مفاوضات السلام بين أمريكا وإيران تثير الأمل
تسعى الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد فتح مضيق هرمز، لكن الخلافات لا تزال قائمة حول البرنامج النووي. اكتشف تفاصيل المفاوضات والتحديات التي تواجه الطرفين في هذا المقال من خَبَرَيْن.

بات الحديث عن اتفاقٍ أمريكي-إيراني يملأ الفضاء الدبلوماسي، وهو ما يدفعنا إلى التمييز بين ما قيل وما اتُّفق عليه فعلاً وما لا يزال محلَّ خلاف وهو تمييزٌ لا يمكن التهاون فيه حين يتعلّق الأمر بمنطقةٍ بهذه الحساسية.
أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump أنّ اتفاقاً محتملاً بين واشنطن وطهران لإنهاء أشهرٍ من الحرب بات "مُنجَزاً إلى حدٍّ بعيد"، مُثيراً آمالاً بأن تتراجع حدّة التوترات الإقليمية في أعقاب موجةٍ من المساعي الدبلوماسية التي أشركت دولاً عدة.
ويتضمّن مذكّرة التفاهم (MoU) المقترحة، بحسب ما أُفيد، إعادةَ فتح مضيق هرمز ذلك الممرّ البحري الحيوي لشحن النفط الخام والغاز إلى جانب محادثاتٍ تهدف إلى إنهاءٍ رسمي للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
غير أنّه على الرغم من التصريحات المتفائلة الصادرة عن Trump، يؤكّد المسؤولون الإيرانيون أنّ خلافاتٍ جوهرية لا تزال قائمة، لا سيما في ما يخصّ وضع مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والنزاعات المرتبطة بالجماعات المدعومة من طهران في لبنان.
فماذا قال Trump؟ وما الموقف الإيراني المضاد؟ وما نقاط الخلاف الجوهرية؟
ماذا قال Trump؟
أعلن الرئيس عبر منصّته الاجتماعية Truth Social يوم السبت أنّ اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإيران وعددٍ من دول المنطقة قد "أُنجز إلى حدٍّ بعيد"، وأنّ التفاصيل النهائية ستُعلَن قريباً.
وكتب Trump: "لقد أُنجز الاتفاق إلى حدٍّ بعيد، رهناً بالصياغة النهائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائر الدول الأخرى."
وأشار إلى أنّ الاتفاق المقترح يتضمّن إعادة فتح مضيق هرمز، الذي ظلّ مغلقاً فعلياً أمام معظم حركة الشحن منذ أن بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
و وصف Trump المقترح بأنّه "مذكّرة تفاهم تتعلّق بالسلام"، مشيراً إلى أنّ المباحثات أشركت كلاً من: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، وباكستان، و تركيا، ومصر، والأردن، والبحرين.
وأفاد Trump بأنّه أجرى اتصالاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، وصفه بأنّه "سار بشكلٍ جيد للغاية".
وأفادت مصادر لوكالة Reuters بأنّ الإطار المقترح سيُنفَّذ على مراحل: إنهاء الحرب رسمياً، ثمّ حلّ أزمة مضيق هرمز، ثمّ فتح نافذة تفاوض مدّتها 30 يوماً للتوصّل إلى اتفاقٍ أشمل وأكثر ديمومة، مع إمكانية التمديد.
وفي السبت، نقلت صحيفة The New York Times أنّ مسوّدة الاتفاق تتضمّن "التزاماً ضمنياً" من إيران بالتخلّي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، مستندةً إلى مسؤولَين أمريكيَّين لم تُكشَف هويّتاهما، مع الإشارة إلى أنّ آليات نقل هذا المخزون أو التخلّص منه ستُعالَج في مرحلةٍ لاحقة من المفاوضات.
ماذا قالت إيران؟
أكّد المسؤولون الإيرانيون أنّ المفاوضات جارية وأنّ بعض التقدّم قد أُحرز، غير أنّهم دفعوا ببعض ادّعاءات Trump.
وبحسب ما نقلته وكالة Tasnim الإيرانية شبه الرسمية، تتضمّن مذكّرة التفاهم بين طهران و واشنطن خارطةَ طريق لإنهاء الحرب على جميع الجبهات، مع تعليق الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على النفط الإيراني خلال فترة المفاوضات.
وأضافت Tasnim أنّ إيران لم تقبل بعدُ أيَّ إجراءاتٍ تخصّ برنامجها النووي، مشيرةً إلى أنّ الاتفاق المحتمل يُخصّص 30 يوماً للإجراءات المتعلّقة بمضيق هرمز، و60 يوماً للمحادثات النووية.
في المقابل، أفادت وكالة Fars الإيرانية المرتبطة بالدولة في وقتٍ مبكر من يوم الأحد بأنّ الاتفاق سيُتيح لإيران إدارة مضيق هرمز، وأنّ تصريح Trump بشأن هذا الممرّ المائي الحيوي الذي كان يمرّ عبره ما يقارب خُمس شحنات النفط العالمية "لا يتّسق مع الواقع".
وفي السبت، وصف المتحدّث باسم وزارة الخارجية الإيرانية Esmaeil Baghaei المقترحَ الأخير بأنّه "اتفاق إطاري" أو مذكّرة تفاهم ستُرسي أولاً المبادئَ العامة قبل التفاوض على التفاصيل خلال 30 إلى 60 يوماً.
وقال Baghaei: "شهد هذا الأسبوع توجُّهاً نحو تراجع الخلافات، غير أنّ ثمّة قضايا لا تزال بحاجة إلى نقاشٍ عبر الوسطاء. سنضطرّ إلى الانتظار لنرى أين ستنتهي الأمور في الأيام الثلاثة أو الأربعة القادمة."
و أوضح لوكالة IRNA الإيرانية أنّ الأولوية الفورية لطهران هي إنهاء الحرب، ووقف أيّ هجماتٍ أمريكية مستقبلية، وإيقاف القتال في لبنان.
ما نقاط الخلاف الرئيسية؟
مضيق هرمز
يُمثّل مضيق هرمز الممرّ الشحني العالمي الحيوي الذي يربط الخليج ببحر العرب أحد أبرز نقاط الخلاف بين طهران وواشنطن. وقبل اندلاع الحرب، كان يمرّ عبر هذا المضيق خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم.
تتمسّك إيران بسيادتها على هذا الممرّ المائي الواقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، ولا يدخل في نطاق المياه الدولية. وقد طرحت فكرة فرض رسومٍ على العبور، في حين تطالب الولايات المتحدة بحرية الملاحة الكاملة.
وكانت إيران قد أغلقت المضيق فعلياً بحظر العبور فيه عقب اندلاع الحرب، مع شنّ هجماتٍ على السفن وزرع ألغامٍ بحرية بحسب ما أُفيد. وبعد أيامٍ من سريان وقف إطلاق النار في 8 أبريل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً من جانبها، إذ باتت قواتها البحرية تُعيق الموانئ الإيرانية لإجبار طهران على إعادة فتح هذا الممرّ الحيوي، ممّا أضاف عقبةً إضافية أمام المفاوضات.
البرنامج النووي الإيراني
تُشكّل القضية النووية الإيرانية، ولا سيما مخزون اليورانيوم المخصَّب، نقطةَ خلافٍ محورية أخرى.
تطالب الولايات المتحدة وإسرائيل بوقفٍ كاملٍ لعمليات تخصيب اليورانيوم، متّهمتَين إيران بالسعي لامتلاك أسلحةٍ نووية دون تقديم أدلّةٍ علنية تدعم هذا الاتهام.
في المقابل، تؤكّد إيران أنّ برنامجها النووي مخصّصٌ للأغراض المدنية حصراً، وهي دولةٌ موقّعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) لعام 1970.
وفي عام 2015، انضمّت الولايات المتحدة في عهد الرئيس Barack Obama إلى خطّة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي وافقت إيران بموجبها على تحديد سقف التخصيب عند 3.67 بالمئة أي أقلّ بكثيرٍ من المستوى اللازم لصنع الأسلحة مع السماح بعمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) للتحقّق من عدم سعيها لامتلاك أسلحةٍ نووية، مقابل تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها.
غير أنّ Trump انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، على الرغم من تأكيد IAEA آنذاك أنّ إيران كانت تمتثل لبنوده.
وفي مارس 2025، أخبرت Tulsi Gabbard، مديرة الاستخبارات الوطنية الحالية، الكونغرسَ بأنّ الأجهزة الاستخباراتية لا تزال "تُقيّم أنّ إيران لا تبني سلاحاً نووياً".
هل الاتفاق قابلٌ للتحقّق؟
ولنمنح هنا الحجّة المقابلة حقّها الكامل: يرى بعض المحلّلين أنّ مذكّرة التفاهم لا تتضمّن تنازلاتٍ جوهرية من أيٍّ من الطرفين، وأنّ الفجوة بين الخطاب والواقع التفاوضي لا تزال واسعة. وهذا تقييمٌ لا يمكن تجاهله.
بيد أنّ Trita Parsi، الخبير في الشؤون الإيرانية والمؤسّس المشارك لمعهد Quincy، يرى أنّ مذكّرة التفاهم المتّفق عليها بين إيران والولايات المتحدة، وإن خلت من تنازلاتٍ جوهرية كبرى من أيٍّ من الجانبين، إلا أنّها تُمثّل على أقلّ تقديرٍ دليلاً على استعدادٍ للتحرّك نحو اتفاقٍ أشمل.
وقال Parsi : "التقييم الحقيقي لمن تراجع أولاً لن يتّضح إلا حين نرى النتيجة النهائية، بعد أن نقضي 30 يوماً أخرى وآملُ ألّا يطول الأمر أكثر من ذلك حتى نصل إلى اتفاقٍ نهائي بشأن الملفّ النووي."
وأضاف أنّه ليس واضحاً ما إذا كانت إيران ستحصل مباشرةً على تعويضاتٍ عن الحرب وهو مطلبٌ رئيسي لها غير أنّه أشار إلى أنّه إذا رُفعت العقوبات وعُولجت القضية النووية، "فسيكون ذلك على الأرجح اتفاقاً أكبر من اتفاق Obama عام 2015".
ومن جهةٍ أخرى، أشار محلّلون إلى أنّ موافقة إسرائيل ستكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان بالإمكان التوصّل إلى اتفاق.
وقالت الأكاديمية Setareh Sadeqi إنّ رسالةً وُجِّهت إلى Trump مفادها أنّ ثمّة رغبةً إقليمية واضحة في التوصّل إلى اتفاقٍ وتحقيق السلام، غير أنّ الرسائل كانت في أحيانٍ كثيرة متضاربة.
و أوضحت Sadeqi، الأستاذة المساعدة في الدراسات العالمية بجامعة طهران: "نرى كلا الطرفين يقول إنّهما قريبان جداً وبعيدان جداً في آنٍ واحد، وأنّ الخيار العسكري لا يزال مطروحاً على الطاولة."
وأشارت إلى أنّ التحدّي الحقيقي أمام Trump يكمن في ما إذا كان بمقدوره تجاوز المصالح الإسرائيلية ودفع الاتفاق إلى الأمام، في ظلّ تقاريرٍ تفيد بأنّ إسرائيل تسعى إلى إجهاض أيّ اتفاق.
وهنا يكمن السؤال الجوهري الذي ينبغي للمراقب الجادّ أن يضعه في صدارة تحليله: هل تملك واشنطن فعلاً الإرادة السياسية للمضيّ في اتفاقٍ قد يصطدم برفضٍ إسرائيلي صريح؟ الإجابة عن هذا السؤال، لا الخطاب التفاؤلي المتبادَل، هي ما سيحدّد مصير هذا المسار برمّته.
أخبار ذات صلة

محادثات أمريكية-إيرانية: روبيو يعلن "تقدماً ملموساً" نحو إنهاء الحرب

الولايات المتحدة والشرق الأوسط: ترامب ينشر علماً أمريكياً يغطّي إيران

فرنسا تمنع وزير إسرائيلي يميني متطرف من دخول أراضيها بسبب إساءته للناشطين
