خَبَرَيْن logo

شغب تورونتو ضد اليونانيين درس في كراهية الأجانب

في خَبَرَيْن نروي قصة أعمال شغب في تورونتو استهدفت المهاجرين اليونانيين، تكشف كيف يمكن للكراهية تجاه الأجانب أن تتصاعد وسط أزمات اجتماعية وسياسية، وتدعو لتعلم الدروس من ماضي مظلم قبل أن يتكرر.

يدان تشير إلى كتيب يحتوي خريطة مواقع المطاعم اليونانية التي تعرضت لأعمال شغب في شارع Yonge بمدينة تورونتو عام 1918، مع شرح تاريخي للأحداث.
ساندرا جيوناس من مؤسسة التراث الهيليني تحمل منشورًا عن أعمال الشغب [جيلان كيستلر-دامور/الجزيرة]
التصنيف:الأمريكتين
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أغسطس 1918، اندفعت حشودٌ غاضبة في شارع Yonge، شريان مدينة Toronto النابض، الذي يُعدّ اليوم قلب أكبر مدن كندا. أمضى عشرات الآلاف من الناس ساعاتٍ طويلة يعيثون فيه فساداً، تحرّكهم مظالم اجتماعية متراكمة. كان هدفهم واضحاً: المطاعم والمحلّات التجارية التي يمتلكها مهاجرون يونانيون، والتي باتت في نظرهم رمزاً لكلّ ما يستشيطون منه غضباً.

يقول المؤرّخ Thomas Gallant: "في تلك الليلة، دمّرت حشودٌ تتراوح بين 20 و25 ألف شخص كلّ مؤسّسة يونانية تقريباً في المدينة، وهم يهتفون: 'الليلة نصطاد اليونانيين'". ويُضيف: "أحد المطاعم تعرّض لدمارٍ بالغ لدرجة أن مراسلاً صحفياً قال إنّ قنبلةً لو انفجرت فيه ما زادت الأمر سوءاً".

الآن، وبعد أكثر من قرنٍ على ما وصفه Gallant بـ"أضخم أعمال الشغب المعادية لليونانيين في تاريخ العالم بأسره"، يرى الباحثون أنّ أحداث ذلك الصيف ينبغي أن تكون درساً تحذيرياً لا يُنسى. ففي ظلّ الموجة المتصاعدة من الخطاب المعادي للمهاجرين والسياسات المقيِّدة للهجرة حول العالم، بما في ذلك كندا نفسها، يؤكّد هؤلاء الباحثون أنّ تلك الأحداث تكشف مدى خطورة كراهية الأجانب حين تُترك دون رادع.

'ظروفٌ مهيّأة للانفجار'

كانت Toronto تئنّ تحت وطأة موجة حرٍّ شديدة في مطلع أغسطس 1918، فيما كانت تستعدّ لاستضافة مؤتمرٍ وطني لرابطة قدامى المحاربين في الحرب العظمى، وهي منظّمةٌ تُدافع عن حقوق الجنود العائدين إلى كندا بعد الحرب العالمية الأولى.

دفعت كندا ثمناً باهظاً على ساحات أوروبا: سقط عشرات الآلاف من جنودها قتلى خلال الحرب التي انتهت في نوفمبر 1918، فيما عاد أكثر من 172,000 جريحٍ إلى الوطن. استقبلت الحكومة الكندية هؤلاء العائدين بدعمٍ هزيل: رعايةٌ صحية قاصرة، ولا معاشات للعجز. يقول Gallant: "عادوا إلى بلدٍ لم يكن مرحّباً بهم فعلاً".

أمّا معظم المهاجرين اليونانيين في كندا، فلم يلتحقوا بصفوف الجيش في الحرب العالمية الأولى، ويعود ذلك جزئياً إلى مخاوف حكومية من أنّ بعضهم ربّما يحمل توجّهاتٍ موالية لألمانيا، وهي توجّهاتٌ كانت تُنسب إلى الملك اليوناني Constantine الأول. ويوضّح Gallant أنّه لم يكن ثمّة قرارٌ رسمي بمنع اليونانيين المتجنّسين من الالتحاق بالجيش، لكنّ ذلك كان يحدث "نادراً للغاية". ويقول: "لم أعثر في وثائق التجنيد إلّا على نحو 10 حالاتٍ قُبلت، لأنّك لم تكن تعرف من تستقبل".

في الوقت ذاته، كان كثيرٌ من المحاربين الكنديين العائدين في Toronto يقطنون بالقرب من مستشفى عسكري يقع في الحيّ نفسه الذي كانت تترسّخ فيه الجالية اليونانية الصغيرة لكنّ اللافتة للنظر. في عام 1918، لم يكن اليونانيون يشكّلون أكثر من واحد بالمئة من سكّان Toronto، غير أنّهم كانوا يمتلكون أكثر من ثلث مطاعم المدينة الشعبية الرخيصة.

كانت القناعة السائدة في أوساط المحاربين أنّ اليونانيين راكموا الثروات بينما هم، أصحاب التضحيات الجسيمة، عادوا بلا شيء. وكان حضور الجالية اليونانية اللافت يُذكي هذا الشعور، كما يشرح Gallant: "كلّ يوم، كان هؤلاء المحاربون يتناولون طعامهم في تلك المطاعم... ويرون هؤلاء اليونانيين شباباً في عزّ صحّتهم وقوّتهم نجوا من الخدمة العسكرية. فأصبح اليونانيون في أذهانهم تجسيداً لما كان يُسمّى 'المتهرّب'، أي الفارّ من التجنيد". ويختم: "كانت الظروف مهيّأةً تماماً للانفجار".

امرأة تقف أمام مبنى حجري قديم في تورونتو، تمثل الباحثين الذين يدرسون أعمال الشغب المعادية لليونانيين عام 1918 وتأثيرها على المهاجرين.
Loading image...
ساندرا جيوناس من مؤسسة التراث الهيليني في تورونتو [جيلان كستلر-دامورز/الجزيرة]

مقهى White City

جاء الانفجار من مطعمٍ يوناني يُعرف بـ White City Cafe، حين تصرّف جنديٌّ كندي متقاعد ثمل بعدوانيةٍ وإساءةٍ صريحة تجاه العاملين فيه. استُدعيت الشرطة، واحتُجز الجندي Claude Cludernay ليلةً كاملة خلف القضبان. لكنّ اليوم التالي حمل معه شائعاتٍ تفيد بأنّ Cludernay قد تعرّض للضرب بل ذهب بعضهم إلى أنّه قُتل على أيدي مهاجرين يونانيين.

تجمهرت المئات أمام المطعم، وعلى الرغم من محاولات صاحبه Paul Letros تهدئة الحشد الغاضب، اندفع المهاجمون نحو المكان. تقول Sandra Gionas، رئيسة لجنة التاريخ في Hellenic Heritage Foundation: "صاحوا 'الليلة ننتزع العدالة'، وراحوا يقذفون الطوب على النوافذ ويُحطّمون كلّ شيء". وأضافت وهي تقف أمام المبنى الطابقين من الطوب الأحمر في الرقم 433 من شارع Yonge، حيث كان المقهى يقع: "كبر الحشد طوال الليل، وسرعان ما امتدّت يده إلى مطاعم يونانية أخرى".

على مدار عطلة نهاية الأسبوع، جرى تدمير أكثر من اثني عشر منشأةً تجارية يونانية في أرجاء Toronto، وبلغت الخسائر عشرات الآلاف من الدولارات، أي ما يعادل ملايين الدولارات بالقيمة الحالية. ولم تُسجَّل أيّ وفيات أو إصاباتٍ بالغة.

تقول Gionas وهي تفتح كتيّباً تُوزّعه منظّمتها خلال جولةٍ مشياً على الأقدام تزور فيها المواقع المرتبطة بأعمال الشغب: "هذه خريطةٌ تحمل نقاطاً حمراء تُشير إلى كلّ المؤسّسات اليونانية التي دُمِّرت".

