غضب الطلاب يكشف أزمة الاعتداءات في جامعة كورنيل
طلاب وأساتذة يحتجون في جامعة كورنيل ضد تقاعس الإدارة في قضايا الاعتداء الجنسي وتعيين سالي ييتس لمراجعة التعامل مع الحوادث. غضب واسع ودعوات لإصلاح جذري وسط تحقيقات قانونية متجددة خَبَرَيْن

في مساء الاثنين، تجمّع عشرات الطلاب وأفراد من المجتمع المحلي في مدينة إيثاكا بولاية نيويورك، يحملون لافتاتٍ كُتب على بعضها "العدالة لكل جين دو" (Justice for every Jane Doe)، وأخرى تقول "إدارة Cornell تخون الناجيات، استقيلوا الآن". رددوا هتافاتٍ تطالب برحيل المسؤولين، بينما كانت صورة التظاهرة الموثّقة بتاريخ 5 أكتوبر 2026 تُظهر المحتجّين يتّجهون نحو مبنى Day Hall، مقر إدارة جامعة Cornell. لم تكن تلك الليلة عابرة؛ فقد تزامنت مع إعلانٍ غيّر مسار الأزمة التي تعصف بالجامعة منذ أشهر.
ففي اليوم التالي، الثلاثاء، أعلنت Cornell تكليف سالي كيو. ييتس (Sally Q. Yates)، نائب المدعي العام الأمريكي السابقة، بقيادة مراجعة مستقلة لطريقة تعامل الجامعة مع قضايا سوء السلوك الجنسي. القرار جاء في خضمّ ضغطٍ متصاعد من هيئة التدريس والطلاب، وبعد أسابيع من الجدل حول قضية طالبة سابقة اتهمت أعضاء في أخويّة Chi Phi بالاغتصاب الجماعي.
ما الذي ستفحصه مراجعة ييتس؟
وفق بيان الجامعة، ستتناول المراجعة كيفية "منع الجامعة والتصدي للتحرش الجنسي والاعتداء الجنسي وسوء السلوك ذي الصلة على الحرم الجامعي"، إضافةً إلى فحصٍ محدّد لـ"ما إذا كانت Cornell قد اتبعت سياساتها وإجراءاتها في التعامل مع" بلاغ الطالبة المعروفة في الوثائق القضائية باسم "جين دو". هذا الفحص المزدوج العام والخاص يضع الجامعة أمام اختبارٍ مزدوج: سياساتها المعلنة، وتطبيقها الفعلي في حالةٍ بعينها.
القضية التي أشعلت الغضب
تعود جذور الأزمة إلى أكتوبر 2024، حين اتهمت جين دو أعضاءً في أخويّة Chi Phi بالاغتصاب الجماعي. الشهر الماضي، رفعت دعوى مدنية ضد Cornell والأخويّة وسبعة من أعضائها وأطراف أخرى، زاعمةً أن الجامعة فشلت في حمايتها وفي معاقبة الطلاب المتهمين بالشكل الكافي. نفى الرجال المذكورون في الدعوى ارتكاب أي مخالفة؛ وبحسب ما نقلت صحيفة The New York Times، أقرّ أربعة من أعضاء الأخويّة بوجود اتصال جنسي مع جين دو لكنهم وصفوه بأنه كان بالتراضي، بينما نفى ثلاثة آخرون أي اتصال جنسي معها من الأساس.
ذكر مصدرٌ يوم الاثنين أن المحامية تيني جيراغوس (Teny Geragos)، التي سبق لمكتبها تمثيل هارفي واينستين (Harvey Weinstein) وشون "ديدي" كومز (Sean "Diddy" Combs)، تولّت الدفاع عن أحد الطلاب المتورطين في التحقيق، دون أن تتضح هويته.
جامعة تحت ضغطٍ من الداخل
لم يبقَ الغضب في الشارع فحسب. مساء الاثنين، قدّم أعضاء في مجلس الشيوخ الأكاديمي بجامعة Cornell مشروع قرارٍ بسحب الثقة من الإدارة، سيُعرض أولاً على لجنةٍ أكاديمية قبل أن يُقرَّر إدراجه في جدول أعمال اجتماع 14 أكتوبر. يضم المجلس أكثر من 75 عضواً يمثلون هيئة التدريس، وقد أيّد نحو 40 منهم عقد تصويتٍ على سحب الثقة، بحسب بول أورتيز، أستاذ تاريخ العمل وعضو المجلس.
قال أورتيز: "تلقّت هيئة التدريس طلباتٍ من مئات الطلاب والخريجين والموظفين يطالبوننا بأن نفعل شيئاً"، مضيفاً أن بعض الطلاب الذين توجّهوا إلى الأساتذة أفادوا بأنهم تعرّضوا هم أنفسهم لاعتداءٍ جنسي. وتابع: "سئمنا من الاعتداءات الجنسية التي تحدث لطلابنا"، ثم أردف بنبرةٍ أكثر حدّة: "سئمنا من تقاعس الإدارة في هذه القضية - وليس فقط طلابنا الحاليون، بل الطلاب السابقون والخريجون الذين تبرّعوا فعلياً بأموالٍ لهذه الجامعة سئموا أيضاً".
في المقابل، حاول رئيس الجامعة مايكل كوتليكوف احتواء الموقف. التقى مساء الاثنين مع جمعية طلاب الدراسات العليا والمهنية، وقال: "كلنا غاضبون. أتفهّم هذا الغضب"، لكنه أضاف: "الناس يريدون إجاباتٍ سهلة" في إشارةٍ إلى تعقيد الملف. وكان قد سبق له إصدار بيانٍ مصوّر وعد فيه بمراجعةٍ أعمق وإجاباتٍ أوضح، واصفاً القضية بأنها تطرح "قضايا مؤلمة ومقلقة حول الاعتداء الجنسي، والتجريد من الإنسانية، وجوانب من ثقافة الحفلات وتعاطي الكحول والمخدرات".
أما جوليا تشانغ، الأستاذة في الجامعة، فقدّمت قراءةً أكثر تحفظاً للخطاب السائد في الحرم الجامعي: "يقولون إن Cornell لديها ثقافة اغتصاب، ولا أختلف مع ذلك"، لكنها حذّرت: "هذا القول قد يجعل الاغتصاب يبدو حتمياً. الاغتصاب لا ينبغي أن يكون حتمياً".
وفي خضم هذا الاحتقان، لجأ بعض النشطاء مساء الاثنين إلى تحطيم باب زجاجي في مبنى الإدارة وكتابة عبارات مثل "حطّموا النظام الأبوي" على جدرانه، في حادثةٍ أعلنت Cornell أنها قيد التحقيق. وخطّطت مجموعاتٌ أخرى لتنظيم اعتصامٍ لمدة سبع ساعات يوم الأربعاء تضامناً مع جين دو، على أن يصف منظّموه الفعالية بأنها "تضامن مع جين دو".
تحقيقٌ جنائي يُعاد فتحه تحت الضوء
يتجاوز الجدل أسوار الجامعة إلى أروقة العدالة الجنائية في مقاطعة Tompkins. فبحسب وثائق حصلت عليها صحيفة The New York Times، رفض مكتب المدعي العام للمقاطعة النظر في أدلةٍ إضافية تجاوزت بيان جين دو المكوّن من ست صفحات، رغم وجود مقابلاتٍ أخرى جمعتها شرطة الحرم الجامعي. وثّق محقق من شرطة Cornell قرار الادعاء بعدم الملاحقة الجنائية استناداً إلى بيان جين دو وحده، مسجّلاً في مذكرته أن "التهم الجنائية لن تُلاحَق في هذه القضية".
واللافت أن شرطة Cornell كانت قد صاغت، بعد نحو أسبوعٍ من بلاغ جين دو الأول، رسائل موجّهة إلى شركتي الاتصالات Verizon وT-Mobile لطلب "الحفاظ على جميع البيانات المتاحة" من رسائل نصية ومكالمات وصور ومقاطع فيديو، إذ قد "تحتوي على أدلة ذات صلة بالتحقيق الجاري"، في إطار ما وصفته الشرطة بأنه "التحقيق في حادثة اعتداء جنسي". غير أنه يبقى غير واضح ما إذا كانت هذه الرسائل قد أُرسلت فعلياً إلى شركات الاتصالات، أو ما إذا جرى السعي للحصول على أوامر استدعاء قضائية (مذكرات تفتيش)، كما لم يتّضح ما إذا كان المدعي العام للمقاطعة ماثيو فان هوتن على علم بهذه المسودّات من الأساس. وقد أفاد فان هوتن بأن الشرطة زوّدت مكتبه ببيانٍ من ست صفحات موقّع من جين دو وصور شاشة من تطبيق Snapchat فقط.
أعاد فان هوتن فتح التحقيق قبل أيامٍ من تعيين حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول للمدعية العامة للولاية ليتيسيا جيمس مدعيةً عامة خاصة في القضية. وقالت هوكول إنها "فقدت الثقة" بقدرة فان هوتن على التعامل مع الملف. وسعى مكتب جيمس إلى الاستعانة بمحامين خارجيين ذوي خبرة لتعزيز فريق التحقيق، نظراً لأن المكتب لم يكن له سجل سابق في التحقيق بجرائم ذات طابع جنسي.
من جانبه، كشف توماس جيوفرا، محامي جين دو، أن فريق موكّلته جمع تسجيلاتٍ لمكالمات مع بعض الرجال المتهمين تتضمن رسائل اعتذار عبر البريد الإلكتروني، مشيراً إلى احتمال وجود صور ومقاطع فيديو أخرى متعلقة بالاعتداء ربما جرى إتلافها. وقال جيوفرا في حديثه للمذيع جيك تابر: "لن نعرف أبداً، بسبب هذا التحقيق غير الكافي الذي أُجري". وأضاف أن جين دو تتلقى تهديداتٍ ومحاولات للكشف عن هويتها، وأنه هو نفسه تلقّى تهديداً صباح الأحد.
صدى يتجاوز الحرم الجامعي
لم تبقَ تداعيات القضية حبيسة إيثاكا. فقد أعلنت منظمة RAINN، المعنية بدعم ضحايا الاعتداء الجنسي، أن المكالمات الواردة إلى الخط الوطني الساخن للاعتداء الجنسي ارتفعت بنسبة 73% خلال الأسبوع الماضي، وأن عدد المكالمات يوم الاثنين وحده تجاوز ضعف المعدل الطبيعي. وقال كثيرٌ من المتصلين إن قراءتهم عن قضية جين دو هي ما دفعهم للتواصل مع الخط الساخن. وعلّق سكوت بيركوفيتز، رئيس المنظمة: "نُعجب بشجاعة جين دو، ونشعر بامتنانٍ عميق لها. RAINN تقف إلى جانبها، كما يقف ملايين الناجين والداعمين في جميع أنحاء البلاد".
تبقى مراجعة سالي ييتس، في جوهرها، اختباراً لما إذا كانت مؤسسةٌ عريقة كجامعة Cornell قادرة على مواجهة فجوةٍ بين سياساتها المكتوبة وممارستها الفعلية. لكن في إيثاكا، حيث لا تزال اللافتات معلّقة قرب Day Hall والاعتصام المقرر يوم الأربعاء ينتظر دوره، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو ذاته الذي طرحته جين دو منذ أكتوبر 2024: من يحميها حين تتحدث؟
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

نيكول براون سيمبسون: رسالة أختها حول العنف الأسري

اللقطات المحفوظة من Snapchat في جامعة كورنيل تكشف تفاصيل جديدة عن الاعتداء
