هجوم روسي مدمر يهدد حياة المدنيين في كييف
في هجوم روسي عنيف على كييف استخدمت موسكو صواريخ باليستية وطائرات مسيرة نفاثة تستهدف المباني السكنية محدثة دماراً وخسائر بشرية كبيرة وسط نقص أوكراني في صواريخ الدفاع الجوي. تفاصيل وأبعاد التصعيد في خَبَرَيْن.

في الساعات الأولى من صباح الخميس، كانت ليلى — إحدى سكّان حيٍّ سكني في كييف — تنزل إلى محطة المترو حاملةً طفلها، مستجيبةً لنداء السلطات التي أطلقت تحذيراً في وقتٍ متأخّر من ليلة الأربعاء. لم تكن تعلم أنّ الصاروخ الذي سيضرب مبنى قريباً من منزلها سيحوّل 64 شقّة إلى ركام، ويقتل عدداً من جيرانها، ويترك عشرات الأسر بلا مأوى.
شكّل الهجوم الروسي الشرس على كييف يوم الخميس واحداً من أعنف الضربات التي تعرّضت لها العاصمة الأوكرانية منذ بداية الحرب، إذ راح ضحيّته ما لا يقلّ عن 30 شخصاً، ليحتلّ المرتبة الثالثة في قائمة أكثر الهجمات دموية على كييف.
أسلحة جديدة في ترسانة موسكو
تعرّضت أوكرانيا لمئات الهجمات الجوية الواسعة النطاق، غير أنّ هجوم هذا الأسبوع تميّز بفتكٍ استثنائي، يعود جزءٌ كبير منه إلى طبيعة الأهداف التي اختارتها موسكو — المباني السكنية تحديداً — وإلى منظومة الأسلحة المستخدمة التي جمعت بين الصواريخ الباليستية والذخائر المتجوّلة والطائرات المسيّرة ذات المحرّكات النفّاثة.
تُمثّل الطائرات المسيّرة النفّاثة، كطائرة Geran-4، إضافةً حديثة نسبياً إلى الترسانة الروسية، إذ رُصدت لأوّل مرّة مطلع هذا العام. تبلغ سرعتها ما يصل إلى 500 كيلومتر في الساعة، وهو ما يجعلها قادرةً على التملّص من منظومات الدفاع الأوكرانية؛ فهي أسرع من أن تتعامل معها مجموعات الإطفاء المتنقّلة في كييف، ولا يمكن إسقاطها إلّا بصواريخ أرض-جوّ أو مقاتلات جوية.
قال يوري إهنات، المتحدّث باسم سلاح الجوّ الأوكراني، يوم الجمعة: "العدوّ يستخدمها بتكرارٍ متزايد، والنسبة المئوية للطائرات المسيّرة النفّاثة من طراز Shahed في ترسانته في ارتفاع مستمر؛ ما يستنزف مواردنا". ويُضيف أنّ اضطرار أوكرانيا إلى استخدام صواريخها في مواجهة الطائرات المسيّرة يُرهق إمداداتها المتأزّمة أصلاً.
رأى المحلّلون في معهد دراسة الحرب (ISW)، وهو مركز رصد نزاعات مقرّه الولايات المتحدة، أنّ توظيف روسيا للطائرات المسيّرة النفّاثة يندرج في سياق نهجٍ ممنهج يقوم على الابتكار التكتيكي والتقني في منظومات الطائرات المسيّرة بهدف "تعظيم الأضرار المدنية خلال الضربات على أوكرانيا".
وأشار المعهد في مذكّرةٍ نشرها يوم الخميس إلى أنّ "الطائرات المسيّرة الأسرع التي يصعب على أوكرانيا اعتراضها ستُفضي على الأرجح إلى أضرار مدنية أكبر، تماماً كما فعلت التكيّفات السابقة في منظومات الضربات".
صواريخ باليستية وفرط صوتية
أكّد إهنات أنّ هجوم الخميس تميّز أيضاً بأنّ 28 من أصل 77 صاروخاً أُطلقت كانت صواريخ باليستية، واصفاً ذلك بأنّه "عدد مرتفع جداً جداً".
وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية يوم الجمعة أنّ أكثر من 90% من الصواريخ الجوّالة و90% من الطائرات المسيّرة الهجومية من طراز Shahed جرى اعتراضها خلال الهجوم.
ومن بين الصواريخ التي أطلقتها روسيا يوم الخميس صاروخ Zircon، وهو صاروخ جوّال فرط صوتي مضادّ للسفن وقادر على استهداف الأهداف البرّية. قال إهنات: "يطير كالصاروخ الباليستي بسرعةٍ فائقة، ولا يمكن اعتراضه إلّا بمنظومة Patriot".
ويظلّ اعتراض الصواريخ الباليستية تحدّياً جوهرياً، إذ تعاني أوكرانيا من شحٍّ متواصل في صواريخ بطاريات Patriot التي تمتلكها. وقد تفاقم هذا الشحّ جرّاء الصراع في إيران، الذي أدّى إلى تحويل بعض الشحنات المخصّصة أصلاً لأوكرانيا نحو منطقة الشرق الأوسط.
أقرّت وزارة الدفاع الأوكرانية بأنّها تواجه نقصاً حادّاً في الوقت الراهن، رغم توافر عقود لاستلام المئات من هذه الصواريخ مستقبلاً. وكشفت الوزارة أنّها أرسلت رسائل إلى ما يقارب 40 دولة تطلب منها توفير صواريخ Patriot من مخزوناتها الحالية في أقرب وقتٍ ممكن، "مقابل التسليمات المستقبلية المتعاقد عليها لأوكرانيا".
تراكم الأسلحة وتصعيد مقصود
رجّح معهد دراسة الحرب أنّ روسيا أعدّت لهجوم الخميس منذ فترة، وكانت تجمع الطائرات المسيّرة والصواريخ خلال شهر يونيو. فبعد أن شنّت موسكو ما معدّله ضربةٌ ضخمة وعدّة هجمات أصغر أسبوعياً بين يناير ومايو، اقتصرت على هجومَين كبيرَين فحسب طوال يونيو.
وقد نجحت روسيا في رفع طاقتها الإنتاجية من الطائرات المسيّرة لتصل إلى آلاف الوحدات شهرياً، ما يُتيح لها شنّ هجمات واسعة النطاق كلّ بضعة أيام.
وحذّر المعهد من أنّ "القوات الروسية ربّما تراكم الطائرات المسيّرة، لا سيّما بهدف تكثيف الضربات الواسعة النطاق في توقيتٍ يختاره الكرملين، خاصّةً إذا رأت روسيا أنّها قادرة على استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية أكثر فأكثر".
المباني السكنية في مرمى النيران
أفادت سلطات كييف بأنّ نحو 25 موقعاً في العاصمة تعرّضت للقصف، غالبيّتها في مناطق سكنية، وهو ما يُفسّر جزءاً كبيراً من ارتفاع حصيلة الضحايا. وقد دمّر أحد الصواريخ الروسية مبنىً سكنياً يضمّ 64 شقّة، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى وتشريد عشرات الأسر.
في المقابل، أصدرت وزارة الدفاع الروسية بياناً يوم الخميس قالت فيه أنّ الهجوم على كييف جاء رداً على استفزازات أوكرانية، وأنّه استهدف "منشآت صناعية-عسكرية ومواقع في منظومة الوقود والطاقة" — وهو ادّعاءٌ تدحضه بوضوح الأضرار الواسعة التي لحقت بالأبنية المدنية.
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنّ الهجوم ألحق أضراراً بأكثر من 130 مبنىً سكنياً، واتّهم روسيا بضرب البنية التحتية المدنية "كلّ يومٍ وكلّ ليلة".
وقال: "الإرهاب هو الحجّة الوحيدة المتبقّية لديهم لعدم وقف الحرب".
عمليات الإنقاذ وصمود الأرواح
تواصلت عمليات البحث والإنقاذ حتى مساء الجمعة، في ظلّ استمرار البحث عن عدد من المفقودين، من بينهم والدا طفلٍ في العاشرة من عمره أُنقذ يوم الخميس.
بيد أنّ حصيلة الضحايا كانت ستكون أفدح لولا التحذير الذي أطلقته سلطات كييف في وقتٍ متأخّر من ليلة الأربعاء. فقد أنذرت الاستخبارات الأوكرانية من هجومٍ وشيك، وناشد زيلينسكي السكّان أن يكونوا "حذرين بشكلٍ خاصّ" وألّا يتجاهلوا صفارات الإنذار، فلبّى عشرات الآلاف النداء والتجأوا إلى الملاجئ.
وأعلن مترو كييف أنّ نحو 52,500 شخص، بينهم 4,500 طفل، أمضوا الليل في محطات مترو الأنفاق ملتمسين الأمان تحت الأرض — في مشهدٍ يختصر وحده حجم الهشاشة التي يعيشها المدنيون في عاصمةٍ تحت النار.
أخبار ذات صلة

روسيا و أوكرانيا تتبادلان ضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ.. تسعة قتلى

ترامب يغيّر أهدافه في لعبة اللوم حول الحرب الروسية الأوكرانية

روسيا تخسر مليوني جندي في أوكرانيا: خسائر تفوق ستالينغراد
