مفاوضات إيران وأمريكا بين الغموض والوعود
تسابق الروايات حول مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الغامضة، بينما يسعى المفاوضون لإطلاق نصّ الاتفاق. هل ستنجح الإدارة في إنهاء الحرب ورفع العقوبات؟ اكتشف التفاصيل والتحديات في خَبَرَيْن.

-ثمّة نمطٌ متكرّر في الدبلوماسية: حين يُبرَم اتفاقٌ في غياب الشفافية، تتسابق الروايات لملء الفراغ الذي تركه النصّ. وهذا بالضبط ما يجري الآن حول مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.
كشف مسؤولون أمريكيون أنّ المفاوضين الأمريكيين يسعون إلى الإفراج عن نصّ الاتفاق مع طهران في أقرب وقت ممكن، غير أنّهم في الوقت ذاته يُقلّلون من أهمية الصياغة المكتوبة في الوثيقة ذاتها. و وصف المسؤولون نصّ الاتفاق بأنّه "مبهمٌ للغاية"، مصمَّمٌ أساساً لتهيئة مناخٍ ملائم للمحادثات التقنية المعمّقة المرتقبة وجهاً لوجه، فضلاً عن منح إيران هامشاً سياسياً يُمكّنها من تسويق الاتفاق داخلياً أمام جمهورها.
وأشار المسؤولون إلى أنّ نصّ مذكّرة التفاهم التي أكّد نائب الرئيس JD Vance يوم الاثنين أنّها لا تتجاوز صفحةً ونصف لا يعكس التزاماتٍ جوهرية أبلغتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية، وهو ما قالوا إنّه منحهم ثقةً أكبر في الانضمام إلى هذا الترتيب.
وقال أحد المسؤولين: "لا ينبغي للناس أن يُفرطوا في قراءة لغة مذكّرة التفاهم"، واصفاً الاتفاق بأنّه "وثيقةٌ سياسية". وأضاف: "ما هو أهمّ من الوثيقة الفعلية هو التفاهمات المتبادلة بيننا، ولهذا فإنّ إنجاز الاتفاق مهمٌّ لخلق البيئة المناسبة للحديث عن كلّ هذه الأمور، إذ تنصّ الوثيقة في جوهرها على أنّنا سنرفع العقوبات، وسنُبرم اتفاقاً نووياً، وسنُفرج عن الأموال المجمّدة. لكنّ رفع العقوبات مشروطٌ بإحراز تقدّم، وإطلاق الأموال رهينٌ بالاتفاق على الآليات اللازمة لذلك."
وأضاف المسؤول ذاته أنّ فريق المفاوضين "توصّل إلى صياغةٍ تُتيح لإيران قول ما تحتاج إلى قوله لأغراضها السياسية الداخلية."
مخاوف الصقور المحافظين
بيد أنّ هذه المعادلة تنطوي على مخاطر جدّية في الداخل الأمريكي. فقد عمل المسؤولون لأشهرٍ على التوصّل إلى اتفاقٍ مع إيران، سعياً لإنهاء حربٍ تفتقر إلى أفقٍ واضح وأسهمت في ارتفاع حادّ في أسعار الوقود. وسارع الصقور المحافظون إلى المطالبة بالاطّلاع على الإطار العام للاتفاق، في ظلّ شكوكٍ بأنّ الرئيس Donald Trump وإدارته قدّما تنازلاتٍ مفرطة في سبيل إنهاء الحرب.
ولا يتضمّن نصّ الاتفاق تفاصيلَ دقيقة حول الالتزامات الإيرانية المتعلقة بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وفقاً لشخصٍ اطّلع على النصّ، وذلك على الرغم من تأكيد Trump ومسؤولين آخرين أنّ الولايات المتحدة ستُشرف على تدميره. وبدلاً من ذلك، يُقرّر الاتفاق بصيغةٍ عامة أنّ إيران "تؤكّد من جديد أنّها لن تنتج أسلحةً نووية"، وهو التزامٌ أدلت به طهران أيضاً في الاتفاق النووي لعام 2015 إبّان إدارة Obama.
في المقابل، يُفصّل النصّ بشيءٍ من الوضوح التسهيلاتِ المالية التي ستحظى بها إيران في حال وفائها بالتزاماتها، بما في ذلك إمكانية الاستفادة مستقبلاً من صندوق تنموي بقيمة 300 مليار دولار، وفقاً للمسؤولين. وكان كلٌّ من Trump وVance قد أكّدا بشكلٍ قاطع أنّ هذا الصندوق لن يُموَّل بأموالٍ أمريكية.
ما تقوله القنوات الخلفية
يُحاجج المسؤولون الأمريكيون بأنّ إيران أبلغت الولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية باستعدادها لتقديم التنازلات التي تسعى إليها إدارة Trump، بما فيها السماح بمشاركة أمريكية في تدمير المواد المخصّبة في موقعها بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). وأوضح المسؤولون أنّ هذا التنازل لم يُدرَج صراحةً في الوثيقة.
أمّا فيما يخصّ الأصول الإيرانية المجمّدة، فيكتفي النصّ بالإشارة إلى أنّها ستُفرَج عنها وتصبح "متاحةً بالكامل" حين يُحرز تقدّمٌ في جولات التفاوض اللاحقة، دون تحديد جدولٍ زمني واضح.
ويُحدّد الاتفاق أيضاً حقّ إيران في بيع نفطها ومنتجاتها البتروكيماوية فور توقيع مذكّرة التفاهم، مع منح الولايات المتحدة إعفاءاتٍ من العقوبات تُتيح لها جني العوائد المالية من تلك المبيعات.
وحين سُئل مسؤولٌ أمريكي عن هذه الإعفاءات، وصف الاتفاق بأنّه "قائمٌ على الأداء"، مؤكّداً أنّ إيران "لن تحصل على أيّ مزايا من مذكّرة التفاهم إلّا إذا التزمت بجميع النقاط التي وافقت عليها بما فيها عدم امتلاك سلاحٍ نووي، وتحييد موادّها المخصّبة، وعدم التدخّل في حريّة الملاحة في مضيق هرمز."
الوثيقة في أروقة قمّة G7
وفي حين لم تُفصح الولايات المتحدة عن نصّ الاتفاق علناً، تتداول نسخٌ منه بين المسؤولين الأوروبيين وسائر أعضاء مجموعة الدول السبع (G7) المجتمعين في فرنسا على هامش قمّة المجموعة هذا الأسبوع، وفقاً لمصدرٍ مطّلع على المباحثات. وقد طالب القادة Trump بتوضيحاتٍ حول نقاطٍ بعينها خلال الاجتماعات المنعقدة في منتجع Évian-les-Bains الجبلي.
وقد أثار الغموضُ المحيط بنصّ الاتفاق ردود فعلٍ سلبية حتى من بعض حلفاء Trump، الذين تساءلوا عن سبب إبقاء إطارٍ موقَّع بالفعل طيّ الكتمان. وعلناً، أعرب Vance عن رغبة الولايات المتحدة في الإفراج عن الاتفاق، غير أنّه أشار إلى وجود "إجراءاتٍ دبلوماسية" تستوجب ذلك، وأنّ إيران والدول الوسيطة تريد "ترتيب" آليّة "الإعلان" عنه.
وقال Vance لقناة Fox News يوم الثلاثاء: "القطريون والباكستانيون توسّطوا في هذه المفاوضات بأسرها مع الإيرانيين، وطلبوا منّا فعلياً ترتيب طريقة الإعلان عنه."
وفي الكواليس، يحرص بعض مسؤولي Trump على الإفراج عن النصّ للرأي العام، لكنّهم منحوا إيران هامشاً من الوقت لاستكمال إجراءاتها الداخلية.
وقال أحد المسؤولين الأمريكيين: "نريد أن يُنشر النصّ. طلبوا منّا الانتظار حتى الجمعة للإعلان عنه، لكنّنا نسألهم إن كان بإمكاننا نشره قبل ذلك، وربّما نتمكّن من ذلك، وهذا ما نسعى إليه."
خامنئي وتعقيدات الداخل الإيراني
ومن العوامل المُعقِّدة للمشهد ما يتعلّق بالمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، الذي أبدى موافقةً ضمنية على مذكّرة التفاهم، وفقاً للمسؤولين، في حين تجري مناقشاتٌ داخلية حول إمكانية إصداره بياناً قبل حفل التوقيع الرسمي المقرّر يوم الجمعة في سويسرا. ويرى المسؤولون أنّ نشر النصّ علناً قد يُعرقل مساعي إصدار هذا البيان.
في غضون ذلك، أعلن Trump أمام الصحفيين يوم الثلاثاء أنّه ينتظر "مناسبةً رسمية" للإفراج عن الوثيقة، مؤكّداً أنّه يفخر بمضمونها لدرجة أنّه يستطيع تلاوتها كلمةً بكلمة أمام الكاميرات.
وقال أيضاً أنّ الجولة التالية من المحادثات لحلّ النقاط الخلافية ستكون "أيسر" من الجولة الأولى. وقد وصف أحد مسؤولي إدارة Trump هذه المرحلة التالية من المحادثات التقنية المعمّقة بأنّها "مرحلة اختبار" لإيران.
وتمتدّ هذه النافذة الزمنية لـ 60 يوماً، وتشمل محادثاتٍ مباشرة بين الوفدين الأمريكي والإيراني تبدأ هذا الجمعة، وستتيح لمسؤولي Trump تقييم مدى جدّية إيران في الوفاء بالتزاماتها والتنازلات النووية التي هي مستعدّةٌ لتقديمها.
وختم أحد المسؤولين بالقول: "تركيزنا منصبٌّ على الأمد البعيد للتوصّل إلى الاتفاق، وهو ما يتعلّق بالجوهر وبناء الثقة، وهذا أهمّ من إدارة الروايات."
ولعلّ ما يستحقّ إعادة النظر هنا هو الفرضيّة القائلة بأنّ وضوح النصّ المكتوب هو المعيار الفاصل في الاتفاقيات الدبلوماسية. فالتاريخ يُقدّم شواهدَ في الاتجاهين: ثمّة اتفاقاتٌ مُحكمة الصياغة انهارت لأنّ الإرادة السياسية لم تكن موجودة، وثمّة تفاهماتٌ ضمنية أثمرت لأنّ الأطراف كانت مستعدّةً لتحمّل تبعاتها. السؤال الحقيقي ليس ماذا تقول الوثيقة، بل هل الثقة المُبنية في القنوات الخلفية متينةٌ بما يكفي لتحمّل ثقل المرحلة التقنية القادمة؟ وهذا سؤالٌ لن تُجيب عنه الصياغة، بل ستُجيب عنه الأفعال.
أخبار ذات صلة

ترامب في فرنسا: كيف نجح في قمّة G7 رغم خلافات إيران

اتفاق أميركي إيراني من 14 نقطة: النص الكامل

الممتلكات البريطانية في المستوطنات الإسرائيلية: ملفٌّ يثير الجدل في لندن
