الطائرات المسيّرة الأوكرانية تغير قواعد المواجهة الحربية
في خضم الحرب في أوكرانيا تسيّر كتيبة Kairos مئات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى تضرب عمق روسيا مستهدفة النفط والتجارة الإلكترونية لتفرض ضغطا اقتصاديا وعسكريا غير مسبوق يعزز معنويات الجنود ويغير قواعد المواجهة خَبَرَيْن

في حقلٍ زراعي في شرق أوكرانيا، يقطع أزيز محرّكٍ متقطّع صوتَ الجنادب والعنادل.
ثمّ تتعالى أصوات رجالٍ تتداخل كلماتهم، قبل أن يبلغ المشهد ذروته: صوتٌ حادٌّ يشبه مقصّاً يشقّ ورق التغليف. يثقب الليل، وتضيء لحظةٌ وميضٌ قصير من اللهب حقلَ عبّاد الشمس في الأسفل.
"مثل الأوركسترا تماماً، كلّ عنصر يجب أن يعمل بانسجام مع الآخر حتى نحقّق ضرباتٍ فعّالة"، يقول العقيد Ray، قائد كتيبة Kairos التابعة للواء Magyar's Birds.
تتسلّق الطائرة المسيّرة، التي يبلغ طولها نحو طول سيارة SUV المدمجة بجناحَين يمتدّان قرابة 6 أمتار، في عتمة الليل. وجهتها لا يعرفها إلّا هو.
قبل أن تبلغ هدفها، ستقطع الطائرة مسافتها بسرعةٍ تقارب 160 كيلومتراً في الساعة، على ارتفاعاتٍ تُقاس بالآلاف من الأمتار، مخترقةً أجواء المدن المقصوفة وخطوط المواجهة الممتدّة على طول الجبهة الأوكرانية. وحين تبلغ ارتفاعها المقرّر، تُحوَّل السيطرة عليها إلى مركز قيادةٍ في مكانٍ آخر من أوكرانيا.
"يمكن التحكّم بها من ولاية Pennsylvania متى صعدت إلى الجوّ"، يقول المتحدث باسم اللواء، شارحاً كيف تعتمد هذه الطائرات على الأنظمة الفضائية في الملاحة.
التوسّع والتصعيد
على طول مسارها، تتحاشى الطائرة المسيّرة المدن والتجمّعات السكانية حيث يتهدّدها خطر الاعتراض.
تتدفّق بيانات منظومات الدفاع الجوّي الروسية إلى طواقم التخطيط، ممّا يمنح المئات من الطائرات التي تُطلقها أوكرانيا في بعض الليالي أفضل حظٍّ للنفاذ عبر تلك المنظومات.
وفي الفترة الأخيرة، باتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية بعيدة المدى تضرب أهدافاً تتجاوز أحياناً 2,500 كيلومتر داخل الأراضي الروسية، لتطال مدناً كموسكو وسانت بطرسبرغ، وتتخطّى جبال الأورال لتصل إلى سيبيريا.
وتشمل أهدافها مصافي النفط والمصانع والمستودعات.
وإن كانت الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ليست جديدةً على هذه الحرب، فإنّ حجم توظيفها قد تغيّر تغيّراً جوهرياً. تُنتج أوكرانيا اليوم طائراتها الهجومية أحادية الاتجاه بالمئات، ممّا أتاح لها تجاوز القيود التي كانت تفرضها شركاؤها الغربيون وتحول دون ضربها العمق الروسي.
حين بدأت أوكرانيا تصعيد هذه الضربات في مارس، حثّها بعض الحلفاء الغربيين على ضبط النفس. كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قد زعزعت أسواق الطاقة العالمية، وبدت الضربات الأوكرانية المتصاعدة على البنية التحتية للطاقة الروسية مرشّحةً لإضافة مزيدٍ من الضغط. لكنّ كييف مضت في طريقها.
بدأ المسؤولون الأوكرانيون يصفون هذه الضربات بـ"العقوبات بعيدة المدى"، في إشارةٍ ساخرة مفادها أنّ كييف تفرض عبر طائراتها المسيّرة الضغطَ الاقتصادي الذي عجزت العقوبات الغربية عن تحقيقه.
منطق هذا الطرح يرتكز على أنّ صناعة النفط والغاز الروسية لا تزال تمثّل رافداً ماليّاً حيويّاً للدولة، إذ تُشكّل نحو خُمس إيرادات الموازنة الاتحادية.
غير أنّ الحملة الأوكرانية بعيدة المدى توسّعت في الآونة الأخيرة لتتجاوز قطاع النفط والغاز. ومن بين الأهداف التي طالتها Wildberries، أكبر منصّات التجارة الإلكترونية في روسيا. تقول أوكرانيا إنّ هذه المنصّة تُستخدم لبيع سلعٍ ذات استخدامٍ مزدوج، مستشهدةً بعروضٍ تشمل الدروع الواقية وخوذ الجنود وقطع الطائرات المسيّرة وكابلات الألياف الضوئية المستخدمة في الطائرات التي تحصد أرواح الجنود والمدنيين الأوكرانيين على حدٍّ سواء.
"ثلاثون بالمئة من السلع ذات الاستخدام المزدوج أو العسكرية تُشترى وتُباع عبر منصّة Wildberries من قِبَل وزارة الدفاع الروسية"، يقول ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني،.
ويُحدّد ثلاثة أهدافٍ لهذه الضربات:
"أوّلاً، الخوف. ثانياً، الخسائر خسائر تجارية، وإيرادات ضائعة، وبضائع مُتلَفة. وثالثاً، جعل الروس يحسّون بواقع الحرب فعلاً."
'مثل مباراة الملاكمة'
عند موقع الإطلاق، يُسرع الجنود في تغيير موقعهم. ستّ طائراتٍ أُطلقت في نحو خمس دقائق، وكلّ وميضٍ يحمل خطر كشف الموقع أمام طائرات الاستطلاع الروسية. لأطقم تدير حملةً تتوغّل أعمق فأعمق في الأراضي الروسية، يبقى التخفّي شرطاً وجودياً.
هذه الستّ مجرّد جزءٍ من مئات الطائرات التي ستُطلَق تلك الليلة، يقول العقيد Ray. وفي الليلة التالية، سيعود فريقه على الأرجح ليكرّر المشهد ذاته.
"إنّها مثل مباراة ملاكمة"، يقول واصفاً الحرب. "في الجولات العشر الأولى، الاحترافية هي ما يصنع الفارق. لكن في الجولتَين الأخيرتَين، الروح المعنوية تصبح هي الأخرى في الميزان."
يرى Ray أنّ نجاح أوكرانيا في ضرباتها العميقة أسهم في رفع معنويات كثيرٍ من الجنود. ومع استمرار الحرب في طحنها البطيء، تتحوّل المعركة أكثر فأكثر إلى اختبار صمودٍ وتحمّل.
"يعود الأمر كلّه إلى سؤالٍ واحد: لماذا نفعل هذا؟ أعتقد أنّ الروس لا يعرفون حتى الآن لماذا يفعلون ما يفعلون. أمّا رجالنا، فلديهم فهمٌ واضح لما نناضل من أجله لأنّنا ندافع عن شعبنا وأرضنا."
أخبار ذات صلة

بيع أوكرانيا 10% من منظومات باتريوت الأمريكية سيدمّر كل الصواريخ الروسية، يقول زيلينسكي

هجوم درون أوكراني على نيجنيكامسك الروسية يسفر عن مقتل 13 على الأقل

القوات الروسية تشن هجوماً "وحشياً" على أوديسا وتقتل عشرات
