كشف أسرار الانتماء النازي في سجلات العائلات الألمانية
في خَبَرَيْن اكتشف باحث ألماني أن والدته المسالمة كانت مسجلة في سجلات الحزب النازي رغم نفي العائلة، ما يسلط الضوء على أسرار عائلات كثيرة وتحديات مواجهة تاريخ النازية وسط تصاعد اليمين المتطرف في ألمانيا.

في مدينة ماينتس الألمانية، يقضي عالم السياسة يورغن فالتر عقوداً من مسيرته المهنية في دراسة سجلات عضوية الحزب النازي، وقد أصدر مؤلّفات موسّعة عن صعود أدولف هتلر وحزبه إلى السلطة.
كان فالتر قد بحث في وقتٍ سابق عن سجلات إجراءات إزالة النازية الخاصّة بوالدته، وهي وثائق تحتفظ بها الأرشيفات الإقليمية الألمانية وتتضمّن عادةً استبيانات أُعدّت في مرحلة ما بعد الحرب خلال العملية التي أشرف عليها الحلفاء في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد تبيّن له أنّ والدته صُنِّفت ضمن فئة "المُبرَّئين"، أي أنّها أُعفيت من أيّ تورّط في النظام النازي. وكان الإدلاء بتصريحٍ كاذب في تلك الاستبيانات يستوجب العقوبة.
لذا، حين أطلقت صحفٌ ألمانية كبرى في وقتٍ سابق من هذا العام قواعد بياناتٍ قابلة للبحث تتيح للناس التحقّق من انتماء أسلافهم إلى الحزب النازي، قال فالتر إنّه كان "أكثر من متفاجأ" حين اكتشف أنّ اسم والدته يرد ضمن سجلات الحزب القديمة وهو سرٌّ يبدو أنّها أخفته حتى عن أفراد عائلتها.
قال فالتر، وهو أستاذٌ باحثٌ متقدّم في جامعة Johannes Gutenberg في ماينتس: "بالنظر إلى شخصية والدتي بأكملها وعقليتها وقناعاتها السياسية بوصفها كاثوليكيةً ليبرالية، كان من المستحيل فعلاً أن تنضمّ إلى NSDAP (حزب العمال الاشتراكي القومي الألماني) عام 1940 وهي في الثالثة والعشرين من عمرها. غير أنّ الأمر موثّقٌ في بطاقة الفهرس، ما يشير إلى أنّها كانت على الأرجح عضواً فعلاً."
وأضاف: "لم تذكر هذا قطّ داخل الأسرة، ولو علم بذلك والدي الذي كان خطيبها آنذاك وهو معارضٌ شديد للنازية سبق أن اعتقله الغستابو لكان على الأرجح فسخ الخطوبة."
يكشف هذا الاكتشاف الصادم الذي توصّل إليه فالتر عن المدى الذي باتت فيه هذه الأرشيفات المتاحة حديثاً تُعيد رسم فهم الألمان لتاريخ عائلاتهم لكنّه يأتي أيضاً في وقتٍ لا تزال فيه قوى اليمين المتطرّف تحظى بدعمٍ واسع في البلاد، وهي قوىً تسعى إلى دفع ألمانيا نحو تجاوز ماضيها النازي.
ملايين من بطاقات الفهرس التي كانت مقيّدةً بموجب قوانين الخصوصية الألمانية وتستلزم إجراءاتٍ مطوّلة للاطّلاع عليها، باتت اليوم قابلةً للبحث مباشرةً عبر الإنترنت في وسائل الإعلام الألمانية، وذلك منذ أشهرٍ قليلة، إثر نشر الأرشيف الوطني الأمريكي لملفّات بطاقات العضوية الناجية على الشبكة.
"ماذا فعل أجدادك في حقبة النازية؟" تسأل مجلة Der Spiegel الإخبارية الألمانية قرّاءها. "ابحث عن تاريخ عائلتك في سجلات NSDAP هنا"، تدعو صحيفة Die Zeit.
يأتي الترويج لهذه المحرّكات البحثية في وقتٍ لا يزال فيه حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرّف يتمتّع بدعمٍ شعبي واسع. وقد رفضت أصواتٌ بارزة داخل AfD ما يُعرف بـ Erinnerungskultur، أي "ثقافة التذكّر"، التي تشكّلت في ألمانيا ما بعد الحرب، محتجّةً بأنّ البلاد ينبغي أن تتجاوز تاريخها المثقل بالذنب وتتّجه نحو الاعتزاز الوطني.
وعلى الضفّة الأخرى من الأطلسي، قال المليارديرElon Musk، الذي كان آنذاك مستشاراً رفيعاً للرئيس الأمريكي Donald Trump، في مهرجانٍ انتخابي لـ AfD العام الماضي، إنّ ألمانيا "تُبالغ في التركيز على ذنب الماضي"، وإنّه لا ينبغي تحميل الأبناء مسؤولية "خطايا أجدادهم من الجيل الرابع."
تعمل قواعد البيانات الجديدة القابلة للبحث في اتّجاهٍ معاكسٍ لتلك الدعوات، إذ تحثّ الألمان على التمحيص في صلة عائلاتهم بالنازية، وتستدعي تأمّلاتٍ جديدة حول الكيفية التي جرّأت بها المواطنين العاديين على تطبيع التطرّف.
لا تُفصح السجلات عن الأسباب التي دفعت شخصاً ما إلى الانضمام إلى النازيين. بيد أنّ الباحثين يقولون إنّ تاريخ الانضمام يمكن أن يكشف ما إذا كان الدافع أيديولوجياً.
قال فالتر : "قبل عام 1933، كان الأمر على الأرجح مدفوعاً بالقناعة في معظم الحالات؛ أمّا بعد 1933، بعد تأسيس الرايخ الثالث، فقد انضمّ إلى الحزب كثيرٌ جداً من الانتهازيين لأسبابٍ أنانية: للحصول على ترقية، أو لتحقيق مكاسب اقتصادية، أو لحماية أحد أفراد الأسرة، وما إلى ذلك" مشيراً إلى العام الذي استولى فيه النازيون على السلطة. ويُحلّل كتابه "رفاق هتلر في الحزب" مسار عضوية الحزب النازي والدوافع المحتملة للانضمام إليه.
في الأيام الأخيرة من الحرب، سعى النازيون إلى إتلاف مجموعتهم الضخمة من بطاقات العضوية وأخذوها إلى مصنعٍ للورق قرب ميونيخ لهذا الغرض. غير أنّ صاحب المصنع أنقذها في اللحظة الأخيرة، حين أقنع الجيش الأمريكي القادم بأهمّيتها التاريخية.
مواجهةٌ تاريخية جديدة؟
احتلّ محرّك البحث الخاصّ بـ Der Spiegel مكاناً بارزاً على الصفحة الرئيسية للموقع لأسابيع، وأفادت المجلة بأنّها تلقّت آلاف الرسائل الإلكترونية من قرّاء عثروا على أسماء أفراد من عائلاتهم في السجلات.
يرى بعض الخبراء أنّ قواعد البيانات هذه تُسهم في إطلاق مرحلةٍ جديدة من Vergangenheitsbewältigung في ألمانيا، وهي كلمةٌ تعني "مواجهة الماضي والتصالح معه". وقد مرّت ألمانيا بعدّة مراحل كهذه منذ انهيار الرايخ الثالث. بيد أنّ النقاش الراهن يتمحور تحديداً حول الذاكرة العائلية، وحول تحدّي الروايات المُنقّحة التي ربّما توارثتها الأسر عمّا فعله أسلافها في ظلّ النازية.
قال صحفيٌّ من Der Spiegel شارك في المشروع : "لعقودٍ طويلة، أراد الملايين من الألمان أن يصدّقوا أنّ عائلاتهم لم تكن متورّطةً في العنف وجرائم الحرب وقتل اليهود الذي ارتكبه النازيون. الآن، بعد 80 عاماً على نهاية الحرب، بدأ كثيرون في التشكيك من جديد في المحظورات والأساطير العائلية."
وقال Mikkel Dack، أستاذٌ مشاركٌ في تاريخ ألمانيا بجامعة Rowan في الولايات المتحدة، إنّه في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بُذلت جهودٌ جادّة لمواجهة التاريخ على المستوى الوطني، شملت أعمال التخليد كـ Stolpersteine وهي بلاطاتٌ خرسانية مُدرجة في الأرصفة عبر ألمانيا وأوروبا الأوسع، تُشير إلى آخر عنوانٍ معروف لليهود وسائر ضحايا المحرقة. غير أنّ شيئاً يسيراً جداً تحقّق على مستوى الأفراد والعائلات.
قال Dack : "اعتمدت كثيرٌ من العائلات الألمانية على حاجزٍ واقٍ ممّا يُعرف بـ'الذاكرة التواصلية'، أي تلك الحكايات التي يتناقلها الأجداد والآباء شفهياً، والتي كثيراً ما تصوّر الأسلاف بمنأى تامٍّ عن أيّ تلوّث بالنازية."
وتابع: "هذه الروايات تتعارض مباشرةً مع البيانات التجريبية المتاحة الآن."
استكشف كتابٌ غير روائي صدر عام 2002 بعنوان "جدّي لم يكن نازياً" هذه الظاهرة من الروايات المُحوَّرة. يُقدّم الكتاب، الذي يُشكّل دراسةً سوسيولوجية، تحليلاً لكيفية تذكّر العائلات المعاصرة للحرب، وقد كشف عن هوّةٍ صارخة بين الواقع التاريخي والذاكرة العائلية. فبينما تعلّمت الأجيال الشابّة في المدارس عن فظائع المحرقة، وجد الكتاب أنّ الموروث الشفهي العائلي ظلّ يُجمّل الماضي، مع تصوير الأجداد في الغالب بوصفهم أبطالاً أو منقذين أو ضحايا بأنفسهم.
قال Dack: "كان هناك صمتٌ داخل الأسرة، وكانت هناك قصصٌ مروية وروايات مُبيَّضة. أعتقد أنّ هذا يتغيّر أخيراً بفضل محرّكات البحث هذه."
عاملٌ آخر يُسهم في هذا التحوّل هو الرحيل التدريجي لآخر جيلٍ عاش تجربة الرايخ الثالث بنفسه، ممّا يعني أنّ جرائم النازية تنتقل من الذاكرة الحيّة إلى التاريخ والتعليم الرسمي. وقد يُيسّر هذا البُعد المتنامي على الأجيال الشابّة الفصل بين الموروث العائلي وحقائق النظام.
ورغم وجود أسبابٍ ظرفية وراء نشر هذه السجلات في هذا التوقيت تحديداً، يرى Dack أنّ الموجة الراهنة من المواجهة التاريخية تؤدّي أيضاً دور ردّ فعلٍ مدني ومؤسّسي على صعود اليمين المتطرّف سياسياً. فقد حصل هذا الحزب على 20.8% من الأصوات في الانتخابات الوطنية العام الماضي، ليصبح ثاني أكبر حزبٍ في البرلمان الألماني بـ 152 مقعداً.
قال Dack: "الترويج العلني لملفّات العضوية هذه يحمل تحذيراً مؤسّسياً واضحاً… وهو أنّ المؤسّسات الديمقراطية هشّة، وأنّ التطرّف مسارٌ تدريجي."
أمّا فالتر، فقال إنّه لا يرى كيف ستُشكّل هذه النقاشات في نهاية المطاف حاجزاً أمام اليمين المتطرّف في ألمانيا، أو في مواجهة المطالب بأن تتحرّر ألمانيا من ثقل ماضيها النازي.
"غير أنّها ستدفع الناس مرّةً أخرى إلى التساؤل: كيف أمكن أن يكون بين أسلافنا هذا العدد الكبير من أعضاء NSDAP؟"
أخبار ذات صلة

السويد تشدّد سياسة الهجرة: «لم أرتكب خطأ» وحياةٌ تنقلب رأساً على عقب

موجة حرّ قاتلة في أوروبا: 20 غريقاً في فرنسا يفرّون من الحرارة

زيلينسكي يعيد أعلى وسام بولندي وسط خلافٍ متصاعدٍ حول وحدةٍ قومية في الحرب
