قصة طفلة أوكرانية تتحدى الحرب بالجمباز والإرادة
ساشا الطفلة الأوكرانية التي فقدت ساقها في الحرب لم تستسلم بل عادت لتتألق في الجمباز الإيقاعي وتلهم العالم بجولة رقص الحرية التي تحكي قصة نضال أطفال أوكرانيا وشغفهم بالحياة خَبَرَيْن

في مايو 2022، كانت الطفلة الأوكرانية ساشا باسكال، ذات العشر سنوات، تقضي وقتاً هانئاً مع والدتها ماريا في قرية زاتوكا الساحلية الجميلة بمنطقة أوديسا جنوب غرب أوكرانيا. كان يوماً مشمساً، وكانتا تستعدّان للتوجّه إلى الشاطئ، حين انقلبت حياتهما رأساً على عقب في لحظاتٍ معدودة.
كانت روسيا قد شنّت غزوها الشامل لأوكرانيا قبل ثلاثة أشهر، في فبراير 2022، لكنّ ذلك اليوم لم يحمل أيّ إنذار بالخطر القادم. لم تدُق صفارات الإنذار في الحيّ، ولم تسمع الأمّ ولا ابنتها شيئاً مريباً، قبل أن يضرب صاروخٌ منزلَهما الساحلي، فيحوّله إلى ركامٍ من الحجارة وقضبان الحديد وألواح الخرسانة.
رغم أنّ ماريا فقدت وعيها لوهلةٍ جرّاء الانفجار، فإنّها لا تزال تتذكّر المشهد بكلّ تفاصيله، وقد رَوَتْه لـمتحف أصوات المدنيين: "كانت ابنتي مستلقيةً على بطنها، وكانت لوحةٌ خرسانية ثقيلة جداً وكبيرة جداً تجثم على ساقها. كانت ذراعها مخلوعةً حتى بدت العظام للعيان، وكان إصبعها متدلّياً. وكانت رأسها مليئةً بالكدمات."
أسرع الجيران لمساعدة ماريا على رفع اللوح الخرساني عن ساق ساشا المسحوقة، وانطلقوا بها إلى المستشفى، حيث أمضت 15 يوماً في العناية المركّزة في غيبوبةٍ اصطناعية. كان الأطباء في البداية أكثر قلقاً من تداعيات إصابةٍ بالغة في الرأس، غير أنّهم اكتشفوا لاحقاً أنّ الدورة الدموية في ساقها اليسرى قد توقّفت وبقيت الساق باردة، فلم يجدوا بُدّاً من بترها.
كان يمكن لهذه المأساة أن تُنهي مسيرةً رياضية واعدة في مهدها، لكنّ ساشا لم تكن من هذا الطراز. قالت : "شغفي بالرياضة أكبر من خسارتي." وبعد سبعة أشهر من إعادة التأهيل وتعلّم المشي بساقٍ اصطناعية، عادت إلى صالة التدريب. ثمّ، بعد سبعة أشهرٍ أخرى فحسب، عادت إلى رياضتها المفضّلة الجمباز الإيقاعي لتفوز بمنافستها الأولى وهي تؤدّي تمريناتها بساقٍ اصطناعية في مدينة تشورنومورسك.
قالت: "الجمباز من أهمّ الأشياء في حياتي. أحبّه كثيراً. إنّه فرصتي اليومية للبقاء بصحّةٍ جيدة، وهو شغفي."
هذا الشغف أهّلها لنيل وسام "مستقبل أوكرانيا" الذي منحها إيّاه الرئيس فولوديمير زيلينسكي والسيدة الأولى أوليناً زيلينسكي العام الماضي. واليوم، أخذها هذا الشغف إلى أصقاعٍ شتّى من أرجاء العالم.
الرقص من أجل الحرية
تتواجد ساشا حالياً في طوكيو، تستعدّ للمحطّة الأخيرة من جولة "رقصة الحرية" (Dance of Freedom Tour)، وهي مبادرةٌ عالمية أطلقتها مؤسسة Rinat Akhmetov بالشراكة مع نادي FC Shakhtar Donetsk لكرة القدم، بهدف تضخيم أصوات الأوكرانيين الذين مسّت الحرب حياتهم. وتُهدى هذه الجولة أيضاً إلى الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال أوكرانيا المرتقبة في 24 أغسطس، إذ تربط قصّة ساشا الشخصية بنضال بلادها المستمرّ من أجل الحرية.
خلال الأسبوعين الماضيَين، أحيت الطفلة عروضها في باريس، وفي ميدان Times Square بنيويورك، وفي ريو دي جانيرو، وفي نيروبي، قبل أن تصل إلى اليابان؛ تُقدّم موهبتها للعالم، وتستخدم الرقص لغةً كونية تحكي من خلالها قصّتها وقصّة وطنها.
قالت: "إنّها تجربةٌ لا تُصدَّق. كلّ مدينةٍ رائعةٌ وجميلةٌ بطريقتها الخاصّة، وأنا سعيدةٌ جداً بالسفر لأنّه فرصةٌ لأصرف ذهني عمّا يجري في أوكرانيا."
والدتها، المشجّعة الأولى التي رافقتها في كلّ خطوة، تحضر كلّ عرض. قالت ماريا: "إنّها لا تُكسر. قويّةٌ جداً ومتحفّزة. نحن فخورون جداً بها لأنّها، رغم صغر سنّها، باتت قدوةً لكثيرٍ من الناس الذين يمرّون بظروفٍ مشابهة. لم نضغط عليها قطّ؛ ما تفعله يصدر عنها هي، ونحن ندعمها في رغبتها بممارسة الجمباز."
أطفال أوكرانيا لا يزالون يحلمون
مع دخول الحرب عامها الخامس، يتواصل الثمن الذي يدفعه أطفال أوكرانيا. وفقاً لـUNICEF، لا يزال أكثر من ثلث أطفال البلاد ما يقارب 2.6 مليون طفل نازحين عن ديارهم. وقد لقي أكثر من 3,200 طفل حتفهم أو أُصيبوا منذ 24 فبراير 2022، فيما تضرّر أو دُمّر أكثر من 1,700 مدرسة ومنشأة تعليمية، ممّا حرم طفلاً من كلّ ثلاثة أطفال من التعليم الحضوري بدوام كامل.
الوضع بالغ الخطورة، وهو ما جعل عمل مؤسسة Rinat Akhmetov أكثر أهميةً من أيّ وقتٍ مضى. قال يوري سفيريدوف، عضو مجلس الرقابة في المؤسسة: "منذ اندلاع الحرب، تنامى دور المؤسسة تنامياً ملحوظاً. لقد مرّ هؤلاء الأطفال بمرحلةٍ بالغة القسوة، ولا نريد لأيّ أطفالٍ في العالم أن يعيشوا ما عاشوه. لكنّنا نؤمن بأنّ الحرب ستنتهي يوماً ما، وأنّ أطفالاً كساشا سيتطوّرون ويتعلّمون. كما قالت هي: 'شغفي بالرياضة أكبر من خسارتي.' هذه عبارةٌ قويّة جداً من فتاةٍ لا تتجاوز العشر سنوات. أؤمن بأنّها ستحقّق الكثير في المستقبل، وسنواصل دعمها."
رغم كلّ ما مرّت به، تواصل ساشا إلهام الناس حول العالم وتذكيرهم بأنّ أطفال أوكرانيا لا يزالون يحملون أحلاماً لا يمكن لأيّ ظرفٍ قاسٍ أن يخمدها. وحلمها هي واضح: "المشاركة في دورة الألعاب البارالمبية في بريزبن بعد ستّ سنوات والفوز بالميدالية الذهبية"، إن أُدرج الجمباز الإيقاعي في البرنامج.
ولا يبدو من الحكمة أن يراهن أحدٌ ضدّها. فقد فازت في وقتٍ سابق من هذا العام بميداليةٍ ذهبية في بطولة Carla's Rhythmic Cup المرموقة، وهي منافسةٌ دولية في الجمباز الإيقاعي تُقام سنوياً في رومانيا.
وفي الأسبوع الماضي في نيويورك، أسدى إليها بطل العالم السابق للملاكمة في وزن الثقيل الموحَّد أوليكساندر أوسيك الحائز على ميداليةٍ ذهبية أولمبية في لندن 2012 نصيحةً لتحويل حلمها إلى واقع: "افعلي ما فعلته أنا في الماضي: خذي ورقةً واكتبي اسمك وأنّك بطلةٌ أولمبية. اقرئيه كلّ يوم وسيمنحك الدافع."
أمّا الرئيس الأوكراني زيلينسكي، فقد ترك لها رسالةً واحدة حين التقيا: "لا تستسلمي أبداً، وامضي إلى الأمام دائماً."
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

كورنيل تعيّن سالي يتس للتحقيق في التعامل مع اتهامات الاغتصاب

نيكول براون سيمبسون: رسالة أختها حول العنف الأسري
