سرطان البحر الأزرق يهدد محار إيطاليا الشهير
صيّادتان في إيطاليا تواجهان انهيار حصاد المحار بسبب اجتياح سرطان البحر الأزرق الذي انتشر بفعل تغير المناخ مهددًا مصدر رزق آلاف الصيادين في دلتا نهر البو تابع قصتهم وتحدياتهم على خَبَرَيْن.

-في ساعات الفجر الأولى، كانت صيّادتان تجرّان قاربهما عبر بحيرة سكاردوفاري في شمال شرق إيطاليا. وقفت أوسكارينا سونشين في واحدٍ من أكبر مواقع حصاد المحار في أوروبا والماء البارد يلامس ركبتيها وهي تكشط قاع البحيرة بمجرفةٍ معدنية. كانت حركة المجرفة تُثير الطين والرمال ومعها المحار الشهير المعروف بـ"المانيلا"، فيتجمّع كلّه في شبكتها. أمّا شريكتها في الصيد جيوفانا بيتسو، فكانت تفرز المحار من الحطام.
لأكثر من عقدين متتاليين، كانت الثنائي تجمعان يومياً ما يزيد على 1.8 كيلوغرام من المحار في الصباح الواحد من بحيرة دلتا نهر البو وهو ما كذّب الاعتقاد السائد بأنّ المرأة لا تصلح لهذا العمل الشاقّ. اكتسب نشاطهما اهتماماً دولياً، وأفردت لهما مجلّة National Geographic تحقيقاً كاملاً عام 2021. وكانتا تتمتّعان بدخلٍ مستقرّ وشعورٍ بالحرية فوق الماء.
ثمّ جاء عام 2023، فبدأتا تلتقطان أصداف مكسورة فارغة لا محار فيها. باتتا تمضيان وقتاً أطول على الماء لجمع حصّتهما اليومية، دون أن تنجحا في ذلك دائماً.
كان منافسٌ جديد قد ظهر وبات يتربّص في المكان: سرطان البحر الأزرق الأطلسي. هذا القشريّ الذي يُعدّ طعاماً شهياً في ولاية ماريلاند وسائر سواحل الولايات المتحدة الشرقية وخليج المكسيك اجتاح دلتا البو، مُلتهماً المحار الذي كان لعقودٍ مصدر رزق أجيالٍ متعاقبة من الصيّادين.
يدخل محار المانيلا في صميم المطبخ الإيطالي، يُضاف إلى المعكرونة أو يُقدَّم مطهوّاً على البخار. وتحتلّ إيطاليا المرتبة الثانية عالمياً في إنتاجه بعد الصين، إذ تقع بحيرات دلتا البو في قلب هذه الصناعة.
غير أنّ سرطان البحر الأزرق أحدث في غضون ثلاث سنواتٍ فقط تحوّلاً جذرياً في هذا القطاع. انخفض الحصاد السنوي من المحار في بحيرة سكاردوفاري حيث كانت سونشين وبيتسو تعملان بنسبة 93%. وبعض أسرّة المحار لم يبقَ فيها شيء على الإطلاق.
يقول العلماء إنّ مياه الدلتا الغنيّة بالمغذّيات توفّر وليمةً دسمة للسرطانات وسائر الكائنات البحرية. لكنّ ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل الاحترار العالمي، وما أفضى إليه من شتاءاتٍ أكثر دفئاً، أتاح للسرطانات التكاثر بوتيرةٍ متسارعة والتهام المحار بشكلٍ لم يسبق له مثيل.
قالت سونشين: "علّمتني تجربتي أنّ كلّ شيءٍ ممكن في الطبيعة. البحر يمكن أن يُعطي الكثير، لكنّه يستطيع أن يأخذ كلّ شيء، وهذا بالضبط ما حدث لي."
على غرار سونشين وبيتسو، أحجم أكثر من 600 صيّاد يمثّلون 40% من أعضاء التعاونية المحلية عن مزاولة المهنة، وفق ما أعلنته التعاونية. كثيرون منهم سلّموا تراخيصهم وتحوّلوا إلى مهنٍ أخرى، فيما رفض آخرون الاستسلام وباتوا يحاولون التكيّف مع هذا التحوّل البيئي الجذري.
المفترس الذي وجد جنّته
ظلّت سرطانات البحر الزرقاء تتسلّل بهدوءٍ إلى بحيرات دلتا البو على مدى عقود. ولا يزال الباحثون يتحرّون الأسباب الكاملة وراء الانفجار الأخير في أعدادها، وإن كانوا يُشيرون إلى الظواهر الجوية المتطرفة وتغيّر المناخ، ربّما مع تصاعد حركة الشحن البحري خلال العقود الماضية.
تُعدّ دلتا البو ملاذاً للحياة البحرية، كما يقول ماسيميليانو كوستا، مدير حديقة دلتا البو المسؤولة عن صون البيئة المحلية وإدارتها. فبوصفه أطول أنهار إيطاليا، يضخّ نهر البو كمياتٍ وفيرة من المغذّيات إلى البحيرات من مصادر طبيعية ومن أنشطة بشرية كالزراعة ممّا يوفّر غذاءً وفيراً للكائنات البحرية بما فيها سرطانات البحر الزرقاء. وتُجدّد المدّ والجزر القادمة من بحر الأدرياتيك الأكسجينَ باستمرار، وتجلب المياه المالحة التي تحتاجها الإناث للتكاثر. كما تحفر السرطانات في قاع البحيرة الطيني لتختبئ من المفترسات وتتحمّل برودة الشتاء.
قالت فيفيانا كارلي، إحدى فنيّات الفريق الميداني لحديقة دلتا البو: "يبدو أنّ إدخال البيض واليرقات عبر النقل البحري قد جرى بصورةٍ متواصلة على مدى عقودٍ عدّة. ما يبدو أنّه تغيّر هي الظروف البيئية، التي باتت أكثر ملاءمةً للنوع بشكلٍ ملحوظ، ممّا أتاح له التكاثر بصورةٍ درامية."
في عام 2022، أفضى أشدّ موسم جفاف تشهده شمال إيطاليا منذ قرنين إلى تقدّم مياه البحر المالحة داخل نهر البو، ممّا هيّأ بيئةً مواتية لتكاثر إناث السرطانات الزرقاء ونموّ بيضها، وفق ما أوضح كوستا. وفي العام التالي، أدّت الأمطار الغزيرة والفيضانات إلى انتشار اليرقات والصغار في أرجاء الدلتا.
وقد انحازت الظروف المناخية الأشمل أيضاً لصالح السرطانات. فخلال العقود الأخيرة، ارتفعت درجات حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط إلى مستوياتٍ تُتيح للسرطانات الزرقاء التكاثر بنجاحٍ أكبر — وأحياناً أكثر من مرّة في الموسم الواحد. وتُظهر الدراسات أنّ الشتاءات الأدفأ مدّدت فترة التكاثر وقلّصت نسبة النفوق بسبب البرد.
قالت بيتسو، التي انخرطت في صيد المحار لأنّه كان يوفّر دخلاً جيّداً منذ البداية: "لم أتخيّل قطّ أن يتمكّن سرطان البحر الأزرق من الاستقرار في دلتا البو في ظلّ مناخنا. هذا يجعلني أفكّر في أنّ الفصول لم تعد كما كانت."
وبما أنّ الأنثى الواحدة من سرطان البحر الأزرق قادرةٌ على إنتاج ملايين البيضات، فقد يكون الانفجار السكّاني في البحيرات أمراً لا مفرّ منه في هذه البيئة المتغيّرة. وبصرف النظر عن طريقة وصولها إلى المنطقة، فقد وجدت السرطانات الزرقاء جنّتها في بحيرات الدلتا.
معركة بلا نتيجة
بين عامَي 2022 و2024، ارتفعت كميات صيد سرطان البحر الأزرق في دلتا البو بنسبة 900% من نحو 200 طنٍّ إلى 2,000 طنٍّ وفق ما أفاد به مجلس استشارات تربية الأحياء المائية.
قال ماتياس غالّيو، عالم البيئة في جامعة فيرارا: "إنّها تُدمّر مزارع المحار تدميراً كاملاً. تأكل كلّ البذور حتّى محار المانيلا الكبير. وتُخلّ بالشبكة البيئية بالكامل."
و أوضح غالّيو أنّ أكثر موقعين تضرّراً هما بحيرتا سكاردوفاري وغورو، اللتان كثيراً ما تمثّلان الجزء الأكبر من الإنتاج الوطني للمحار في السنة الواحدة. وفي منطقة غورو، أظهرت دراسةٌ له مع زملائه أنّ إنتاج المحار انخفض إلى متوسّط 4,000 طنٍّ عام 2024، بتراجعٍ بلغ 70% مقارنةً بالعقد الماضي. أمّا بحيرة سكاردوفاري، فقد شهدت تراجع الحصاد السنوي من 4,800 طنٍّ إلى 340 طنٍّ منذ عام 2023.
لكنّ العلماء يقولون إنّ التخلّص من سرطانات البحر الزرقاء من البحيرات الإيطالية أمرٌ عسير، إن لم يكن مستحيلاً.
ضخّت الحكومة الإيطالية ما لا يقلّ عن 10 ملايين يورو لصيد السرطانات والتخلّص منها، فضلاً عن دعم إنشاء أسياجٍ وشباكٍ أكثر متانةً لحماية محار المانيلا.
وحثّ المسؤولون المواطنين على تناول السرطانات غذاءً. ففي الولايات المتحدة، يُعدّ لحمها الحلو من الأطعمة الفاخرة. غير أنّ الإيطاليين كما أشار باحثون عدّة يبدون مترّددين في تناولها لأنّهم يربطونها بالضرر الذي ألحقته بالاقتصاد المحلي. يُضاف إلى ذلك أنّ تنظيف السرطانات وطهيها يستلزمان جهداً أكبر بكثيرٍ مقارنةً بالمحار الذي يُطهى ببساطة بالبخار أو الغليان. ولهذا يُستخدم سرطان البحر الأزرق في إيطاليا في معظمه كغذاءٍ للحيوانات الأليفة، ويُقدَّم أحياناً في بعض المطاعم.
قال جوزيبي كاستالدللّي، أستاذ علم البيئة في جامعة فيرارا: "كلّ جهودٍ بُذلت للسيطرة على أعداد السرطانات كانت عديمة الجدوى إلى حدٍّ بعيد. ولا نزال لا نعرف ماذا نفعل بها."
ولأنّ السرطانات متوفّرة بكثرة، فإنّ سعرها في السوق المحلية منخفضٌ ممّا يجعل تحقيق الربح أمراً عسيراً. بيد أنّ شركةً سريلانكية تُدعى Taprobane Seafoods أبرمت شراكةً مع الصيّادين عبر التعاونية المحلية لإنشاء سلسلة إمداد جديدة للتصدير العالمي. يتولّى الصيّادون الإيطاليون الصيد، فيما تُقدّم الشركة خبرتها في معالجة المنتج وتسويقه في الأسواق الدولية بما فيها الولايات المتحدة. ويعمل بعض السكّان المحليين في منشأة التجهيز.
قال باولو مانشين، رئيس Consorzio Cooperative Pescatori del Polesine المسؤول عن إدارة المخزون وصيانة البحيرات: "في غضون أشهر، تحوّل هذا النوع من حضورٍ هامشي إلى تهديدٍ كبير. تهدف الشراكة إلى تحويل نوعٍ غازٍ ألحق ضرراً بالغاً بزراعة المحار إلى فرصةٍ اقتصادية جديدة للصيّادين والعمّال المحليين."
لكنّ أيّاً من هذه الأساليب لم ينجح حتّى الآن في احتواء هذا القشريّ الغازي.
البحث عن مستقبلٍ في مياهٍ مجهولة
قبل موجة سرطانات البحر الزرقاء، كان يومُ عمل أنجيلا فرانشيسكيتّي مألوفاً ومنتظماً.
فرانشيسكيتّي عضوٌ في تعاونية سكاردوفاري التي تقلّص عدد أعضائها من 1,470 إلى 860 عضواً منذ انتشار السرطانات. كانت التعاونية تُحدّد لها حصّةً يومية من المحار وتُنظّم أوقات الإبحار والتسليم، وكانت قادرةً على إنجاز مهامّها اليومية في ما بين ثلاثين دقيقةً وثلاث ساعات.
لكن حين توقّف صيد المحار عن تحقيق الربح في أكتوبر 2023، وسّعت هي وشريكها ماركو فينوتّي نشاطهما ليشمل صيد سرطانات البحر الزرقاء.
الآن، حين تضبط منبّه صباحها، تحتاج فرانشيسكيتّي البالغة من العمر 28 عاماً إلى الاطّلاع على مواعيد المدّ والجزر لليوم التالي. هذا التحضير يُساعدها على تحديد أفضل وقتٍ لتفقّد 80 فخّاً من أفخاخ السرطانات. وعلى خلاف صيد المحار، يعتمد حصاد السرطانات كلياً على هذه الأفخاخ التي تستغرق مراجعتها ثلاثَ ساعاتٍ إلى أربع. وتبيع ما تصطاده إلى التعاونية التي تُسلّمه بدورها إلى Taprobane Seafoods.
بعد الغداء، تعود هي وماركو إلى البحيرة للعمل في مزرعة المحار لأربع ساعاتٍ إلى خمس إضافية. ومع بقيّة أعضاء تعاونيتهما، يُزيلون الطحالب الزائدة بالمجارف لدفعها نحو البحر كي لا تُخنق المحار، ويُنظّفون الشباك ويُعزّزون الأعمدة استعداداً للعواصف. وعند الغروب، يجمعون طُعوماً إضافية لأفخاخ السرطانات أو يتعهّدون مزارع بلح البحر البعيدة عن الشاطئ.
قالت فرانشيسكيتّي: "من خلال عملي صيّادةً، أدركت أنّ تغيّر المناخ ليس مجرّد شيءٍ يؤثّر في البيئة؛ بل يمسّ رزقي مباشرةً. التغيّرات في درجات الحرارة وأنماط الطقس والظروف البحرية تؤثّر في طريقة عمل النظام البيئي، وهذه التغيّرات تنعكس حتماً على عمل كلّ من يعتمد عليه يوماً بيوم."
أمّا سونشين، فقد عنى التكيّف بالنسبة إليها مغادرة الماء كلياً. بعد تقاعدها من صيد المحار عام 2024، باتت تعمل في تنظيف المنازل. الأجر مماثل، لكنّ العمل لا يحمل المعنى ذاته الذي كانت تجده في العقود التي أمضتها في أحضان الطبيعة. وتركت بيتسو هي الأخرى صيد المحار بعد مسيرةٍ امتدّت 34 عاماً، وباتت تعمل في مصنعٍ لتجهيز الأسماك، وهو عالمٌ مختلفٌ تماماً عن الحياة فوق الماء.
قالت سونشين: "ما أفتقده أكثر من أيّ شيءٍ آخر... هو العمل في قلب الطبيعة والشعور بالحرية الذي كان يمنحنا إيّاه عملنا على الماء."
أخبار ذات صلة

سلطة قضائية أرجنتينية تعترف بالأسماك الذهبية كائنات واعية ذات حقوق

الطائرات تجمع المياه من نهر السين لمكافحة حريق غابات قرب باريس

موجات الحرّ والحرائق تُفاقم الأزمات المتزامنة في جنوب أوروبا