عنوان صحيفة قديمة يعلن عن هجوم جنود عائدين على المطاعم اليونانية في تورونتو عام 1918، مع تفاصيل عن الأضرار والخسائر.
Loading image...
قصة في صحيفة جلوب آند ميل توثق أحداث الشغب [الجلوب آند ميل، 1844-1936/مأخوذة من مكتبة تورونتو العامة]

صفحةٌ طُويت من التاريخ

أحدثت أعمال الشغب صدىً واسعاً في الصحافة الكندية واليونانية والدولية على حدٍّ سواء. "حشودٌ غاضبة تُدمّر اثني عشر مطعماً" هكذا جاء عنوانٌ في Toronto Daily Star بتاريخ 3 أغسطس 1918. وفي اليوم ذاته، نشرت صحيفة Globe and Mail: "جنودٌ عائدون يُغيرون على مطاعم يونانية عديدة".

وجاء في تقرير الصحيفة: "ألفٌ من الجنود العائدين وأنصارهم انفجروا الليلة الماضية... من السادسة مساءً حتى ما بعد الثانية صباحاً كانوا سادةً مطلقين على الموقف، تحدّوا الشرطة والجيش، وحطّموا تحطيماً تاماً داخليّات اثني عشر مطعماً ومحلّاً، تاركين وراءهم دماراً يُذكّر بما رأوه بأمّ أعينهم في فرنسا إثر معركةٍ مدفعية ضارية".

غير أنّ الرواية السائدة في 1918 كانت، في معظمها، تُحمّل الجالية اليونانية مسؤولية ما جرى، كما يوضّح Gallant الذي درس مقتطفات الصحف المحلية في أعقاب أعمال الشغب. يقول: "حتى عمدة Toronto قال: 'نعم، يجب النظر في كلّ مظالم الجنود. نعم، اليونانيون لم يُؤدّوا نصيبهم العادل في الحرب'". ويُلخّص Gallant الأمر: "تحوّل الأمر إلى تحميل الضحية المهاجر المسؤولية".

شارع يانغ في تورونتو اليوم يعرض واجهات محلات تجارية حديثة، يعكس تطور المدينة بعد أعمال الشغب ضد الجالية اليونانية عام 1918.
Loading image...
متجر لألعاب الطاولة وبطاقات التداول في شارع يونغ بتورونتو، موقع مقهى وايت سيتي السابق حيث اندلعت أعمال الشغب [جيلان كستلر-دامورز/الجزيرة]

سرعان ما انصبّ الاهتمام العام على قضايا أخرى، كصعود الحركات العمّالية اليسارية في كندا عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وهو ما أفضى إلى إضراب Winnipeg العام عام 1919 الأضخم في تاريخ كندا. في المقابل، خيّم "صمتٌ مطبق" على الجالية اليونانية في Toronto، إذ سعت العائلات إلى طيّ الصفحة وإعادة البناء، كما يقول Gallant. كان الهدف هو الاندماج في المجتمع، وشيئاً فشيئاً طُويت أحداث أعمال الشغب المعادية لليونانيين من ذاكرة التاريخ.

يشرح Gallant: "هذا ما يحدث كثيراً مع مثل هذه الأحداث، حين تتعرّض أقلّيةٌ للتمييز. فالمجتمع الساعي إلى الاندماج آخر ما يريده هو استحضار هذا التاريخ وتصديره".

لم يُدرك الناس على نطاقٍ أوسع ما جرى إلّا في مطلع الألفية الثالثة، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى كتابٍ شارك Gallant في تأليفه تحت عنوان "The 1918 anti-Greek Riot in Toronto". ثمّ جاء عام 2009 ليحمل وثائقياً عن هذه الصفحة المظلمة من التاريخ الكندي، وصل إلى جمهورٍ أوسع. تقول Gionas إنّها لم تسمع بأعمال الشغب قطّ حتى شاهدت الوثائقي على التلفزيون: "صُدمت حين عرفت. قلت لنفسي: ظننت أنّني طالبةٌ جادّة في التاريخ الكندي، فكيف يفوتني هذا؟".

أصداء الماضي في حاضرنا

رغم مرور أكثر من مئة عام على تلك الأحداث، يؤكّد كلٌّ من Gallant وGionas أنّها باتت أشدّ راهنيةً من أيّ وقتٍ مضى لا سيّما مع تصاعد موجة العداء للمهاجرين في كندا. فقد تصلّبت المواقف الشعبية من الهجرة في السنوات الأخيرة تحت وطأة ضغوطٍ اجتماعية واقتصادية متراكمة، في مقدّمتها أزمة الإسكان والغلاء المتصاعد.

تُشير استطلاعات الرأي إلى أنّ غالبية الكنديين يرون الآن أنّ الهجرة إلى بلادهم "مفرطة"، وأصبح الخطاب المعادي للمهاجرين ظاهرةً شائعة، مع سياسيين يتحدّثون عن طالبي لجوء 'زائفين' ويُحمّلون الوافدين الجدد مسؤولية الأمراض الاجتماعية.

يرى Gallant أنّ هذا النهج يسود في أرجاء العالم، ويستشهد بما يجري جنوب الحدود في الولايات المتحدة بوصفه من أبرز نماذجه المعاصرة وأكثرها حدّةً. فالرئيس Donald Trump يشنّ حملةً صارمة على الهجرة، فيما لجأ هو وكبار مسؤولي إدارته إلى لغةٍ تُجرّد المهاجرين واللاجئين من إنسانيتهم. بل ذهب Trump إلى حدّ القول خلال حملته الانتخابية عام 2024 إنّ المهاجرين "يُسمّمون دماء بلادنا".

يرى Gallant في هذا الخطاب صدىً مباشراً لعام 1918. يقول: "في كلّ مرحلة أزمة، ولا سيّما حين تكون ثمّة حروب، تبحث المجتمعات عن كبش فداء. 'لماذا الأوضاع هكذا؟ لماذا ترتفع البطالة؟ لماذا يرتفع التضخّم؟ لأنّ هؤلاء القادمين يسرقون الوظائف'". ويختم: "كلّما دُرست أحداثٌ كالتي شهدتها Toronto، يتّضح لنا أنّه في أوقات الضغط والأزمات الوطنية، تُصبح جماعاتٌ بعينها كبش الفداء كما حدث لليونانيين".

أخبار ذات صلة

Loading...
زعيم حزب كيبيك الانفصالي بول سان-بيير بلامندون يحتفل بفوز حزبه في الانتخابات الإقليمية مع مؤيدين وأعلام كيبيك.

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

فوز حزب كيبيك بالانتخابات دون أغلبية يؤكد تعقيد المشهد السياسي في المقاطعة الكندية الناطقة بالفرنسية. هل هو انتصار للاستقلال أم رفض للحكومة؟ اكتشف التفاصيل وتأثيرها على مستقبل كيبيك الآن.
الأمريكتين
Loading...
فلافيو بولسونارو يخاطب حشداً في حملة انتخابية على شاطئ كوباكابانا وسط دعم واسع، مع تركيز على الأمن ومحاربة الفساد.

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

في سباق رئاسي محتدم، يسعى فلافيو بولسونارو لخلافة والده وسط تحقيقات فساد وخلافات عائلية. اكتشف تفاصيل الصراع السياسي والتحديات الأمنية في البرازيل الآن. اقرأ المزيد لتعرف القصة كاملة.
الأمريكتين
Loading...
رجل يقف أمام هيكل خرساني مهجور لمحطة خوراغوا النووية في كوبا، رمز لحلم الطاقة النووية المتوقف منذ عقود.

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة

في كوبا، حلم محطة خوراغوا النووية توقف بسبب الضغوط السياسية وانهيار الاتحاد السوفييتي، مما يزيد أزمة الكهرباء في الجزيرة. اكتشف تفاصيل هذا المشروع العملاق وأسباب فشله الآن.
الأمريكتين
Loading...
جنود في زي عسكري يقفون في صف أمام طائرة مسيرة على الأرض خلال تدريب أو تحضير لعمليات مكافحة الطائرات المسيّرة في أمريكا اللاتينية.

الطائرات بدون طيار: سلاح الجريمة المنظمة الجديد في أميركا اللاتينية والحكومات تتخبط

في أمريكا اللاتينية، تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات تهريب إلى أسلحة خطيرة بيد العصابات، مما يزيد من خطر العنف وانتشار الجريمة المنظمة. اكتشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على الأمن والحياة اليومية. اقرأ المزيد الآن.
الأمريكتين
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية