محادثات السلام بين أمريكا وإيران في مهب الريح
مئة يوم من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ولاتزال السلام بعيداً. تعرّف على محطات القرب والبعد في المفاوضات، والخلافات حول البرنامج النووي، وتأثيرها على الوضع الراهن. تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

مئة يوم مرّت على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ولا تزال اتفاقية السلام بعيدة المنال. غير أنّ الطرفين اقتربا من إبرام صفقةٍ في أكثر من مناسبة، ليتبدّد الأمل في كلّ مرّة قبل أن يتحوّل إلى واقع.
بدأت الحرب بما عُرف بـ«عملية الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury)، الحملة المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير. ردّت طهران بضربات استهدفت إسرائيل والأصول العسكرية الأمريكية في الخليج. وتوقّفت الأعمال العدائية إلى حدٍّ بعيد بعد أن دخل وقف إطلاق النار المؤقّت بوساطة باكستانية حيّز التنفيذ في 8 أبريل. ثمّ انهارت المحادثات المباشرة في إسلام آباد في 12 أبريل، وتبادل الطرفان منذ ذلك الحين سلسلة من مقترحات السلام عبر الوساطة الباكستانية. بيد أنّ توتّرات متكرّرة أعادت إلى الواجهة مخاوف من استئناف القتال الشامل.
فيما يلي استعراضٌ لكلّ مرّة اقترب فيها الطرفان من التوصّل إلى اتفاق، والأسباب التي أفضت في كلّ مرّة إلى انهياره.
المحادثات المباشرة في إسلام آباد
ما الذي جرى: في 11 و12 أبريل، التقى ممثّلو الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، في أولى المحادثات المباشرة بين البلدين منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ترأّس الوفد الأمريكي نائب الرئيس JD Vance، وضمّ المبعوث الخاص Steve Witkoff وصهر الرئيس Jared Kushner. وشمل الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وعلي باقري كني، العضو البارز في مجلس الأمن القومي الأعلى وكبير المفاوضين النوويين.
قبيل انطلاق المحادثات، أعلن قاليباف علناً أنّ وقف إطلاق النار الإسرائيلي في لبنان وتجميد الأصول الإيرانية في الخارج خطّان أحمران لا تتنازل عنهما طهران. وكانت إسرائيل تشنّ ضربات شبه يومية على لبنان منذ 2 مارس، وباتت تحتلّ نحو خُمس أراضيه، بعد أن شنّ حزب الله المدعوم إيرانياً ضرباتٍ على شمال إسرائيل رداً على الهجمات الأولية على طهران.
قال رئيس الوزراء الباكستاني Shahbaz Sharif في الليلة التي سبقت محادثات إسلام آباد: «هذه لحظة فارقة، إمّا السلام الدائم أو الانهيار الكامل».
ما الذي أخفق: كان هناك حديثٌ عن تمديد المفاوضات ليومٍ ثالث، وأشارت التقارير إلى أنّ المسؤولين الإيرانيين كانوا مستعدّين للبقاء، ممّا يوحي برغبتهم في مواصلة الحوار. غير أنّ الوفد الأمريكي قرّر إنهاء الجلسات. قال Vance عقب المحادثات: «لقد أمضينا 21 ساعة في هذا. الخبر الجيّد أنّنا أجرينا نقاشات جوهرية. الخبر السيّئ أنّنا لم نتوصّل إلى اتفاق».
وأضاف أنّ واشنطن كانت مرنة، لكنّ طهران رفضت قبول «عرضنا النهائي والأفضل»، مشيراً إلى أنّ الولايات المتحدة تحتاج إلى «التزامٍ إيجابي بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، ليس الآن فحسب، بل على المدى البعيد. ولم نرَ ذلك بعد».
وصف السفير الإيراني في إسلام آباد المحادثات بأنّها «ليست حدثاً، بل مسار» أرسى «الأساس» للانخراط المستقبلي. بيد أنّ البلدين لم يُجريا أيّ محادثات مباشرة منذ ذلك الحين.
