الطاقة النظيفة تستحوذ على مستقبل الكهرباء العالمي
مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاثات تستوعب كامل نمو الطلب العالمي على الكهرباء للمرة الأولى، مع هيمنة الطاقة الشمسية والرياح. هل تكون هذه نقطة التحوّل نحو مستقبل أكثر استدامة؟ اكتشف المزيد في خَبَرَيْن.

مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاثات تستوعب كامل النموّ في الطلب العالمي على الكهرباء للمرة الأولى
رصدت مؤسسة Ember للأبحاث الطاقوية أنّ مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاثات استوعبت، للمرة الأولى في التاريخ، كامل النموّ في الطلب العالمي على الكهرباء خلال عام 2025، دون أن تترك هامشاً يُذكر لتوسّع الوقود الأحفوري.
قادت الطاقة الشمسية هذا التحوّل، إذ غطّت ثلاثة أرباع النموّ البالغ 849 تيراواط ساعة (TWh)، فيما تكفّلت طاقة الرياح بتغطية الجزء الأكبر من المتبقّي. وعلى صعيد أوسع، وفّرت مصادر الطاقة المنخفضة الانبعاثات مجتمعةً وتشمل الوقود الحيوي المُستخلَص من النفايات الزراعية والغذائية، والطاقة الكهرومائية، والطاقة النووية نسبة قياسية بلغت 42.6% من إجمالي الكهرباء المستهلكة عالمياً، والمُقدَّرة بـ31,779 تيراواط ساعة خلال العام ذاته.
لا يزال الوقود الأحفوري يحتل الحصة الأكبر من مزيج الكهرباء العالمي، غير أنّ Ember ترى في عام 2025 نقطة تحوّل حقيقية، ستبدأ بعدها حصته في التراجع التدريجي.
قال Nicolas Fulghum، كبير محلّلي بيانات الطاقة والمناخ في Ember: "وصل نشر الطاقة النظيفة إلى مستوى يتيح لها هيكلياً استيعاب الزيادة في الطلب. ونتوقّع في السنوات المقبلة أن تغطّي كامل نموّ الطلب على الكهرباء، وتبدأ بعدها في دفع توليد الوقود الأحفوري نحو الانحدار."
وتتوقّع Ember أن تتراجع حصة الوقود الأحفوري في سوق الكهرباء بنسبة تتراوح بين 10 و20% بحلول عام 2035 تقريباً، لتفقد بذلك هيمنتها لصالح الطاقة النظيفة.
تحفّظات على الاستنتاج
شاهد ايضاً: هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل؟ المحللون لم يعودوا يعتقدون أن هذا الأمر بعيد المنال.
لا يُشارك الجميع هذه القناعة. يرى Rahmat Poudineh، رئيس أبحاث الكهرباء في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة (OIES)، أنّ استيعاب الطاقة المتجدّدة للطلب الإضافي في عامٍ واحد لا يعني بالضرورة أنّ هذا سيكون نمطاً دائماً.
وأضاف: "إن أردتَ إثبات اتجاه ثابت، فلا بدّ أن يصمد في الظروف القصوى شتاء قارس وصيف حارق لأنّ المنظومة مُصمَّمة لتلبية الطلب في ذروته، لا الطلب المتوسّط."
في المقابل، أشارت Ember إلى أنّ عام 2025 لم يشهد نموّاً استثنائياً في الطلب، إذ بلغ 2.8%، وهو رقم يتوافق مع المتوسّط السنوي للعقد الماضي. كما اعترفت المؤسسة بأنّها توقّعت أن يكون عام 2024 نقطة التحوّل تلك، إلّا أنّ موجة الحرّ الشديدة في الصيف رفعت الطلب على التكييف بصورة غير مسبوقة، ما أتاح للوقود الأحفوري النموّ جنباً إلى جنب مع مصادر الطاقة المتجدّدة.
دروس من أوروبا وآسيا
تستحضر Ember نماذج ملموسة تدعم حجّتها؛ فقد أفضى الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إلى تسريع تركيب الطاقة المتجدّدة في أوروبا بمعدّل 5% سنوياً، ما جعل القارة تُنتج 71% من كهربائها من مصادر نظيفة في العام الماضي.
والأبرز أنّ بلوغ نقطة التحوّل العالمية في 2025 جاء بفضل تراجع الكهرباء المُولَّدة من الوقود الأحفوري في الصين والهند اثنتين من أكبر الدول المُصدِرة للانبعاثات وهو ما يحدث للمرة الأولى في هذا القرن بالنسبة للبلدين معاً.
وفي السياق ذاته، رصدت وكالة الطاقة الدولية يوم الاثنين تباطؤاً في الطلب على النفط والغاز عالمياً خلال 2025 مقارنةً بعام 2024، وذلك ليس في توليد الكهرباء فحسب، بل في مزيج الطاقة الكلّي.
شاهد ايضاً: الوكالة الدولية للطاقة توافق على إطلاق 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية
وقد يُسهم النزاع الدائر في منطقة الخليج في تخفيض الطلب على الوقود الأحفوري أكثر، إذا التزمت الحكومات بتوصية صندوق النقد الدولي القاضية بحصر دعم الأسعار في الفئات الأكثر هشاشة، تفادياً لموجة تضخّمية.
وقال Fulghum: "كان عام 2022 نقطة تحوّل لأوروبا... ونشهد الآن الشيء ذاته، لكن لمجموعة أكبر بكثير من الدول."
وكشف مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) المتّخذ من هلسنكي مقرّاً له، أنّ توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري تراجع في مارس، الشهر الأوّل من إغلاق مضيق هرمز، حيث جرى استبدال الكهرباء المُولَّدة من الغاز بالطاقة المتجدّدة بدلاً من الفحم، الذي انخفض هو الآخر.
وتلفت Ember إلى أنّ نموّ الطاقة المتجدّدة يتسارع في هذا القرن؛ فقد شهد العقد الماضي وحده 81% من إجمالي نموّ توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح منذ عام 2000، مقابل 27% فقط من نموّ الوقود الأحفوري في الفترة ذاتها.
الوقود الأحفوري: ضرورة هيكلية أم عادة قديمة؟
يُصرّ بعض المحلّلين في قطاع الهيدروكربونات على أنّ الصدمات المتكرّرة في أسواق الوقود الأحفوري لن تُخرجه من المعادلة الطاقوية.
يقول Yannis Bassias، المستشار المخضرم في قطاع الهيدروكربونات والشريك في Amphore Energy: "يمكن للطاقة المتجدّدة أن تستوعب الطلب الجديد، لكنّها لا تستطيع بعدُ ضمان الاستقرار دون طاقة تخزينية مرنة وشبكات نقل أكثر متانة." وأضاف مستشهداً باستمرار استخدام الفحم والغاز في توليد الكهرباء الأساسية: "أزمة الخليج تكشف أنّ الأسعار المرتفعة لا تُلغي الحاجة التقنية للغاز في منظومات الطاقة. والاعتماد عليه لا يزال هيكلياً في أوروبا واليابان وكوريا، حيث يُعدّ الغاز الطبيعي المُسال (LNG) المستورَد ركيزةً أساسية لاستقرار الشبكة."
أمّا معهد أكسفورد لدراسات الطاقة فيتّخذ موقفاً أكثر تحفّظاً. يقول Poudineh: "منذ سبعينيات القرن الماضي، أدّى الوقود الأحفوري دوراً محورياً في تغيير مسار السياسات الطاقوية، والأزمة الراهنة تحمل احتمالاً كبيراً لأن تفعل الشيء ذاته لكنّنا لم نصل بعدُ إلى يقين تامّ."
هل يكفي هذا للوصول إلى 1.5 درجة؟
رغم الزخم اللافت، يبقى مسار الطاقة النظيفة الراهن دون المستوى المطلوب للحدّ من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية (2.7 درجة فهرنهايت)، وهو الهدف الذي التزمت به 196 دولة في اتفاقية باريس قبل عقد من الزمن. فوفق وكالة الطاقة الدولية، يستلزم تحقيق هذا الهدف تراجع الكهرباء المُولَّدة من الوقود الأحفوري بنسبة 25% بحلول 2030 بنسبة 10-20% بحلول 2035 كما تتوقّع Ember حالياً.
على صعيد الانبعاثات، رصدت Ember انخفاض الانبعاثات لكلّ كيلوواط ساعة إلى 458 غراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في 2025، مقارنةً بـ543 غراماً قبل عقد. وتتوقّع وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض هذا الرقم إلى نحو 400 غرام العام المقبل.
وتُشير الوكالة إلى أنّ نموّ الانبعاثات الكلّية البالغ 0.4% يظلّ أدنى بكثير من النموّ الاقتصادي العالمي البالغ 3.1% في 2025، معتبرةً ذلك دليلاً على بدء انفصال الاقتصاد العالمي عن منحنى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، ضخّ العالم 38.4 مليار طنّ من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوّي العام الماضي غير أنّ Ember تُنبّه إلى أنّ هذا الرقم كان سيرتفع بمقدار 4 مليارات طنّ إضافية لولا النموّ الذي شهده توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
أخبار ذات صلة

رئيس وزراء كوسوفو يتهم صربيا بالتسبب في الانفجار في القناة التي تزود محطات الطاقة بالوقود

كوبا تمدد إغلاق أماكن العمل والمدارس بسبب انقطاع التيار الكهربائي

عودة الكهرباء إلى كوبا بعد انقطاع استمر لعدة أيام
