خَبَرَيْن logo

محسن رضائي يقود مجلس الأمن القومي في طهران

محسن رضائي يتولى رئاسة مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران خلفاً لمحمد باقر ذو القدر وسط مفاوضات مشتعلة حول مضيق هرمز. تعيين يعكس أهمية الملف الأمني والعسكري وتأثيره على السياسة الداخلية والخارجية في خَبَرَيْن.

محسن رضائي في زي الحرس الثوري الإيراني، يعكس تعيينه كأمين لمجلس الأمن القومي الأعلى ودوره الاستراتيجي في ملف مضيق هرمز والمفاوضات مع واشنطن.
لماذا عيّنت إيران محسن رضائي، رئيس الحرس الثوري السابق، في منصب أمني رفيع؟ يشرح عباس أصلاني.

محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، يتولّى رئاسة مجلس الأمن القومي الأعلى في طهران خلفاً لمحمد باقر ذو القدر، الذي انتقل إلى منصب المستشار السياسي للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وجاء هذا التعيين في ظلّ مفاوضات متواصلة حول مضيق هرمز، الذي وظّفته طهران ورقةَ ضغطٍ في مواجهتها المطوّلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان المنصب يشغله من قبل علي لاريجاني، الذي اغتيل في ضربةٍ أمريكية-إسرائيلية في مارس الماضي.

من هو محسن رضائي؟

رضائي، البالغ من العمر 71 عاماً، تولّى قيادة الحرس الثوري الإيراني (IRGC) بين عامَي 1981 و1997، وهي الحقبة التي شهدت الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، والتي تُعرف في إيران بـ«الدفاع المقدّس». وعقب ذلك، انضمّ إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، الهيئة المنوط بها الفصل في الخلافات التشريعية بين البرلمان ومجلس صون الدستور.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مجلس صون الدستور هيئةٌ مستقلة يعيّنها المرشد الأعلى، تضطلع بمهمّة فحص المرشّحين للمناصب الانتخابية ومراجعة التشريعات للتحقّق من توافقها مع الدستور وأحكام الشريعة الإسلامية.

وعلى صعيد مضيق هرمز، أولى رضائي هذا الملفّ أهميةً استراتيجية قصوى؛ إذ صرّح في يوليو بأنّ السيطرة على هذا الممرّ المائي الضيّق، الذي يمرّ عبره خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تفوق في قيمتها «عشرات القنابل الذرية». وفي الأسبوع الماضي، حذّر واشنطن من أنّها ستواجه «مخاطر جسيمة وخسائر فادحة» إذا مضت في حصارها للموانئ الإيرانية.

ما الذي نعرفه عن هذا التعيين؟

أعلن مكتب الاتصالات الرئاسي الإيراني مساء الأحد أنّ الرئيس مسعود بزشكيان عيّن رضائي أميناً لمجلس الأمن القومي الأعلى، وفق ما أفادت به قناة الجزيرة العربية. وفي اليوم ذاته، أصدر خامنئي مرسوماً يعيّن فيه رضائي ممثّلاً له في المجلس، مستحضراً تجربته الميدانية وكونه من «رواد حقبة الدفاع المقدّس» إبّان الحرب الإيرانية-العراقية و هو توصيفٌ عزّز الطابع العسكري في تفسير دوافع الاختيار.

ما دلالة هذا التعيين؟

مجلس الأمن القومي الأعلى مؤسسةٌ محوريّة تلتقي فيها الاعتبارات الاستراتيجية للرئاسة والخارجية والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية. ولهذا، فإنّ هوية أمين المجلس تحمل ثقلاً يتجاوز صلاحياته الإدارية، لا سيّما حين يتزامن تغيير القيادة مع حربٍ مفتوحة ومفاوضاتٍ متعثّرة مع واشنطن وخلافاتٍ حول شروط الملاحة والسيادة على مضيق هرمز.

ويرى عباس أصلاني، الباحث الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط في طهران، أنّ رضائي يُضيف إلى المنصب خبرةً عسكريةً وسياسيةً واقتصادية متكاملة. وقال : «كانوا بحاجة إلى شخصٍ قادر على تنسيق مختلف مؤسسات الحكومة». وأضاف أنّ رضائي «لا يختلف كثيراً عن سلفه على صعيد الأمن، لكنّ الدور الذي يمكنه أداؤه على الصعيد الداخلي، بوصفه عاملَ توازنٍ في البلاد، يكتسب أهميةً بالغة في هذا السياق».

وأشار أصلاني إلى أنّ رضائي، بحكم خلفيّته قائداً للحرس الثوري وعضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام، سيضطلع بدورٍ محوري في مفاوضات طهران مع واشنطن، مستدلاً بأنّ «المهمّ أن يكون ثمّة شخصٌ قادر على التواصل مع مختلف التيارات والحوار معها، وهذا هو سبب اختياره».

ويكتسب هذا التعيين بُعداً سياسياً إضافياً حين يُستحضر موقف رضائي في الانتخابات الرئاسية عام 2024، إذ دعم محمد باقر قاليباف، ممّا يضعه انتخابياً في خانةٍ أقرب إلى التيار المحافظ الذي يمثّله قاليباف، رئيس البرلمان الحالي وكبير المفاوضين مع واشنطن، لا إلى الجناح الأكثر تشدّداً المرتبط بسعيد جليلي، المنافس الثاني لبزشكيان.

غير أنّ هذا الموقف الانتخابي لا يكفي وحده لتصنيف رضائي معتدلاً أو لتحديد تحالفاته الدائمة. ما يُشير إليه هو أنّ موقعه داخل المعسكر المحافظ لا يتطابق بالضرورة مع تيار جليلي والقوى الأشدّ رفضاً للتفاوض مع واشنطن. وهذا قد يمنحه هامشاً للمناورة بين أطرافٍ متعدّدة: حكومة بزشكيان ذات الخطاب الأكثر انفتاحاً، والمعسكر المحافظ المرتبط بقاليباف، والقوات العسكرية والأمنية التي تربطه بها صلاتٌ تاريخية تمتدّ إلى حقبة قيادته للحرس الثوري.

ما تداعيات تعيينه على رأس الجهاز الأمني؟

قدّم المحلّلون الذين اُستطلعت آراءهم قراءتَين رئيسيّتَين لهذا التعيين: الأولى ترى فيه مؤشّراً على تقديم الاعتبارات العسكرية والأمنية في زمن الحرب والتوتّر مع واشنطن. والثانية تذهب إلى أنّ إدخال قائدٍ سابق للحرس الثوري إلى قلب منظومة القرار قد يُيسّر، على نحوٍ مفارق، تمرير أيّ تسويةٍ تفاوضية مستقبلية أمام الجمهور المتشدّد في الداخل.

وأفاد الصحفي والمحلّل السياسي الإيراني مشعل شمس الواعظين بأنّ اختيار رضائي فاجأ شريحةً من الإيرانيين الذين كانوا يتوقّعون وجوهاً جديدة في مجلس الأمن القومي الأعلى لقيادة المؤسسة في زمن الحرب والاستجابة لمطالب التجديد في بنية القرار.

ووفق شمس الواعظين، فإنّ القوى الأكثر تشدّداً ترى في سجلّ رضائي العسكري، ولا سيّما قيادته السابقة للحرس الثوري، عاملاً يمنح قرارات المجلس ضماناتٍ أمنيةً وسياسيةً أمتن. وهذه القراءة تنبع من أنّ التحدّي الذي يواجه صنّاع القرار في إيران لا يقتصر على اتخاذ القرارات، بل يمتدّ إلى قدرتها على اكتساب القبول داخل مراكز النفوذ وبين القاعدة الاجتماعية الداعمة للتيار المتشدّد. فقد رافقت مسار المفاوضات هتافاتٌ تطالب بوقفها وتتّهم المؤيّدين لها بالضعف، ممّا يجعل أيّ تسويةٍ عُرضةً للمزايدة السياسية إذا حملها شخصٌ مرتبط بالتيار المعتدل.

