قانون الإعدام يهدد حياة الأسرى الفلسطينيين
في خيمةٍ مؤقتة، تجلس إنعام الدحدوح محاطة بأحفادها، تتأمل صور أبنائها المعتقلين. مع اقتراب يوم الأسير، تزايدت مخاوفها بعد إقرار قانون الإعدام. أكثر من 9600 أسير، والآلام تتضاعف. كيف ستواجه هذه الأم مصير أبنائها؟ خَبَرَيْن.

-في خيمةٍ من القماش المؤقّت، تجلس إنعام الدحدوح محاطةً بأحفادها الستّة، تقلّب بين يديها صورةً لأبنائها الثلاثة الذين اعتُقلوا قبل نحو عامين، في الأشهر الأولى من الحرب الإسرائيلية على غزّة.
مع اقتراب يوم الأسير الفلسطيني، الذي يُحيَى سنوياً في 17 أبريل، تجد هذه الأمّ البالغة من العمر 62 عاماً نفسها أمام نوعٍ مختلف من الألم هذا العام. لم يعد الأمر مجرّد وجعِ الفراق وقسوة الاعتقال، بل باتت تُخيّم عليها مخاوف جديدة ومضاعفة، في ظلّ إقرار الكنيست الإسرائيلي في أواخر مارس 2026 قانوناً يُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين.
يأتي هذا العام بأرقامٍ غير مسبوقة وأوضاعٍ متردّية. فوفقاً لمنظّمات حقوق الأسرى، يبلغ عدد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية أكثر من 9,600 أسيرٍ حتى مطلع أبريل 2026، مقارنةً بنحو 5,250 قبيل اندلاع الحرب، بما يمثّل ارتفاعاً نسبته 83 بالمئة تقريباً. ومن بين هؤلاء 350 طفلاً، وأكثر من 3,530 معتقلاً إدارياً يُحتجزون دون توجيه اتّهامات رسمية إليهم.
كما أن أكثر من 100 أسيرٍ قد ارتقوا داخل مراكز الاحتجاز منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، وسط تقاريرٍ تُشير إلى تدهورٍ حادّ في الأوضاع المعيشية داخل السجون.
غير أنّ الخوف الأكبر اليوم يتمحور حول احتمال اللجوء إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحقّ الأسرى. فالقانون الذي أقرّه الكنيست في 30 مارس يُتيح تطبيق عقوبة الإعدام، لكن حصراً على من صدرت بحقّهم أحكامٌ من محكمةٍ عسكرية بتهمة قتل إسرائيليين. وعملياً، ينصبّ ذلك على الفلسطينيين من الضفّة الغربية، إذ يُحاكَم الإسرائيليون أمام المحاكم المدنية. وتدور في الوقت ذاته نقاشاتٌ حول إنشاء محكمةٍ منفصلة للفلسطينيين القادمين من غزّة، يسعى اليمين الإسرائيلي إلى أن تشمل صلاحيّاتها تطبيق عقوبة الإعدام.
وقد احتفى عددٌ من المشرّعين الإسرائيليين بإقرار هذا القانون، في مقدّمتهم وزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir، في حين أثار القانون موجةً واسعة من الإدانات الدولية، إذ رأى فيه المنتقدون مثالاً إضافياً على ما يصفونه بسياسة الفصل العنصري الإسرائيلية ضدّ الفلسطينيين.
شاهد ايضاً: لبنان: المشردون بين خيارَين لا يحمل أيّهما أملاً
الاعتقال
اعتُقل ثلاثة من أبناء إنعام محمود (30 عاماً)، وعلاء (27 عاماً)، وضياء (24 عاماً) في 15 ديسمبر 2023، في أعقاب هجومٍ إسرائيلي مطوَّل استهدف محيط مستشفى الشفاء، بالقرب من المنزل الذي كانوا يقطنون فيه.
كانت الأسرة قد عاشت حصاراً امتدّ خمسة أيّام قبل أن تقتحم القوّات الإسرائيلية المنزل وسط إطلاقٍ مكثّف للنار.
تقول إنعام: «لم يكن هناك وقتٌ للتفكير. كانوا يطلقون الرصاص عند أقدامنا، والأطفال يصرخون من حولي... أردت فقط أن أخبّئهم خلفي».
جرى تكبيل محمود وعلاء وضياء وتعصيب أعينهم قبل أن يُقتادوا على يد الجنود الإسرائيليين. فرّت إنعام جنوباً مع النساء وأطفال العائلة، لكنّ زوجها نعيم، الذي كان في الخامسة والستّين آنذاك، أبى المغادرة. وبعد عشرة أيّام، عُثر على جثمانه في المكان ذاته.
مدنيّون بلا تهمة
تؤكّد إنعام أنّ أبناءها مدنيّون لا صلة لهم بأيّ عملٍ مسلّح. فمحمود أبٌ لستّة أطفال، وُلد أصغرهم في خضمّ الحرب. أمّا علاء فكان قد أتمّ دراسته في كلّية الحقوق، وكان ضياء على أعتاب مرحلةٍ جديدة بعد إتمام دراسته الثانوية. وكان الاثنان مخطوبَين.
تقول إنعام: «كنّا نخطّط لتزويجهما في أكتوبر، الشهر الذي اندلعت فيه الحرب... لكنّ ذلك لم يحدث». ثمّ تُضيف بهدوءٍ مؤلم: «خطيبتاهما لا تزالان تنتظران».
وتتساءل: «كان أبنائي يعملون مع والدهم في محطّة الوقود التي نملكها، وكانوا يعيشون حياةً مستقرّة... فلماذا اعتُقلوا؟».
منذ اعتقالهم، لم تحظَ إنعام إلّا بمعلوماتٍ شحيحة، ولم يُفرَج عن أيٍّ منهم في إطار أيّ صفقة. ولا تصلها أخبارٌ عنهم إلّا عبر شهاداتٍ متقطّعة يحملها معتقلون مُفرَج عنهم.
تقول: «كلّ خبرٍ مهما كان صغيراً يشبه خيطاً رفيعاً أتمسّك به لأظلّ متيقّنةً أنّ أبنائي لا يزالون أحياء».
من خلال هذه الشهادات غير المباشرة، بدأت إنعام ترسم صورةً ناقصة عن أماكن احتجازهم: نُقل علاء وضياء إلى سجن النقب، فيما أُفيد بأنّ محمود شُوهد في سجن عوفر، وإن كانت أماكن الاحتجاز كثيراً ما تتغيّر بسبب عمليات النقل المتكرّرة.
تختم قائلةً: «هذه آخر المعلومات التي وصلتني... أمّا الآن فلا أعرف شيئاً».
الخوف من قانون الإعدام
زاد إقرار قانون الإعدام من ثقل الهواجس التي تحملها إنعام. وبصوتٍ يكاد يخونها، تقول إنّها قادرةٌ على تحمّل فكرة الجوع والمعاناة وحتّى التعذيب، لكنّها لا تستطيع تحمّل ما هو أبعد من ذلك.
شاهد ايضاً: الدول الخليجية، عدم اليقين في هرمز يلقي بظلاله على الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران
«يمكنهم تحمّل الجوع... نقنع أنفسنا بذلك. لكن الإعدام؟ لا، ليس إلى هذا الحدّ».
وعلى الرغم من التطمينات والتفسيرات التي تُشير إلى أنّ القانون يستهدف فئةً بعينها ممّن يُتّهمون بقتل إسرائيليين، فإنّها لا تستطيع إقصاء احتمال أن يطال أبناءها.
«حتّى المتّهمون... كيف يمكن أن يُصدَر بحقّهم حكمٌ بالإعدام؟» تتساءل. «مجرّد وجود هذا القانون وقبوله يجعل كلّ أمٍّ في وضعي غير قادرةٍ على الشعور بأيّ طمأنينة طالما ابنها خلف القضبان».
في غياب أبنائها، تحاول إنعام ملء الفراغ بما تستطيع؛ تعتني بأطفال محمود، أحفادها، وتجتهد في إبقاء صورة أبيهم حاضرةً في وجدانهم.
تقول: «أُربّيهم وأُعلّمهم القرآن»، مُضيفةً أنّها تجد في ذلك هديّةً تُعدّها لمحمود، الذي كان يتمنّى قبل اعتقاله أن يرى أطفاله يحفظون القرآن.
وترى إنعام أنّ الحلّ الوحيد لأبنائها ولسائر الأسرى يكمن فيما تصفه بـ«الموقف العالمي» الذي يُمارس ضغطاً على إسرائيل لتراجع ما تعتبره قراراتٍ جائرة بحقّ المعتقلين.
«العالم كلّه يجب أن يرفض هذا»، تقول. «الأسير له حقٌّ في الحياة، وله حقٌّ في الكرامة... ما يجري بحقّ الأسرى شيءٌ لا يتقبّله العقل».
أخبار ذات صلة

إيران تحذّر: سفينة الشحن المصادرة قد تصبح "غنيمة حرب"
