مقارنة اتفاق ترامب وأوباما بين الأمل والواقع
ترامب يدّعي أن اتفاقه مع إيران أفضل من اتفاق أوباما، لكن المقارنة صعبة مع غموض التفاصيل. هل يحقق ترامب ما عجز عنه سلفه؟ المقال يستعرض الحقائق والتحديات المحيطة بالمفاوضات الجديدة. تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

ثمّة مسلّمةٌ يروّج لها الرئيس الأمريكي Donald Trump في كلّ مناسبة: إنّ الاتفاق الذي أبرمه مع إيران يتجاوز بمراحل ما أنجزه سلفه Barack Obama عام 2015. المشهد يبدو مُغرياً بتصديق هذه الرواية: ضرباتٌ عسكرية، ومضيقٌ مغلق، وتصريحاتٌ نارية ثمّ اتفاقٌ يُعلَن عنه بوصفه إنجازاً تاريخياً. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً قد تقود إلى نتيجةٍ مغايرة تماماً.
يتمحور موقف Trump حول نقطتين رئيسيتين يُعيد تكرارهما باستمرار:
- ضمان عدم امتلاك إيران أيّ سلاح نووي.
2 . أنّ اتفاقه سيكون أفضل من اتفاق Obama
وفي منشورٍ على منصّته الاجتماعية الأحد، كتب Trump:
"كان اتفاق أوباما طريقاً نحو السلاح النووي لإيران، مع الأموال وكلّ شيء، وهو من أسوأ الاتفاقيات وأكثرها غباءً في تاريخ الولايات المتحدة. أمّا اتفاقنا فهو سدٌّ منيع يحول دون امتلاك إيران أيّ سلاح نووي عكس اتفاق أوباما تماماً."
والاتفاق الذي يُشير إليه Trump هو خطّة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي جرى التفاوض عليها وتوقيعها في يوليو 2015 بين إيران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين و روسيا و فرنسا و المملكة المتحدة و ألمانيا.
وحين سُئل Trump الاثنين عن موعد الإفراج عن نصّ الاتفاق الجديد الذي لم يُكشف عنه بعد، عاد مباشرةً إلى المقارنة مع Obama، قائلاً وهو جالسٌ إلى جانب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron خلال زيارته لفرنسا: "هذا ليس كوثيقة Obama، التي كانت وثيقةً سيئة للغاية. هذه وثيقةٌ بالغة القوة، وأريد الإفراج عنها. على الأرجح قريباً جداً."
ماذا يقول Obama؟
Obama بدوره لم يتردّد في المقارنة. وفي مقابلةٍ بثّتها قناة ABC الاثنين، توقّع أن يكون أيّ اتفاقٍ يتوصّل إليه Trump مشابهاً إلى حدٍّ بعيد لاتفاق JCPOA الذي مزّقه Trump في ولايته الأولى.
قال Obama: "من المشكوك فيه أن يكون أيّ اتفاقٍ يُتوصَّل إليه مختلفاً اختلافاً جوهرياً أو أفضل بشكلٍ ملموس من الاتفاق الذي أبرمناه في البداية."
واستخدم Obama هذه المقارنة للانتقاد من ما وصفه بالسياسة الخارجية الصاخبة لـ Trump، مؤكّداً أنّ الأهداف ذاتها كان يمكن تحقيقها بالدبلوماسية. وأضاف: "فكرة أنّنا نستطيع فرض حلولنا بالتنمّر أو القصف قد تبدو جذّابةً أحياناً، لكنّ الحقيقة هي أنّ أخذ الوقت الكافي لاستكشاف الدبلوماسية واستنفاد إمكانيات التوصّل إلى اتفاقاتٍ لا تحلّ 100% من المشكلة، لكنّها تحلّ 80 أو 90% منها، مع تفادي الحاجة إلى الحرب كنت أظنّ أنّنا تعلّمنا هذا الدرس، لكن يبدو أنّنا بحاجةٍ إلى إعادة تعلّمه بين الحين والآخر."
المقارنة مستحيلةٌ في الوقت الراهن
لا يمكن إجراء أيّ مقارنةٍ جدّية في الوقت الحالي، إذ لم يُكشف بعد عن نصّ الاتفاق الجديد. والجدير بالذكر أنّ اتفاق JCPOA كان وثيقةً مفصّلة من 18 صفحة يمكن الاطلاع عليها هنا في حين أنّ الاتفاق الجديد، الذي يُعدّ مذكّرة تفاهم (MOU)، لا يتجاوز "صفحةً ونصف" وفق ما أفاد به نائب الرئيس JD Vance.
والأهمّ من ذلك أنّ مذكّرة التفاهم الجديدة ليست اتفاقاً نووياً طويل الأمد، بل هي اتفاقٌ لوقف الأعمال العدائية وفتح باب التفاوض لمدّة 60 يوماً. وقد ينجم عن تلك المفاوضات اتفاقٌ أشمل، لكنّ ذلك ليس مضموناً.
فضلاً عن ذلك، فإنّ المقارنة تزداد تعقيداً لأنّ اتفاق JCPOA كان في جوهره اتفاقاً متعدّد الأطراف بين إيران ومجموعةٍ كبيرة من الدول، وجاء في سياقٍ دولي مختلفٍ تماماً عن اللحظة الراهنة.
عقدٌ من التحوّلات
في عام 2015، قبلت إيران تقييد برنامجها النووي، وتحقّق المراقبون الدوليون من التزامها بذلك، فأتيح لها الاستفادة من ثرواتها النفطية. ثمّ انسحب Trump من اتفاق JCPOA عام 2018، فردّت إيران بالانسحاب هي الأخرى، وشرعت في تسريع تخصيب اليورانيوم.
ولهذا، فإنّ أيّ اتفاقٍ ناجح مع Trump سيستلزم بالضرورة إمّا تخفيض درجة تخصيب اليورانيوم الذي أنتجته إيران عقب انهيار JCPOA، أو إخراج ذلك اليورانيوم من الأراضي الإيرانية. وقد تحدّث Trump عن ضرورة إزالة ما أسماه "الغبار النووي."
ورقةٌ ضغطٍ جديدة في يد إيران
اكتسبت إيران ورقةَ ضغطٍ جديدة لم تكن موجودةً في مفاوضات JCPOA، وهي التحكّم في حركة الناقلات في مضيق هرمز. فإغلاق هذا الشريان الحيوي للإمدادات النفطية العالمية لم يكن جزءاً من المعادلة التفاوضية في السابق.
ماذا تتضمّن مذكّرة التفاهم لمدّة 60 يوماً؟
خلافاً لاتفاق Obama الذي كان متعدّد الأطراف وطويل الأمد، تقتصر مذكّرة التفاهم الجديدة على وقف الأعمال العدائية بين البلدين وإعادة فتح مضيق هرمز. وبموجبها، ستوقف الولايات المتحدة حصارها للموانئ الإيرانية، وستسمح إيران بمرور حركة الشحن عبر المضيق.
الاتفاق وفق رواية Vance
أدلى Vance، الذي تولّى دوراً محورياً في التوصّل إلى هذا الاتفاق وسيكون المسؤول الأمريكي الموقِّع عليه في Geneva يوم الجمعة، بمزيدٍ من التفاصيل خلال مقابلةٍ له.
و أوضح أنّ العملية ستسير على مرحلتين: تتحقّق الولايات المتحدة في الأولى من تخلّي إيران عن برنامجها النووي، ثمّ يُسمح لها في الثانية بالاندماج في الاقتصاد العالمي والاستفادة من ثرواتها النفطية.
قال Vance: "هذه هي العملية ذات المرحلتين، والخيار الذي يتعيّن على الإيرانيين اتخاذه: هل يريدون الوصول إلى الاقتصاد العالمي؟ إذا كان الأمر كذلك، فعليهم التخلّي عن طموحاتهم النووية طويلة الأمد."
وأضاف أنّ الولايات المتحدة دمّرت بالفعل الجزء الأكبر من القدرات النووية الإيرانية.
رفع العقوبات يفتح الباب أمام مليارات الدولارات
الجانب الأمريكي من هذا الاتفاق يقوم على السماح لإيران بالوصول إلى أموالها المجمّدة وهو ما يضع Trump في موقفٍ محرج بعض الشيء، إذ كثيراً ما يُهاجم اتفاق Obama بسبب رفعه جزءاً من العقوبات عن إيران، ممّا أتاح لها الوصول إلى مليارات الدولارات مقابل تقييد برنامجها النووي. وأيّ اتفاقٍ لـ Trump سيضطرّ إلى فعل الشيء ذاته.
وقد صرّح مسؤولون إيرانيون بأنّهم قد يحصلون على 24 مليار دولار خلال فترة التفاوض البالغة 60 يوماً التي تُطلقها مذكّرة التفاهم المؤقّتة. وقد نفى Vance هذا الرقم خلال مقابلةٍ مع CBS News الأحد، لكنّه أقرّ بأنّ اتفاقاً أشمل قد يعني مليارات أكثر بكثير للنظام الإيراني. ويبدو أنّ ثمّة خلافاً بين الجانبين الإيراني والأمريكي حول حجم الأصول المجمّدة. وفي كلّ الأحوال، تسعى إيران إلى الإفراج عن مليارات الدولارات.
قال Vance: "ما قلناه هو أنّنا مستعدّون للحديث عن إلغاء تجميد الأصول، لكنّ الصفقة الأكبر بكثير هي رفع العقوبات عن اقتصادهم بالكامل شريطة أن يقدّموا التزاماتٍ طويلة الأمد بشأن البرنامج النووي."
اتفاقٌ للتفاوض، لا للحسم
ولكن وهذا هو جوهر المسألة أيّ مقارنةٍ سابقة لأوانها، إذ إنّ الاتفاق الحالي ليس سوى اتفاقٍ على الجلوس إلى طاولة التفاوض لستّين يوماً.
قال Kurt Volker، السفير الأمريكي السابق لدى NATO: "هذا لا يحلّ شيئاً في الواقع. إنّه مذكّرة تفاهم مؤقّتة لتهيئة الأرضية لمفاوضاتٍ جديدة."
وتوقّع Volker أن تتمسّك إيران خلال المفاوضات القادمة ببرنامج تخصيب اليورانيوم وتخزين اليورانيوم المخصَّب، وأن تسعى إلى تكريس نوعٍ من السيطرة على مضيق هرمز مستقبلاً.
وأشار إلى أنّ ثمّة مجالاً حقيقياً للتحسين على اتفاق JCPOA، لا سيّما فيما يتعلّق بتقييد حقّ إيران في التخصيب، وتطوير آليات التحقّق التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). غير أنّه أبدى تشكّكه قائلاً:
"أظنّ أنّنا لا نزال بعيدين جداً عن ذلك. كلّ ما نسمعه الآن هو التزامٌ بعدم امتلاك سلاحٍ نووي وهو ما تقوله إيران منذ البداية. لذا لا أرى حتى الآن شيئاً مختلفاً يُذكر."
ولعلّ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي للمراقبين إبقاؤه حاضراً في الأذهان: هل الاتفاق الجديد تحوّلٌ حقيقي في موقف إيران النووي، أم أنّه كما يوحي Volker مجرّد إعادة تغليفٍ لما كان قائماً أصلاً؟ الإجابة لن تتّضح في التصريحات، بل في التفاصيل التي ستُكشف أو تُحجب خلال الأسابيع الستّين المقبلة.
أخبار ذات صلة

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: أهدافٌ سهلة في الحرب الإيرانية

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً
