خَبَرَيْن logo

فرص تركيا الاقتصادية في ظل صراع الولايات المتحدة وإيران

تستغل تركيا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لتعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي. مع حوافز جديدة لجذب الاستثمارات، تسعى أنقرة لتحويل إسطنبول إلى وجهة آمنة للمستثمرين، رغم التحديات الاقتصادية. اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء حديثه حول تأثير الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد التركي، مع التركيز على تعزيز إسطنبول كمركز مالي عالمي.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان [ملف: ماركو سيمونشيللي/أ ف ب]

تُلقي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران بظلالها الثقيلة على المشهد الاقتصادي في المنطقة، وتجد تركيا نفسها في موقعٍ بالغ الدقّة: فمن جهة، أربكت هذه الحرب مساعي الحكومة التركية لإنعاش اقتصادٍ لا يزال يتعافى من واحدة من أشدّ أزماته المالية في تاريخه الحديث. ومن جهةٍ أخرى، فتحت أمامها نافذةً قد لا تتكرّر.

فرغم أنّ الصراع رفع أسعار الوقود في البلاد واضطرّ السلطات إلى الاستنزاف من احتياطياتها الثمينة من العملات الأجنبية دفاعاً عن الليرة، فإنّه في الوقت ذاته قدّم لأنقرة فرصةً للترويج لتركيا بوصفها نموذجاً للأمن والاستقرار أمام الشركات والمستثمرين.

فبينما ألحقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أضراراً بالغةً بالبنية التحتية في الإمارات والسعودية وقطر، خرجت تركيا المحمية بمنظومة الدفاع الجوي لحلف NATO بعيداً عن الأذى إلى حدٍّ بعيد.

'أبواب جديدة'

شاهد ايضاً: ترامب: "إسرائيل لم تقنعني بحرب ضد إيران"

لم يُخفِ المسؤولون الأتراك رغبتهم في استثمار الظلّ الذي ألقاه الصراع الذي يشهد حالياً هدنةً مدّتها أسبوعان بين الولايات المتحدة وإيران على مراكز الأعمال الإقليمية كدبي والدوحة والرياض.

في تصريحاتٍ أدلى بها مطلع الشهر الجاري، وصف الرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan الحرب بأنّها تُعزّز طموحات أنقرة لتحويل إسطنبول إلى مركزٍ مالي عالمي بارز. وكان Erdogan قد التقى الشهر الماضي بأربعين رئيس تنفيذي من كبار الشركات العالمية لبحث سبل تعزيز تنافسية بلاده.

وقال Erdogan في بيانٍ نشره على وسائل التواصل الاجتماعي: "كما في فترة الجائحة، نؤمن من أعماقنا بأنّ هذه الأزمة العالمية أيضاً ستفتح أمام بلادنا أبواباً جديدة."

شاهد ايضاً: إيران والولايات المتحدة بعيدتان عن اتفاق وسط أزمة مضيق هرمز

ناطحات سحاب حديثة في إسطنبول تحت سماء زرقاء، تعكس طموحات تركيا في تعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي amid regional economic shifts.
Loading image...
مركز إسطنبول المالي في إسطنبول، تركيا، في 25 يوليو 2024 [ملف: ديلا را سنكايا/رويترز]

وسرعان ما أكّد وزير الخزانة والمالية التركي Mehmet Simsek أنّ الحكومة تُعدّ حوافز "جذرية" لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

شاهد ايضاً: إيران تُغلق مضيق هرمز مجدّداً احتجاجاً على الحصار الأمريكي لموانيها

وأشار Bilal Bagis، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة Fatih Sultan Mehmet Vakıf بإسطنبول، إلى أنّ تحسّن الاستقرار الاقتصادي التركي في أعقاب أزمة الديون عام 2018، إلى جانب الحوافز المالية المتنوّعة، أسهما في إعادة تموضع البلاد بوصفها مركزاً إقليمياً و"ملاذاً آمناً".

وقال Bagis : "بيئةٌ استثمارية مفتوحة، وسهولة في الدخول، وحزم حوافز شاملة جديدة كلّ هذا يُفترض أن يُعزّز مكانتها."

وبينما لم تُؤكّد أنقرة بعدُ تفاصيل الإجراءات المرتقبة، أوضح Guney Yildiz، المستشار التركي الأصل في Anthesis Group والذي يتعامل مع عملاء في منطقة الخليج، أنّها ستشمل على الأرجح إعفاءاتٍ ضريبية للشركات التي تُتمّ صفقاتها عبر كياناتٍ تركية دون استيراد البضائع فعلياً إلى البلاد.

شاهد ايضاً: شركات الشحن تطلب توضيحات قبل عبور مضيق هرمز

وقال Yildiz : "بمعنى أنّ تاجر سلعٍ أو شركة لوجستية ستُسجّل معاملاتها عبر إسطنبول وتحصل على ميزةٍ ضريبية حقيقية مقابل ذلك."

وأضاف: "هذا استهدافٌ مباشر لنوع أعمال الوساطة التي احتكرتها دبي على مدى عقدَين"، مشيراً إلى أنّ "التوقيت يتشكّل بوضوح على وقع الحرب."

لم يردّ وزارة الخزانة والمالية التركية على الأسئلة المتعلّقة بالإجراءات قيد الدراسة، غير أنّ خططها تأتي في سياق سلسلة مبادرات حديثة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، أبرزها افتتاح مركز إسطنبول المالي (IFC) عام 2023.

شاهد ايضاً: ماكرون وستارمر يستضيفان حلفاءهما في قمة أمنية حول مضيق هرمز

تمنح هذه المنطقة الاقتصادية الخاصة المؤسساتِ الماليةَ حوافز ضريبية، من بينها إعفاءٌ كامل بنسبة 100% من ضريبة الشركات على عائدات التصدير حتى عام 2031.

وأفاد متحدّثٌ باسم IFC بأنّ المنطقة تشهد مؤخّراً تفاعلاً "متنامياً وملموساً" من حكوماتٍ أجنبية ومؤسساتٍ خاصة على حدٍّ سواء.

وقال المتحدّث : "ثمّة تركيزٌ استراتيجي قوي بشكلٍ خاص من المؤسسات الشرق آسيوية"، مضيفاً: "لا يقتصر الأمر على شركات القطاع الخاص؛ نرى أيضاً تفاعلاً على المستوى الحكومي. نحن على تواصلٍ وثيق مع اليابان وكوريا الجنوبية، فيما تتواصل نقاشاتنا مع المملكة المتحدة."

شاهد ايضاً: وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان: ما نعرفه حتى الآن

وأكّد المتحدّث أنّ إسطنبول تمتلك "ميزةً ثلاثية قوية مبنيّة على الجغرافيا والابتكار والعمق الاقتصادي"، قائلاً: "من إسطنبول، تستطيع المؤسسات الوصول إلى نحو 1.3 مليار شخص واقتصادٍ بقيمة 30 تريليون دولار في غضون رحلةٍ لا تتجاوز أربع ساعات."

برج خليفة في دبي يتلألأ ليلاً، محاطاً بأضواء المدينة الحديثة، مما يعكس مكانة دبي كمركز مالي عالمي وسط التوترات الإقليمية.
Loading image...
أفق دبي بعد غروب الشمس في 31 ديسمبر 2024

'الحسابات تتعقّد بسرعة'

شاهد ايضاً: ترامب: مضيق هرمز سيُفتح «قريباً» مع اتجاه واشنطن وطهران للمفاوضات

بيد أنّ إسطنبول تواجه تحدّياً جبّاً إن أرادت منافسة مراكز كدبي بجدّية.

فإسطنبول تحتلّ حالياً المرتبة 101 في أحدث إصدار من مؤشر المراكز المالية العالمية (Global Financial Centres Index) الذي تُعدّه Z/Yen Partners بالتعاون مع China Development Institute، متأخّرةً بفارقٍ شاسع عن دبي (المرتبة 7) وأبوظبي (21) والدوحة (48) والرياض (61).

وقد عانى الاقتصاد التركي من تضخّمٍ بأرقامٍ مزدوجة وانهيارٍ متواصل في قيمة العملة منذ اندلاع أزمة 2018. وقال Yildiz: "تخسر الليرة نحو خُمس قيمتها أمام الدولار كلّ عام."

شاهد ايضاً: إيران والولايات المتحدة: أين وصل الصراع في اليوم الثالث والأربعين؟

وأضاف: "بالنسبة لشركةٍ مالية تكسب بعملاتٍ متعدّدة وتدفع رواتب موظّفيها بالليرة، تتعقّد الحسابات بسرعة. أنت في حالة إدارةٍ مستمرّة لمخاطر العملات الأجنبية (FX Exposure) بطريقةٍ لا تحتاج إليها أصلاً في ولاياتٍ قضائية ذات عملةٍ مربوطة كالإمارات أو سنغافورة."

كما يتّهم المنتقدون إدارة Erdogan بسوء إدارة الاقتصاد جرّاء إبقائها على أسعار الفائدة منخفضةً رغم مخاوف التضخّم، وإن كانت الحكومة تقول إنّ الهدف من ذلك تحفيز الاقتصاد والحدّ من التلاعب بالعملة الأجنبية.

ورغم إعلان IFC عن تنامي اهتمام الشركات به، إلّا أنّ أقلّ من نصف مساحاته المكتبية قد شُغِّلت حتى الآن، وإن كان المسؤولون يتوقّعون أن تبلغ نسبة الإشغال 75% بنهاية العام الجاري.

شاهد ايضاً: إيران: سيكون من الغباء أن تسمح الولايات المتحدة لنتنياهو بقتل الدبلوماسية

وقالت Meryem Gokten، الاقتصادية في معهد Vienna للدراسات الاقتصادية الدولية: "حين ننظر إلى استطلاعات الشركات الأوروبية التي تمتلك فروعاً في تركيا، فإنّ أبرز شكاواها تتمحور حول عدم القدرة على التنبّؤ بالسياسة الاقتصادية، وعدم الاستقرار السياسي، والغموض القانوني، والبيروقراطية المرهقة، والتضخّم المرتفع."

وأضافت Gokten: "لا يمكن معالجة أيٍّ من هذه المشكلات على المدى القصير... لم تكن تركيا مركزاً مالياً حتى الآن، ولا أرى أنّها ستصبح كذلك دون معالجة هذه الإشكاليات الهيكلية."

مشهد حضري حديث في إسطنبول، يظهر مباني زجاجية عصرية وأشخاص يتجولون، يعكس طموحات تركيا في أن تصبح مركزًا ماليًا عالميًا.
Loading image...
مركز إسطنبول المالي في إسطنبول، تركيا، 3 أبريل 2026 [ملف: أوميت بيكتاس/رويترز]

شاهد ايضاً: العالم يتفاعل مع الهجمات الإسرائيلية "الوحشية" على لبنان في ظل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

وأبدى Selim Koru، الباحث في مرحلة الدكتوراه المتخصّص في السياسات العامة بجامعة Nottingham، تشكيكاً مماثلاً.

وقال Koru : "جزءٌ من جاذبية دبي يكمن في أنّها تُشبه اللوحة البيضاء (Tabula Rasa) من حيث المناخ الثقافي والقانوني والسياسي؛ لا يوجد فيها نمطٌ راسخ، وللأطراف الأجنبية رأيٌ فيما يريدون أن تكون عليه. هذا لا ينطبق على إسطنبول، ولا على أيّ مكانٍ آخر في تركيا في الواقع."

ومن منظور بعض المحلّلين، فإنّ السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسطنبول قادرةً على منافسة دبي مباشرةً.

وقال Hasan Dincer، أستاذ التمويل في جامعة Istanbul Medipol، إنّ السعي التركي لاستقطاب الاستثمار الأجنبي ينبغي النظر إليه بوصفه "تموضعاً تدريجياً لا منافسةً مباشرة على المدى القصير."

وأضاف Dincer: "في المنظومات المالية الناشئة، تقوم ثقة المستثمرين أساساً على القدرة على التنبّؤ والشفافية. والمبادرات الاستراتيجية طويلة الأمد كمركز إسطنبول المالي تمثّل خطواتٍ مهمّة، غير أنّ أثرها على المدى البعيد يتوقّف على ديمومة التطبيق والانسجام المؤسسي."

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يحيي الحضور في تجمع شعبي ببغداد، يعكس التوترات السياسية في العراق بعد الانتخابات البرلمانية.

العراق: الكتلة الشيعية الحاكمة تسابق الزمن لاختيار رئيس وزراء وسط مراقبة أمريكية وإيرانية

في بغداد، تتصاعد التوترات السياسية مع استمرار الصراعات الداخلية، بينما يسعى السوداني لولاية ثانية وسط ضغوطات إيرانية وأمريكية. هل ستنجح الكتل الشيعية في اختيار رئيس وزراء جديد؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في هذا المقال.
Loading...
دخان يتصاعد من مبانٍ مدمرة في لبنان، حيث يتجمع رجال الإنقاذ وسط الأنقاض بعد هجوم إسرائيلي، مما يزيد من معاناة السكان.

ترامب يقول إن لبنان غير مشمول في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وسط الهجوم الإسرائيلي

في ظل تصاعد التوترات بين إسرائيل وحزب الله، يبرز لبنان كحلقة محورية في النزاع. هل ستنجح الهدنة في إحلال السلام، أم أن التصعيد قادم؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في هذا التقرير الشامل.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية