قصة نيكول براون ودروس العنف الأسري الحقيقية
دينيس براون تحكي قصة شقيقتها نيكول سيمبسون وتكشف حقيقة العنف الأسري خلف الصورة النمطية. مذكّراتها تسلط الضوء على علامات الإساءة وكيفية دعم الضحايا بهدف إنقاذ الأرواح وزيادة الوعي في مواجهة العنف الأسري عبر خَبَرَيْن.

في الثالث عشر من يونيو 1994، عُثر على نيكول براون سيمبسون مقتولةً أمام مسكنها في لوس أنجلوس إلى جانب زميلها رون غولدمان. مرّت واحدة وثلاثون سنة على تلك الجريمة التي تحوّلت إلى واحدة من أشهر قضايا القرن العشرين، لكنّ شقيقتها الكبرى، دينيس براون، لم تتوقّف يوماً عن محاولة فهم ما حدث فعلاً خلف الأبواب المغلقة. هذا الأسبوع، وبالتزامن مع شهر التوعية بالعنف الأسري، أصدرت دينيس مذكّراتها بعنوان For My Sister Nicole: Love Shouldn’t Hurt What to Know About Domestic Violence، في محاولةٍ لتحويل قصتها الشخصية إلى أداة توعية عملية: كيف تُقرأ علامات الإساءة؟ ولماذا تبقى الضحايا في علاقاتٍ مؤذية؟ وكيف يمكن لمن حولهنّ أن يقدّموا الدعم دون أن يتحوّلوا بدورهم إلى سلطةٍ متحكّمة؟
تقول دينيس إنّ هدفها من الكتاب واضح: "أريد أن أتمكّن من إنقاذ أرواحٍ بهذا الكتاب. أتمنّى أن يفعل ذلك، لأنّني أفتقدها". وتضيف في موضعٍ آخر: "لا أريد لعائلةٍ أن تمرّ بما مررنا به".
صورةٌ لا تشبه الضحية في المخيّلة
لم تكن دينيس براون، في الأيام التي أعقبت مقتل شقيقتها مباشرة، تعتقد أنّ ما جرى لنيكول كان عنفاً أسرياً بالمعنى الذي نفهمه اليوم. قالت حينها علناً: "شقيقتي لم تكن امرأةً معنَّفة". وتفسّر اليوم في مذكّراتها جذور ذلك الإنكار: "نظرتي إلى المرأة المعنَّفة كانت نمطية: كيانٌ هشّ، خافت الخطى، مكسور الأسنان، تحمل إصاباتٍ ظاهرة، تخشى حتى أن ترفع عينيها في العلن". وتضيف: "امرأة بلا قوة، سُلبت كل قدرةٍ على الفعل. شقيقتي القوية العنيدة الكفؤة كانت النقيض المطلق لما تستحضره هذه الكلمات في ذهني".
هذه الفجوة بين الصورة النمطية والواقع هي ما يحاول الكتاب تفكيكه. فنيكول، بحسب شهادة دينيس، التقطت صوراً لوجهها المرضوض ورقبتها وذراعيها بناءً على طلبها هي نفسها، عقب حادثةٍ اتصلت خلالها بالطوارئ في يوم رأس السنة عام 1989، بعدما اعتدى عليها أو جاي سيمبسون جسدياً. كانت الشرطة قد استجابت لتسعة بلاغاتٍ سابقة من المنزل ذاته، لكنّ حادثة 1989 كانت المرة الأولى التي يُعتقل فيها سيمبسون وتُوجَّه إليه تهمة ضرب الزوجة، وهي تهمةٌ أقرّ فيها لاحقاً بعدم المنازعة (no contest). تقول دينيس عن تلك الصور: "اعتقدت أنّ تلك الصور كانت حادثةً معزولة، لأنّني لم أكن أعرف شيئاً عن دورة العنف الأسري". وتضيف: "العنف الأسري لم يكن شيئاً نشأنا عليه".
شهدت دينيس لاحقاً في محاكمة سيمبسون الجنائية عام 1995 على إساءاتٍ لفظية متكرّرة شهدتها بنفسها عبر الزمن، وحادثة إساءة جسدية واحدة. انتهت تلك المحاكمة بتبرئة سيمبسون، قبل أن تُحمَّله محكمةٌ مدنية عام 1997 المسؤولية المدنية عن وفاة نيكول وغولدمان.
يوميّات لم يكن أحدٌ يعرف بوجودها
بعد مقتل نيكول، عثرت إحدى شقيقات عائلة براون على يوميّاتها في شقّتها أثناء تفريغها. لم تطّلع دينيس على تلك اليوميّات إلا بعد شهرين، حين استدعاها والدها إلى غرفته. تروي دينيس تلك اللحظة: "حين عثرن على اليوميّات في شقّة نيكول وهنّ يفرّغنها بعد مقتلها، اتصل بي والدي إلى غرفته بعد شهرين تقريباً، وقال: دينيس، ألقي نظرة على هذا". تصف ما تلاه: "بدأت أقرأ، وفكّرت: يا إلهي، لماذا لم تخبرنا؟". كانت تلك اللحظة بداية سلسلةٍ طويلة من الأسئلة التي وصفتها ببساطة بأنّها "لماذا" أسئلةٌ ظلّت تلاحقها لسنوات. لجأت دينيس حينها إلى مديرة ملجأ نسائي محلّي لمساعدتها على فهم طبيعة الإساءة التي عاشتها شقيقتها، وكانت تلك بداية مسارها التثقيفي والدعوي في قضايا العنف الأسري، وسط ما وُصف إعلامياً بـ"محاكمة القرن". منذ ذلك الحين، أي على مدى واحدة وثلاثين سنة، جابت دينيس الولايات المتحدة للتوعية بهذا الملف، متحدّثةً في الملاجئ النسائية ومراكز الشرطة والجامعات والمستشفيات والكنائس وغيرها من المنصّات.
من أكثر ما آلمها، كما تقول في مذكّراتها، كانت "إيحاءاتٌ بأنّ أفراد العائلة كانوا غير مبالين بمعاناة نيكول"، وهو ما تصحّحه بقولها: "الحقيقة أنّ أحداً منّا لم يكن يعرف ما كنّا نواجهه... شقيقتي كانت متورّطةً لسبعة عشر عاماً في دائرةٍ يلعب فيها الإنكار دوراً كبيراً. أنكرت، وقلّلت من شأن ما تتعرّض له، واحتفظت بأسرارها وتلك الأسرار كلّفتها حياتها".
أرقامٌ لا تُميّز بين الطبقات
تؤكّد دينيس أنّ "العنف اللفظي والعاطفي والنفسي كلّه مقدّمة للعنف الجسدي، وللقتل". وهذا ما تسنده الإحصاءات الأمريكية المتداولة: أكثر من امرأةٍ واحدة من كل ثلاث نساء، وأكثر من رجلٍ واحد من كل ستة رجال، يتعرّضون لأشكالٍ من العنف الجسدي أو الجنسي أو المطاردة (Stalking) وهي أرقامٌ لا تشمل أصلاً أشكالاً أخرى من الإساءة غير الجسدية.
وتشدّد كايتي راي-جونز، الرئيسة التنفيذية للخط الساخن الوطني للعنف الأسري (National Domestic Violence Hotline)، على أنّ العنف الأسري "يطال كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وكل المستويات التعليمية، وكل المناطق الجغرافية، وكل الأعراق والهويات الجندرية لا أحد محصّنٌ من احتمال أن يكون ضحية أو ناجياً". وتكشف راي-جونز عن تجربتها الشخصية قائلة: "أنا ناجيةٌ بنفسي"، مستذكرةً كيف كان شريكها يسخر من طريقة تناولها الطعام أمام الآخرين قائلاً: "من اللطيف جداً الطريقة التي تمسكين بها الشوكة" في مثالٍ على كيف تُموَّه الإساءة بثوب المودّة.
كيف تبدأ الدائرة ولماذا يصعب رؤيتها؟
منذ عام 1984، طوّرت منظمة Domestic Abuse Intervention Programs في مدينة دولوث بولاية مينيسوتا ما يُعرف بـ"عجلة القوة والسيطرة" (power and control wheel)، وهي أداةٌ لتوصيف تكتيكات الإساءة التي تُبقي الضحايا داخل العلاقة. يغطّي القسم الداخلي من العجلة سلوكياتٍ أكثر دقّةً وصعوبةً في الملاحظة، بينما تمثّل الحلقة الخارجية العنف الجسدي والجنسي الصريح.
تقول سارة رونيون إنّ إساءةً خطيرة يمكن أن تقع "دون أن تُضرَب الضحية ولو مرّةً واحدة". فالعلامات العاطفية والذهنية والسلوكية والجسدية قد تبدأ في أي مرحلةٍ من العلاقة، وتشمل: تقلّبات المزاج، والقلق، والشكّ الذاتي، وتدنّي تقدير الذات، والانسحاب الاجتماعي، وتقليص التفاعل مع المحيط، إضافةً إلى التخلّي عن الهوايات، والتنازل عن فرص وظيفية، وإخفاء الإصابات، وظهور كدماتٍ بلا تفسير. أما الشريك المسيطر فقد يفرض قواعد اجتماعية صارمة، ويطالب بالوصول إلى الهاتف أو المحادثات الخاصة، ويعاقب على عدم الردّ على مكالمةٍ أو رسالة. ومن العلامات المبكّرة أيضاً: التسارع غير المعتاد في وتيرة العلاقة، والغيرة المفرطة، والاتهامات المتكرّرة بالمغازلة أو الخيانة.
تصف راي-جونز آلية تطوّر هذه العلاقات بدقّة: "لا أحد يختار إيذاءك ثم يلتقي بك ويقول: بعد ثلاثة أشهر سأصفعك على وجهك. إنهم يبنون معك علاقةً تبدو كالحبّ، ويكسبون ثقتك، ثم يبدأون باستخدام عجلة القوة والسيطرة بأساليب غالباً ما تكون خفيّةً في البداية. وقبل أن تدرك عمق ما أنت فيه، يكون قد حدث الكثير". وتضيف أنّ ما يحدث غالباً يبقى "خلف الكواليس"، إذ "تُقلَّل الإساءة من شأنها، وتُلقى المسؤولية على الضحية بصيغة: أنتِ السبب فيما يحدث".
عاشت دينيس نفسها هذا التصاعد السريع في عشرينياتها، حين انتقل صديقها خلال أسبوعٍ واحد فقط من فرض قيودٍ وتعليمات إلى خنقها فعلياً مثالٌ يوضّح كيف يمكن للعنف أن يتسارع بلا إنذارٍ واضح.
لماذا تبقى الضحية... ولماذا تعود أحياناً؟
ظلّت نيكول في علاقتها مع سيمبسون سبعة عشر عاماً وسط الإنكار والتكتّم. وتعترف دينيس بأنّ تعاملها مع شقيقتها حينها لم يكن دائماً صائباً: "قلت الأشياء الخاطئة لنيكول لأنّني لم أكن أفهم". فقد كان غضبها وإلحاحها عليها بالرحيل يبدوان لنيكول نوعاً آخر من السيطرة، كما تقرّ دينيس بنفسها: "كنت أفعل تماماً ما كان يفعله هو بها، أي محاولة التحكّم بما تفعله، وهذا شعورٌ غير جيّد بالنسبة لضحية عنفٍ أسري".
من هنا تنصح دينيس بطرح المخاوف في جلساتٍ خاصة بعيداً عن الشريك المشتبه بإساءته. وتتوافق هذه النصيحة مع ما تقوله تونيا مولتري-بيس، الرئيسة التنفيذية بالوكالة لشبكة National Network to End Domestic Violence: "هنّ يعرفن وضعهنّ أفضل من أي أحد، ويعرفن ما هو آمن وما ليس آمناً بالنسبة لهنّ للتفكير فيه".
وتوضّح دينيس في مذكّراتها لماذا يصعب على الناجيات اتخاذ القرار: "الناجيات يأملن أن تتحسّن الأمور، كما كانت في بداية العلاقة"، و"الشريك المسيء يَعِد بالتغيير، مستخدماً أساليب تلاعبية لإبقاء الناجية في العلاقة". وتضيف أنّ الضحية "رأت بوضوح شيئاً جيداً في المسيء في البداية"، لذا "قد يبدو من غير المعقول للضحية أن يكون المسيء قد قصد فعلاً أيّ أذى تسبّب به". يرتبط هذا التعلّق أيضاً بالذكريات المشتركة، والاستثمار العاطفي والمادي في العلاقة، والشعور بالخجل، وتدنّي قيمة الذات — عواملُ تجعل الانفصال معقّداً للغاية. وبحسب دينيس، تترك الضحايا شركاءهنّ المسيئين في المتوسّط ما بين سبع وعشر مرّاتٍ قبل أن يغادرن نهائياً.
لحظة الانفصال: الأكثر خطورةً لا الأكثر أماناً
يُعدّ الانفصال، بحسب المعطيات التي تستشهد بها دينيس، المرحلة الأخطر في العلاقة المسيئة، لا الأكثر أماناً كما قد يُظنّ. فنحو 77% من جرائم القتل المرتبطة بالعنف الأسري تقع عند الانفصال، كما تسجَّل زيادةٌ بنسبة 75% في مستوى العنف خلال فترةٍ تمتد لسنتين على الأقلّ بعد الانفصال. وتتقاطع هذه الإحصاءات مع قصة نيكول نفسها: "حين غادرت نيكول علاقتها أخيراً، كان ذلك قبل سنتين من مقتلها"، كما تقول دينيس.
تضاف إلى تعقيدات الانفصال عوائق عملية: انعدام الأمان المالي، ونزاعات حضانة الأطفال، ومعارك قضائية مطوّلة، وارتباطات بالحيوانات الأليفة، أو عوائق متعلّقة بالإعاقة. كما تشير الأبحاث إلى أنّ المرأة التي تعرّضت للخنق على يد شريكها تصبح أكثر عرضةً بسبعة إلى ثمانية أضعاف لاحتمال قتلها لاحقاً على يد الشخص نفسه — وهو معطىً بالغ الدلالة في سياق حالة نيكول التي كانت قد تعرّضت هي الأخرى لإساءاتٍ جسدية قبل مقتلها.
كيف تساعد دون أن تتحكّم؟
أمام هذا التعقيد، وُضع عام 2004 إطار عملٍ يُعرف اختصاراً بـ"TRUST" لتوجيه المحادثات مع ضحايا العنف الأسري، ويقوم على خمسة مبادئ: خصّص وقتاً للاستماع، احترم قيم الضحية وخياراتها، افهم مدى صعوبة وضعها وقدّم لها التعاطف والأمل، ادعم قراراتها، وأخبرها أنّ المساعدة متاحة منك ومن آخرين.
ويمكن لمختصّي الخط الساخن الوطني مساعدة من يقرّرن المغادرة على وضع خطط أمانٍ وإيجاد سكن، سواء عبر ملاجئ الطوارئ، أو السكن الانتقالي، أو مراكز إعادة التأهيل السكنية. كما يمكن للأصدقاء تقديم مساعداتٍ عملية: توفير مكان إقامة، أو وسيلة نقل، أو رعاية أطفال، أو رعاية حيوانات أليفة، أو تخزين أغراض، أو دعمٍ مالي. وتربط راي-جونز هذا النهج بفلسفةٍ أعمق: "نريد خلق مساحةٍ نعيد فيها السلطة إلى الضحية والناجية"، بحيث "تتّخذ قراراتها الخاصة وتشعر بأنّها مطّلعة ومتحكّمة في خطواتها ومسارها المقبل".
من مأساةٍ شخصية إلى تشريعٍ وطني
لم تقتصر دينيس على التثقيف الميداني؛ فقد شهدت أمام الكونغرس الأمريكي ولعبت دوراً محورياً في إقرار "قانون العنف ضد المرأة" (Violence Against Women Act)، الذي وقّعه الرئيس بيل كلينتون في سبتمبر 1994، أي بعد ثلاثة أشهرٍ فقط من مقتل نيكول. وقد تأسّس بموجب هذا القانون الخط الساخن الوطني للعنف الأسري، الذي يقدّم اليوم دعماً على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
بعد واحدةٍ وثلاثين سنة من رحلتها، لم تعد دينيس براون تتحدّث عن شقيقتها بوصفها "امرأةً معنَّفة" بالمعنى النمطي الذي حاربته طويلاً، بل بوصفها امرأةً قويةً وقعت ضحية نظامٍ من السيطرة تطوّر تدريجياً حتى فات الأوان. يبقى السؤال الذي يطرحه كتابها مفتوحاً أمام كل قارئ: كم من العلامات التي عاشتها نيكول صامتةً لسبعة عشر عاماً لا تزال تمرّ اليوم دون أن يلتفت إليها أحد؟
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

كورنيل تعيّن سالي يتس للتحقيق في التعامل مع اتهامات الاغتصاب

اللقطات المحفوظة من Snapchat في جامعة كورنيل تكشف تفاصيل جديدة عن الاعتداء
