدمارٍ بالغ لدرجة أن مراسلاً صحفياً قال إنّ قنبلةً لو انفجرت فيه ما زادت الأمر سوءاً".
الآن، وبعد أكثر من قرنٍ على ما وصفه Gallant بـ"أضخم أعمال الشغب المعادية لليونانيين في تاريخ العالم بأسره"، يرى الباحثون أنّ أحداث ذلك الصيف ينبغي أن تكون درساً تحذيرياً لا يُنسى. ففي ظلّ الموجة المتصاعدة من الخطاب المعادي للمهاجرين والسياسات المقيِّدة للهجرة حول العالم، بما في ذلك كندا نفسها، يؤكّد هؤلاء الباحثون أنّ تلك الأحداث تكشف مدى خطورة كراهية الأجانب حين تُترك دون رادع.
'ظروفٌ مهيّأة للانفجار'
كانت Toronto تئنّ تحت وطأة موجة حرٍّ شديدة في مطلع أغسطس 1918، فيما كانت تستعدّ لاستضافة مؤتمرٍ وطني لرابطة قدامى المحاربين في الحرب العظمى، وهي منظّمةٌ تُدافع عن حقوق الجنود العائدين إلى كندا بعد الحرب العالمية الأولى.
دفعت كندا ثمناً باهظاً على ساحات أوروبا: سقط عشرات الآلاف من جنودها قتلى خلال الحرب التي انتهت في نوفمبر 1918، فيما عاد أكثر من 172,000 جريحٍ إلى الوطن. استقبلت الحكومة الكندية هؤلاء العائدين بدعمٍ هزيل: رعايةٌ صحية قاصرة، ولا معاشات للعجز. يقول Gallant: "عادوا إلى بلدٍ لم يكن مرحّباً بهم فعلاً".
أمّا معظم المهاجرين اليونانيين في كندا، فلم يلتحقوا بصفوف الجيش في الحرب العالمية الأولى، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوف حكومية من أنّ بعضهم ربّما يحمل توجّهاتٍ موالية لألمانيا، وهي توجّهاتٌ كانت تُنسب إلى الملك اليوناني Constantine الأول. ويوضّح Gallant أنّه لم يكن ثمّة قرارٌ رسمي بمنع اليونانيين المتجنّسين من الالتحاق بالجيش، لكنّ ذلك كان يحدث "نادراً للغاية". ويقول: "لم أعثر في وثائق التجنيد إلّا على نحو 10 حالاتٍ قُبلت، لأنّك لم تكن تعرف من تستقبل".
في الوقت ذاته، كان كثيرٌ من المحاربين الكنديين العائدين في Toronto يقطنون بالقرب من مستشفى عسكري يقع في الحيّ نفسه الذي كانت تترسّخ فيه الجالية اليونانية الصغيرة لكنّ اللافتة للنظر. في عام 1918، لم يكن اليونانيون يشكّلون أكثر من واحد بالمئة من سكّان Toronto، غير أنّهم كانوا يمتلكون أكثر من ثلث مطاعم المدينة الشعبية الرخيصة.
كانت القناعة السائدة في أوساط المحاربين أنّ اليونانيين راكموا الثروات بينما هم، أصحاب التضحيات الجسيمة، عادوا بلا شيء. وكان حضور الجالية اليونانية اللافت يُذكي هذا الشعور، كما يشرح Gallant: "كلّ يوم، كان هؤلاء المحاربون يتناولون طعامهم في تلك المطاعم... ويرون هؤلاء اليونانيين شباباً في عزّ صحّتهم وقوّتهم نجوا من الخدمة العسكرية. فأصبح اليونانيون في أذهانهم تجسيداً لما كان يُسمّى 'المتهرّب'، أي الفارّ من التجنيد". ويختم: "كانت الظروف مهيّأةً تماماً للانفجار".
مقهى White City
جاء الانفجار من مطعمٍ يوناني يُعرف بـ White City Cafe، حين تصرّف جنديٌّ كندي متقاعد ثمل بعدوانيةٍ وإساءةٍ صريحة تجاه العاملين فيه. استُدعيت الشرطة، واحتُجز الجندي Claude Cludernay ليلةً كاملة خلف القضبان. لكنّ اليوم التالي حمل معه شائعاتٍ تفيد بأنّ Cludernay قد تعرّض للضرب بل ذهب بعضهم إلى أنّه قُتل على أيدي مهاجرين يونانيين.
تجمهرت المئات أمام المطعم، وعلى الرغم من محاولات صاحبه Paul Letros تهدئة الحشد الغاضب، اندفع المهاجمون نحو المكان. تقول Sandra Gionas، رئيسة لجنة التاريخ في Hellenic Heritage Foundation: "صاحوا 'الليلة ننتزع العدالة'، وراحوا يقذفون الطوب على النوافذ ويُحطّمون كلّ شيء". وأضافت وهي تقف أمام المبنى الطابقين من الطوب الأحمر في الرقم 433 من شارع Yonge، حيث كان المقهى يقع: "كبر الحشد طوال الليل، وسرعان ما امتدّت يده إلى مطاعم يونانية أخرى".
على مدار عطلة نهاية الأسبوع، جرى تدمير أكثر من اثني عشر منشأةً تجارية يونانية في أرجاء Toronto، وبلغت الخسائر عشرات الآلاف من الدولارات، أي ما يعادل ملايين الدولارات بالقيمة الحالية. ولم تُسجَّل أيّ وفيات أو إصاباتٍ بالغة.
تقول Gionas وهي تفتح كتيّباً تُوزّعه منظّمتها خلال جولةٍ مشياً على الأقدام تزور فيها المواقع المرتبطة بأعمال الشغب: "هذه خريطةٌ تحمل نقاطاً حمراء تُشير إلى كلّ المؤسّسات اليونانية التي دُمِّرت".
صفحةٌ طُويت من التاريخ
أحدثت أعمال الشغب صدىً واسعاً في الصحافة الكندية واليونانية والدولية على حدٍّ سواء. "حشودٌ غاضبة تُدمّر اثني عشر مطعماً" هكذا جاء عنوانٌ في Toronto Daily Star بتاريخ 3 أغسطس 1918. وفي اليوم ذاته، نشرت صحيفة Globe and Mail: "جنودٌ عائدون يُغيرون على مطاعم يونانية عديدة".
وجاء في تقرير الصحيفة: "ألفٌ من الجنود العائدين وأنصارهم انفجروا الليلة الماضية... من السادسة مساءً حتى ما بعد الثانية صباحاً كانوا سادةً مطلقين على الموقف، تحدّوا الشرطة والجيش، وحطّموا تحطيماً تاماً داخليّات اثني عشر مطعماً ومحلّاً، تاركين وراءهم دماراً يُذكّر بما رأوه بأمّ أعينهم في فرنسا إثر معركةٍ مدفعية ضارية".
غير أنّ الرواية السائدة في 1918 كانت، في معظمها، تُحمّل الجالية اليونانية مسؤولية ما جرى، كما يوضّح Gallant الذي درس مقتطفات الصحف المحلية في أعقاب أعمال الشغب. يقول: "حتى عمدة Toronto قال: 'نعم، يجب النظر في كلّ مظالم الجنود. نعم، اليونانيون لم يُؤدّوا نصيبهم العادل في الحرب'". ويُلخّص Gallant الأمر: "تحوّل الأمر إلى تحميل الضحية المهاجر المسؤولية".
سرعان ما انصبّ الاهتمام العام على قضايا أخرى، كصعود الحركات العمّالية اليسارية في كندا عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وهو ما أفضى إلى إضراب Winnipeg العام عام 1919 الأضخم في تاريخ كندا. في المقابل، خيّم "صمتٌ مطبق" على الجالية اليونانية في Toronto، إذ سعت العائلات إلى طيّ الصفحة وإعادة البناء، كما يقول Gallant. كان الهدف هو الاندماج في المجتمع، وشيئاً فشيئاً طُويت أحداث أعمال الشغب المعادية لليونانيين من ذاكرة التاريخ.
يشرح Gallant: "هذا ما يحدث كثيراً مع مثل هذه الأحداث، حين تتعرّض أقلّيةٌ للتمييز. فالمجتمع الساعي إلى الاندماج آخر ما يريده هو استحضار هذا التاريخ وتصديره".
لم يُدرك الناس على نطاقٍ أوسع ما جرى إلّا في مطلع الألفية الثالثة، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى كتابٍ شارك Gallant في تأليفه تحت عنوان "The 1918 anti-Greek Riot in Toronto". ثمّ جاء عام 2009 ليحمل وثائقياً عن هذه الصفحة المظلمة من التاريخ الكندي، وصل إلى جمهورٍ أوسع. تقول Gionas إنّها لم تسمع بأعمال الشغب قطّ حتى شاهدت الوثائقي على التلفزيون: "صُدمت حين عرفت. قلت لنفسي: ظننت أنّني طالبةٌ جادّة في التاريخ الكندي، فكيف يفوتني هذا؟".
أصداء الماضي في حاضرنا
رغم مرور أكثر من مئة عام على تلك الأحداث، يؤكّد كلٌّ من Gallant وGionas أنّها باتت أشدّ راهنيةً من أيّ وقتٍ مضى لا سيّما مع تصاعد موجة العداء للمهاجرين في كندا. فقد تصلّبت المواقف الشعبية من الهجرة في السنوات الأخيرة تحت وطأة ضغوطٍ اجتماعية واقتصادية متراكمة، في مقدّمتها أزمة الإسكان والغلاء المتصاعد.
تُشير استطلاعات الرأي إلى أنّ غالبية الكنديين يرون الآن أنّ الهجرة إلى بلادهم "مفرطة"، وأصبح الخطاب المعادي للمهاجرين ظاهرةً شائعة، مع سياسيين يتحدّثون عن طالبي لجوء 'زائفين' ويُحمّلون الوافدين الجدد مسؤولية الأمراض الاجتماعية.
يرى Gallant أنّ هذا النهج يسود في أرجاء العالم، ويستشهد بما يجري جنوب الحدود في الولايات المتحدة بوصفه من أبرز نماذجه المعاصرة وأكثرها حدّةً. فالرئيس Donald Trump يشنّ حملةً صارمة على الهجرة، فيما لجأ هو وكبار مسؤولي إدارته إلى لغةٍ تُجرّد المهاجرين واللاجئين من إنسانيتهم. بل ذهب Trump إلى حدّ القول خلال حملته الانتخابية عام 2024 إنّ المهاجرين "يُسمّمون دماء بلادنا".
يرى Gallant في هذا الخطاب صدىً مباشراً لعام 1918. يقول: "في كلّ مرحلة أزمة، ولا سيّما حين تكون ثمّة حروب، تبحث المجتمعات عن كبش فداء. 'لماذا الأوضاع هكذا؟ لماذا ترتفع البطالة؟ لماذا يرتفع التضخّم؟ لأنّ هؤلاء القادمين يسرقون الوظائف'". ويختم: "كلّما دُرست أحداثٌ كالتي شهدتها Toronto، يتّضح لنا أنّه في أوقات الضغط والأزمات الوطنية، تُصبح جماعاتٌ بعينها كبش الفداء كما حدث لليونانيين".
أخبار ذات صلة

أطفال غزة بين الألم والخوف: كلفة الهجمات الإسرائيلية المستمرة

البيروفيون يقولون إنهم وُعدوا بوظائف في روسيا، لكنهم انتهى بهم الحال على خطوط القتال في أوكرانيا

الحكم القضائي يهدّد وضع مليون مهاجرٍ في أمريكا