وقد برزت القدرات النووية الإيرانية بوصفها نقطة خلافٍ محورية. يُعتقد أنّ إيران تحتفظ بنحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 بالمئة، وهو دون نسبة الـ90 بالمئة اللازمة لصنع أسلحة نووية، لكنّه يجعل الوصول إلى تلك النسبة أسرع بكثير. تؤكّد طهران منذ سنوات أنّ برنامجها النووي سلمي بحت، في حين تقول إسرائيل والولايات المتحدة والدول الغربية أنّ إيران تسعى لامتلاك قدرة على بناء أسلحة نووية، مستندةً إلى أنّ نسبة التخصيب الحالية تتجاوز بكثير ما تحتاجه برامج الطاقة النووية المدنية، والتي تتراوح بين 3 و5 بالمئة. وتطالب واشنطن بتسليم مخزون اليورانيوم المخصَّب بنسبة 60 بالمئة، وهو ما ترفضه إيران رفضاً قاطعاً.
قال Naysan Rafati، كبير محلّلي الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، إنّه في كلّ مرّة اقترب فيها الطرفان من الاتفاق «كان ثمّة تقدّمٌ في بعض الملفّات وجمودٌ في أخرى. الاقتراب وحده لا يكفي حتى لو بلغ الاتفاق 95 بالمئة، فإنّ الخمسة بالمئة المتبقّية هي الأصعب دائماً».
و أوضح Rafati أنّ الخلاف حول البرنامج النووي يتعلّق بالجوهر والتسلسل معاً: «طهران تريد تأجيل التفاصيل إلى مفاوضاتٍ لاحقة، بينما تسعى واشنطن إلى وضوحٍ أكبر منذ البداية. إنّه مزيجٌ من المألوف مخزون اليورانيوم المخصَّب والمسار المستقبلي للنشاط النووي والمستجدّات الأحدث».
ما الذي جرى بعدها: في غضون أربعة أيّام من وقف إطلاق النار وانهيار المحادثات المباشرة، أعلنت واشنطن فرض حصارٍ بحري على الموانئ الإيرانية بهدف تقليص قدرة طهران على تحقيق عائدات من مبيعات النفط وهو تصعيدٌ كبير أجهز على أيّ زخمٍ كان قائماً.
«وقف إطلاق النار» في لبنان
ما الذي جرى: في 16 أبريل، أعلن Trump أنّ إسرائيل ولبنان توصّلتا إلى وقف إطلاق نار لمدّة 10 أيّام، يتيح مواصلة المفاوضات نحو اتفاقٍ أمني وسلامٍ أكثر ديمومة. جاء ذلك بعد ستة أسابيع من المواجهات بين إسرائيل وحزب الله . وكانت هذه الجبهة الأكثر مباشرةً وكثافةً بين الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران وجيشٍ مدعوم أمريكياً. وقد أشارت طهران مراراً إلى أنّ إنهاء الأعمال العدائية في لبنان شرطٌ مسبق لأيّ خطّة سلامٍ أشمل، ممّا جعل وقف إطلاق النار اللبناني يُثير آمالاً بفتح الباب أمام هدنةٍ أوسع وأكثر رسوخاً مع إيران ذاتها.
منذ 2 مارس، استشهد أكثر من 3,000 شخص في لبنان، وهُجّر أكثر من مليون شخص من منازلهم.
ما الذي أخفق: واصلت إسرائيل ضرباتها على لبنان على الرغم من إعلان «وقف إطلاق النار». وتُقدّر المجلس النرويجي للاجئين (Norwegian Refugee Council)، وهو منظّمة إنسانية مستقلّة غير حكومية، أنّ نحو 600 شخص استشهدوا في الشهر الذي أعقب الإعلان.
قال Rafati: «ثمّة خطوطٌ حمراء لكلّ طرفٍ ثبت أنّها لا يمكن التوفيق بينها. وكما هو الحال في أيّ اتفاق، حتى لو تمكّنت من تضييق الفجوات بين المواقف، فإنّ نقاطَ خلافٍ بعينها قادرةٌ على تعطيل العملية برمّتها». وأكّد أنّ إيران تعدّ السلام في لبنان خطّاً أحمر من هذا القبيل.
إيران تلمّح إلى تخفيف القيود على مضيق هرمز
ما الذي جرى: في 17 أبريل، أي اليوم التالي للإعلان عن «وقف إطلاق النار»، كتب عراقجي على منصّة X: «تماشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، يُعلَن فتح مضيق هرمز بالكامل أمام جميع السفن التجارية طوال الفترة المتبقّية من وقف إطلاق النار».
وأكّد Trump في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ المضيق «مفتوحٌ بالكامل وجاهزٌ للعمل والمرور الحرّ».
كان مضيق هرمز نقطة اختناقٍ رئيسية في مسار مفاوضات السلام. منذ مطلع مارس، فرضت إيران قيوداً على الملاحة عبر المضيق، الممرّ المائي الضيّق الذي يربط منتجي النفط الخليجيين بالمحيط المفتوح، والذي كانت تمرّ عبره 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم قبل اندلاع الحرب. وقد أتاحت إيران المرور لسفن دولٍ بعينها، لكن مع إلزامها بالتفاوض مع الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) للحصول على إذن العبور، وأشارت تقارير إلى أنّ بعض السفن دفعت ما يصل إلى 2 مليون دولار للسفينة الواحدة في مرحلةٍ من مراحل الحرب.
وفي مقترحاتها السابقة لإنهاء الحرب، اقترحت إيران فرض رسوم عبور على المضيق، وهو ما رفضته واشنطن مراراً.
ما الذي أخفق: على الرغم من إعلان عراقجي، أعلن Trump عبر Truth Social أنّ الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية سيبقى «سارياً بكامل قوّته» حتى تتوصّل إيران إلى اتفاقٍ مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. ردّت إيران برفض ذلك، مؤكّدةً أنّه إذا كانت سفنها هي الأخرى عاجزةً عن المرور، فلن يُسمح لأيّ سفينةٍ أخرى بالعبور. ومنذ ذلك الحين، أطلقت إيران النار على سفنٍ أجنبية الراية أو استولت عليها وهي تحاول الإبحار عبر المضيق.
قال Rafati: «على خلاف جولات التفاوض السابقة التي تمحورت أساساً حول البرنامج النووي الإيراني، أفرزت الحرب مضيق هرمز بوصفه ملفّاً محورياً في المقدّمة». وأضاف: «الإيرانيون يريدون الحفاظ على شكلٍ من أشكال النفوذ على مضيق هرمز، بينما تسعى الولايات المتحدة وكثيرٌ من الحكومات الأخرى معها إلى العودة إلى الوضع السابق للحرب، حيث كانت الملاحة بعيدةً عن التهديد بالنيران وغير خاضعةٍ لأيّ رسوم». وأشار إلى أنّ «واشنطن تسعى أيضاً إلى تقليص أيّ متنفّسٍ مالي لطهران، سواءٌ في صورة تخفيفٍ للعقوبات أو الوصول إلى الأصول المجمّدة، دون تنازلاتٍ نووية ذات شأن».
Trump يفقد أعصابه مع Netanyahu
ما الذي جرى: في 1 يونيو، أجرى Trump مكالمةً هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu بشأن آخر تصعيدٍ إسرائيلي في جنوب لبنان، وفق ما نقله موقع Axios استناداً إلى مسؤولَين أمريكيَّين لم يُكشف عن هويّتهما ومصدرٍ ثالث اطّلع على تفاصيل المكالمة.
قبل يومٍ من تلك المكالمة، كانت القوّات الإسرائيلية قد سيطرت على قلعة بوفور الاستراتيجية وما يحيط بها من تلالٍ قرب النبطية في جنوب لبنان، المطلّة على نهر الليطاني بامتدادٍ بصري يصل إلى شمال إسرائيل.
جاءت مكالمة Trump أيضاً في سياق تهديد إيران بالانسحاب من المفاوضات احتجاجاً على استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان. وأفادت المصادر لـ Axios بأنّ Trump وجّه لـ Netanyahu اتّهاماتٍ بالجحود، و وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنّه «مجنون».
أشعل ذلك آمالاً بأن يُلوّح Trump أخيراً بسحب الدعم عن إسرائيل وإجبارها على وقف هجماتها على لبنان.
ما الذي أخفق: رغم أنّ Axios نقل عن مصدرٍ إسرائيلي لم يُكشف عن هويّته أنّ إسرائيل تعتزم وقف هجماتها على لبنان، فإنّ الضربات لم تتوقّف. في الجمعة التالية، استهدفت إسرائيل منطقة الناقورة، على الرغم من الإعلان في الخميس عن وقف إطلاق نارٍ مشروط برعايةٍ أمريكية. وأفادت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية بأنّ غارةً جوّية إسرائيلية استهدفت ليلاً مبنىً في بلدة الدويّر في قضاء النبطية بجنوب لبنان، أسفرت عن مقتل شخصٍ واحد. كما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء قسريّة لقرى عرنية وعانقون وكفر كيلا الثلاث في جنوب لبنان.
أخبار ذات صلة

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: أهدافٌ سهلة في الحرب الإيرانية

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً
