مستقبل مجهول لحماية آلاف السلفادوريين في أمريكا
أكثر من 170 ألف سلفادوري يعيشون في ظلّ انتظار مصير وضع الحماية المؤقتة في أمريكا وسط تأجيل القرار وتأثيرات اقتصادية وإنسانية كبيرة على العائلات وسوق العمل في واشنطن وخارجها خَبَرَيْن

في شقّتها الصغيرة بضواحي واشنطن، تقف سولداد ميراندا أمام جدارٍ خالٍ كانت تزيّنه صور عائلية حتى وقتٍ قريب. جاءت إلى الولايات المتحدة عام 1997، وأمضت فيها قرابة ثلاثة عقود تعمل عاملةَ تنظيف، وتربّي ابنتها البالغة من العمر 16 عاماً التي وُلدت على الأرض الأمريكية. أمّا اليوم، فإنّ مصيرها وما يزيد على 170,000 سلفادوري يحملون وضع الحماية المؤقتة (TPS) معلّقٌ في الهواء، بعد أن أرجأت إدارة ترامب قرارها بشأن تمديد هذه الحماية دون أن تُحدّد موعداً للبتّ في الأمر.
«أشعر بالهزيمة»، تقول ميراندا. «كنت قد رسمت حياتي: أن أرحل بإرادتي لا مُكرَهةً، وأن أرى ابنتي تحقّق أحلامها كما حقّقتُ أنا أحلامي. والآن، كلّ ذلك وُضع في صندوق وانتهى الأمر».
ربع قرن من الحماية... وتهديد وشيك
أُنشئ نظام TPS في الأصل لحماية المهاجرين القادمين من بلدانٍ تعصف بها الكوارث أو النزاعات، وقد مُنح للسلفادوريين إثر زلزالٍ مدمّر ضرب بلادهم. ومنذ ذلك الحين، أمضى هؤلاء خمسةً وعشرين عاماً يعملون بصورة قانونية، ويدفعون الضرائب، ويبنون حياتهم في أمريكا. غير أنّ إدارة ترامب أنهت هذا الوضع لمهاجري 13 دولةً حتى الآن، وباتت الحماية قائمةً في منتصف أغسطس لأربع دول فحسب، من بينها السلفادور.
وكان من المقرّر أن تنتهي حماية TPS للسلفادوريين في يومٍ محدّد، إلا أنّ وزارة الأمن الداخلي أجّلت إعلانها، فيما أفادت وكالة US Citizenship and Immigration Services بأنّ تصاريح العمل الصادرة للسلفادوريين ستنتهي في 9 سبتمبر. وقد منح قرارٌ أصدرته المحكمة العليا في يونيو الماضي الإدارةَ الأمريكية صلاحيةً صريحة لإنهاء هذا الوضع لمئات الآلاف، مما يجعل المشهد الراهن أشدّ هشاشةً من أيّ وقتٍ مضى.
«جميعنا نحن نحبس أنفاسنا الآن»
في مركز الموارد لأمريكا الوسطى بواشنطن، الذي يخدم المجتمع السلفادوري في العاصمة، يصف أبيل نونيز المدير التنفيذي للمركز المشهدَ بعبارةٍ لافتة: «جميعنا نحبس أنفاسنا الآن». ويضيف أنّ بعض أبناء الجالية لا يزالون يراهنون على العلاقة بين الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتقدين أنّها ستُنقذ الموقف. بيد أنّه يستدرك: «الوضع الراهن هو هدوءٌ يسبق العاصفة».
وتجدر الإشارة إلى أنّ بوكيلي يحظى بعلاقة إيجابية مع ترامب، وأبرم معه صفقاتٍ تتعلّق بالأمن الحدودي والهجرة. إلا أنّه لم يُبدِ علناً أيّ ضغطٍ من أجل تمديد TPS في عهد الإدارة الأمريكية الثانية. وفي هذا السياق، يرى جايمي كونتريراس، نائب الرئيس التنفيذي لنقابة SEIU 32BJ في منطقة العاصمة التي تمثّل كثيراً من العمال السلفادوريين، أنّ الرهان على هذه العلاقة ضربٌ من التمنّي: «أعتقد أنّ هذا تفكيرٌ تمنّي. لكنّ الأمل هو آخر ما نفقده».
أمّا مسؤول الحدود في البيت الأبيض توم هومان، فقد أبدى موقفاً يُلقي المسؤولية على وزير الأمن الداخلي، قائلاً: «سنرى ما سيحدث. هذا قرارٌ يعود لوزير الأمن الداخلي». وأضاف مبرّراً الموقف الإداري: «TPS تعني الحماية المؤقتة، والحقيقة أنّ السلفادور باتت أكثر أماناً ممّا كانت عليه في أيّ وقتٍ مضى في ظلّ رئيسها الجديد».
الكلفة الاقتصادية: خسارة بلا مقابل
لا يقتصر الأثر على الأفراد؛ إذ تتجاوز التداعيات الإنسانية لتطال الاقتصادَين الأمريكي والسلفادوري معاً. فالسلفادوريون يُشكّلون أكبر مجموعة من المولودين خارج الولايات المتحدة في منطقة العاصمة واشنطن، ويُسهمون في سوق العمل عبر قطاعاتٍ حيوية كالتنظيف والبناء والخدمات. ويرى كونتريراس أنّ إنهاء وضعهم القانوني لا يستقيم اقتصادياً: «لا معنى اقتصادياً لسحب الوضع القانوني من أشخاصٍ موثّقين وقادرين على العمل وهم جزءٌ من قوّتنا العاملة».
وعلى الصعيد الآخر، تُشكّل تحويلات المغتربين السلفادوريين في الخارج ما يزيد على 25% من الناتج المحلي الإجمالي للسلفادور وفق بيانات البنك الدولي، مما يعني أنّ أيّ اضطرابٍ في أوضاع هؤلاء المهاجرين سيُلقي بظلاله مباشرةً على الاقتصاد السلفادوري. وقد أنهت إدارة ترامب TPS لمهاجري 13 دولة حتى الآن، وهو ما يُشير إلى منهجيةٍ ثابتة لا إلى قراراتٍ استثنائية.
في مواجهة هذا كلّه، تبقى سولداد ميراندا تنتظر. لديها ابنةٌ أمريكية، وعملٌ تؤدّيه منذ عقود، وحياةٌ بنتها بيدَيها. السؤال الذي يظلّ معلّقاً ليس فقط متى ستُحسم قضيّتها، بل ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستُميّز بين الحالة السلفادورية وغيرها، أم أنّ ما جرى مع الهايتيين وغيرهم سيكون النموذج الذي يُحتذى به. وفي ظلّ صمت البيت الأبيض وتأجيل الإعلانات، يبدو أنّ الجواب لن يأتي قبل أن تنتهي تصاريح العمل في 9 سبتمبر — وهو موعدٌ بات أقرب ممّا يتمنّى أيٌّ من هؤلاء.
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

كورنيل تعيّن سالي يتس للتحقيق في التعامل مع اتهامات الاغتصاب

نيكول براون سيمبسون: رسالة أختها حول العنف الأسري
