ترحيل قسري ومصير مجهول لعائلات من أمريكا إلى ليبيريا
عائلات في أمريكا تبحث عن مصير أقارب أُرسلوا قسرًا إلى ليبيريا في صفقة ترحيل مثيرة للجدل. هل لهم حرية الاختيار وهل يحق لهم البقاء؟ تفاصيل وأسرار الاتفاق الذي هزّ السيادة والحقوق في خَبَرَيْن.

في مبنى المحاكم بمنطقة مونروفيا، بدأ المحامي سامور فالاه يتلقّى هذا الأسبوع اتصالاتٍ من عائلاتٍ تقيم في الولايات المتحدة، تسأله عن مصير 20 من ذويها أُرسلوا قسراً إلى ليبيريا وهي دولةٌ لا يحمل أيٌّ منهم جنسيّتها.
طلبت منه هذه العائلات أن يعرف أين أُخذ أقاربهم، وما الذي ينتظرهم. لم يكن بمقدوره أن يُجيبهم بشيءٍ يُذكر.
يعلم فالاه أن المجموعة هبطت في مطار روبرتس الدولي قرب العاصمة مونروفيا يوم الخميس، وأن مسؤولين ليبيريين أقلّوها بحافلة إلى وجهةٍ مجهولة. لكنّه لا يعلم أين أُودعوا، ولا إن كانوا أحراراً في المغادرة، ولا ما الوضع القانوني الذي يحملونه.
يتجنّب فالاه وصفهم بـ«المُرحَّلين»، لأن الحكومة الليبيرية لم تُحدّد وضعهم بموجب القانون الليبيري حتى الآن.
قال فالاه : "لا يمكنك نقل شخصٍ من بلدٍ إلى آخر دون معلوماتٍ واضحة عن سبب هذا النقل. تخيّل أنك قادمٌ من السلفادور مثلاً، ثم تكتشف فجأةً أنك على متن طائرةٍ متّجهة إلى ليبيريا."
هذه المجموعة هي الأولى التي تصل في إطار اتفاقٍ يُتيح لليبيريا استقبال ما يصل إلى 1,200 شخصٍ مُرحَّلٍ من الولايات المتحدة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. أعلنت الحكومة الليبيرية عن هذا الترتيب يوم الثلاثاء، أي قبل يومَين فحسب من وصول الرحلة. وقال عددٌ من السياسيين إنهم لم يُستشاروا في الأمر.
فالاه، الذي يُقدّم مساعدته مجّاناً إلى جانب محامِيَين أمريكيَّين متخصّصَين في قضايا الهجرة، يريد أن يعرف: هل يحقّ لهؤلاء الاستقرار في ليبيريا؟ هل يملكون حرية اختيار وجهتهم؟ وهل قد يعودون يوماً إلى الولايات المتحدة؟
لا إجابات لديه بعد.
يُدرج هذا الترتيب ضمن ما بات يُعرف بـ«الترحيل إلى بلدٍ ثالث» (Third-Country Deportation)، أي إرسال الأشخاص إلى دولةٍ غير دولة جنسيّتهم. وقد أثار هذا النهج تساؤلاتٍ جدّية حول حدود السلطة التنفيذية، ومفهوم السيادة الوطنية، وحقوق من يطالهم هذا الإجراء.
«ضيوف الجمهورية»
قالت الحكومة إن المُرحَّلين لم يُحتجزوا، ووصفت الترتيب مع الولايات المتحدة بأنه ذو طابعٍ إنساني. وأعلن وزير الإعلام Jerolinmek Piah أن القادمين سيُستقبَلون بوصفهم «ضيوف الجمهورية»، وأنهم أحرارٌ في المغادرة، ويحقّ لهم طلب اللجوء.
ربط Piah هذا القرار بتاريخ ليبيريا بوصفها أرضاً استقطبت الأمريكيين السود الأحرار والمُحرَّرين من العبودية، وبلداً لجأ مواطنوه أنفسهم إلى الحماية الخارجية خلال 14 عاماً من الحرب الأهلية.
وقال: "إن هذه البادرة الليبيرية إنسانيةٌ بالكامل، وتنسجم مع تقاليد البلاد الراسخة."
وأكّد Piah أن ليبيريا لن تتحمّل أي تكاليف، وأن الإقامة والطعام والتنقّل لاحقاً ستُموَّل من قِبَل الحكومة الأمريكية ومنظمةٍ دولية شريكة، دون أن يُفصح عن اسمها.
غير أن الحكومة لم تُقدّم معلوماتٍ إضافية عن الوافدين يوم الخميس؛ إذ لم تُعلن جنسياتهم الكاملة، ولا أماكن إقامتهم، ولا الوثائق القانونية التي دخلوا بموجبها، ولا هوية المنظمة الدولية التي تموّل إقامتهم وتُديرها.
أفادت وكالة Reuters يوم الجمعة بأن 5 من هؤلاء رفضوا النزول من الطائرة وجرى نقلهم إلى غينيا الاستوائية.
وقال وزير العدل Natu Oswald Tweh إن ليبيريا تُراجع كل قائمة ركّاب وتحتفظ بحقّ رفض أي شخص، مضيفاً: "معظمهم من الذين ارتكبوا مخالفاتٍ وجرائم تتعلّق بالهجرة."
بيد أن الحكومة لم تنشر معايير الفرز التي تعتمدها، ولم تُوضّح ما إذا كان بين الوافدين من يحمل أوامر حمايةٍ أمريكية تحول دون إعادته إلى بلده.
لكنّ لفظ «ضيوف» لا يُرسي وضعاً قانونياً معترفاً به في القانون الليبيري. ويظلّ غامضاً ما إذا كان هؤلاء دخلوا بتصاريح مؤقّتة، وما إذا كان يحقّ لهم العمل، وما إذا كانوا ملزمَين بتقديم طلبات لجوءٍ أو إقامة.
وعلى الرغم من قول Piah إن المجموعة حرّةٌ في المغادرة، فإن المسؤولين منعوا الصحفيين من التحدّث إليهم في المطار. نزل الوافدون من سلّم الطائرة، وصعدوا إلى حافلة، وانطلقوا تحت إشرافٍ رسمي إلى وجهةٍ مجهولة.
هل كان يستلزم الأمر موافقة تشريعية؟
جاءت أشدّ الاعتراضات من سياسيين يرون أن هذا الترتيب كان يستوجب الحصول على موافقة السلطة التشريعية. استشهد سيناتور مقاطعة نيمبا Samuel Kogar بالمادة 57 من الدستور الليبيري، التي تُخوّل الرئيس إدارة الشؤون الخارجية وإبرام المعاهدات والاتفاقيات "بموافقة أغلبية كلٍّ من مجلسَي البرلمان".
وتساءل Kogar: "هل عُرض هذا الترتيب على مجلسَي البرلمان وحظي بالأغلبية المطلوبة؟ وإن لم يكن كذلك، فبأيّ سلطةٍ قانونية أُبرم هذا الاتفاق؟"
قالت الحكومة إن الترتيب يستند إلى مذكّرات دبلوماسية تبادلتها الدولتان في 4 سبتمبر و10 سبتمبر من العام الماضي.
أفاد مشروع Third Country Deportation Watch، الذي تُشغّله منظمتا Refugees International وHuman Rights First، بأن نصّ الاتفاق ظهر على موقع وزارة الخارجية الأمريكية في مارس، في حين لم يعلم به معظم الليبيريين إلا في أغسطس.
رفض النائب Anthony F Williams، عضو لجان مجلس النواب المعنية بالأمن القومي وحقوق الإنسان والشؤون الخارجية، فكرة أن تتصرّف السلطة التنفيذية منفردةً في مثل هذه القضايا.
وقال : "لا يمكن لأي اتفاقٍ يمسّ الأمن القومي لهذا البلد وسيادته أن يُبرمه الفرع التنفيذي وحده."
يوجد البرلمان حالياً في عطلةٍ تمتد حتى أكتوبر. وأعلن Williams أنه سيسعى للحصول على إجاباتٍ بشأن أماكن الإيواء والرعاية الصحية ومعايير الفرز وصلاحية ليبيريا في احتجاز أيٍّ من الوافدين أو ترحيله.
وأوضح أن مخاوفه تتعلّق بقدرة الدولة المؤسّسية، لا بالوافدين أنفسهم. فليبيريا تفتقر إلى أنظمة التعرّف البيومتري والكوادر المدرَّبة اللازمة لتوثيق ما يصل إلى 1,200 شخصٍ يتنقّلون عبر المقاطعات والحدود المفتوحة، فضلاً عن أن الفارّين من الاضطهاد قد يُتعقَّبون من قِبَل الحكومات التي هربوا منها.
قال Eddie Jarwolo، المدير التنفيذي لمنظمة NAYMOTE Partners for Democratic Development، إنه لا توجد خطّة منشورة تُوضّح كيف ستستوعب ليبيريا هؤلاء الوافدين دون أن تزيد الضغط على الخدمات العامة المُثقَلة أصلاً.
وأضاف أن منظمات المجتمع المدني لم تُستشَر، مطالباً برقابةٍ مستقلّة على أوضاع المعيشة والإنفاق والامتثال القانوني.
هل ثمّة مقايضةٌ دبلوماسية؟
تُصرّ الحكومة على أن ليبيريا لم تتلقَّ أي مدفوعاتٍ أو مكافآتٍ دبلوماسية مقابل قبول هؤلاء المُرحَّلين. في المقابل، يطالب المنتقدون بالكشف عن تفاصيل المفاوضات التي جرت.
جاء هذا الترتيب في سياقٍ شهد جملةً من القرارات الأمريكية التي طالت ليبيريا مباشرةً: ففي 9 ديسمبر 2025، وقّعت البلدان مذكّرة تفاهمٍ صحية لخمس سنواتٍ بقيمة 124 مليون دولار، كما مدّدت واشنطن صلاحية تأشيرات الزيارة B1/B2 للمواطنين الليبيريين من 12 شهراً إلى 36 شهراً.
وكان قد أفيد سابقاً بأن هذه الإجراءات جاءت في أعقاب موافقة ليبيريا على استقبال Kilmar Abrego Garcia، الذي أثار ترحيله الخاطئ إلى سجنٍ سلفادوري جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً. وسعت الولايات المتحدة لاحقاً إلى استئذان المحكمة لإرساله إلى ليبيريا.
في الوقت ذاته، وبحسب ما رصده مشروع Third Country Deportation Watch، جُمِّدت تأشيرات الهجرة للمواطنين الليبيريين في يناير، فيما منحت الولايات المتحدة ليبيريا 5 ملايين دولار هذا العام لإدارة ملفّ الهجرة.
ولم تُثبت أيٌّ من الحكومتَين علناً وجود صلةٍ مباشرة بين ترتيب الترحيل وقرار التأشيرات. وقال Jarwolo من منظمة NAYMOTE إن على البلدَين الإفصاح عمّا إذا كان تمديد التأشيرات مرتبطاً بقبول المُرحَّلين من دولٍ ثالثة.
وأضاف: "إن كانت ثمّة صلةٌ بينهما، فهذا يُثير مخاوف بالغة الخطورة بشأن موقف ليبيريا التفاوضي وسيادتها الوطنية والسلامة العامة. لا ينبغي أن تُشترط المساعدة التنموية بقبول ليبيريا لأفرادٍ لم تُكشَف خلفيّاتهم ولم يُقيَّم وضعهم القانوني بشفافيةٍ وجدّية."
قال William Sando، رئيس اتحاد طلاب جامعة ليبيريا، إنه علم بالترتيب عبر Facebook قبل أن يُؤكّده الوزير Piah رسمياً.
وأضاف: "لم يُبلّغوا الشعب الليبيري على النحو الكافي"، رافضاً حجج الوزير بوصفها "منفصلةً عن الواقع الراهن".
وطالب Sando الحكومة بالإفصاح عن أماكن إقامة الوافدين، وما إذا كان بإمكان من يبقى منهم الحصول على حقّ العمل.
أما السيناتور Kogar، فقد أكّد أن التساؤلات تتجاوز مجرّد الموقف من الهجرة.
وختم قائلاً: "هذه ليست قضيةً هيّنة. نحن نتحدّث عن سيادتنا وقوانيننا وأمننا القومي، والمسؤولية التي نحملها تجاه الشعب الليبيري. أين نحن، نحن الليبيريين، من كلّ هذا؟"
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

كورنيل تعيّن سالي يتس للتحقيق في التعامل مع اتهامات الاغتصاب

نيكول براون سيمبسون: رسالة أختها حول العنف الأسري