وأضاف شمس الواعظين أنّ انتقال رضائي إلى أمانة المجلس قد يُخفّف هذا الجدل، لأنّ تاريخه العسكري يمنح القرارات التي يُسهم في صياغتها قدرةً أكبر على استيعاب اعتراضات التيارات المتشدّدة. وأشار إلى أنّ حضوره على رأس المجلس قد يُهدّئ شريحةً واسعة من هذه القوى، لا سيّما في ما يخصّ المفاوضات، «لأنّهم سيجدون صعوبةً بالغة في اتّهام قائدٍ سابق للحرس الثوري بالضعف أو بالتفريط في المصالح الأمنية الإيرانية».

على الصعيد الخارجي، يفتح تعيين رضائي المجال لقراءتَين تبدوان متناقضتَين: الأولى أنّه ردٌّ إيراني على تصاعد الضغط الأمريكي، والثانية أنّه تمهيدٌ لاتّخاذ قراراتٍ صعبة في مسار التفاوض. فوفق القراءة الأولى، تريد طهران أن تُرسل رسالةً مفادها أنّ التصعيد في العقوبات والحصار والضغط العسكري سيُقابَل بموقفٍ أشدّ صلابةً، وأنّ تقديم مطالب تتجاوز التفاهمات السابقة سيدفعها إلى الواجهة بشخصياتٍ تمثّل خطاباً أكثر تحدّياً. أمّا القراءة الثانية، فتنطلق من أنّ التسويات الكبرى لا تمرّ بالضرورة عبر الشخصيات المعتدلة، بل قد تستلزم شخصاً ينتمي إلى صميم منظومة القرار؛ فحين يتبنّى صاحب السجلّ العسكري والأمني خيار التفاوض، يغدو أقدر على الدفاع عنه في الداخل وأقلّ عُرضةً لاتّهامات التنازل.

ويرى شمس الواعظين أنّ رضائي قادرٌ على دفع مسار التفاوض السياسي مع واشنطن إلى الأمام، لأنّ سجلّه العسكري يوفّر غطاءً داخلياً وضماناً كبيراً لتنفيذ أيّ تفاهمٍ مستقبلي. ووفق هذه القراءة، فإنّ السؤال لا يتعلّق بما إذا كان رضائي متشدّداً أم معتدلاً، بل بقدرة رصيده العسكري والسياسي على تحويل القرار، أيّاً كان اتجاهه، إلى سياسةٍ قابلة للتطبيق.

«تحوّل في العقيدة الأمنية»

في المقابل، يُقدّم أستاذ العلاقات الدولية محسن فرخاني تحليلاً يميل إلى اعتبار التعيين انعكاساً لتحوّلٍ في العقيدة الأمنية الإيرانية، لا مجرّد بحثٍ عن غطاءٍ داخلي للمفاوضات. وقال فرخاني لقناة الجزيرة العربية إنّ تعيين رضائي جاء في أعقاب ما وصفه بـ«الانتهاكات الأمريكية المتكرّرة» لمذكرة التفاهم الموقّعة في يونيو، وإخفاق الدبلوماسية في احتواء التوتّر والحرب، مشيراً إلى أنّ طهران اتّهمت واشنطن بالتنصّل من بنود المذكرة.

ويرى فرخاني أنّ خبرة رضائي سواءٌ في قيادة الحرس الثوري أو في تنظيم القوات إبّان الحرب الثمانية عشر يوما تنسجم مع توجّه إيران نحو مفهوم «الردع الهجومي القائم على العقاب»، والاستعداد لمواجهةٍ عسكرية جدّية وحربِ استنزافٍ طويلة الأمد. ويُشير إلى أنّ القرار يكشف عن إيلاء وزنٍ أكبر لأساليب الحرب التقليدية، إلى جانب الاستمرار في الاعتماد على الأساليب غير المتماثلة (الحرب غير النظامية)، بهدف فرض خسائر تراكمية على الدول المعادية في مواجهةٍ طويلة الأمد وعالية الضغط.

وبناءً على هذه القراءة، يتوقّع فرخاني أن تتبنّى طهران مواقف أقلّ مرونةً تجاه واشنطن، سواءٌ في أيّ مفاوضاتٍ محتملة أو في الملفّات المتعلّقة بالسيادة على مضيق هرمز. غير أنّه يُنبّه إلى أنّ ذلك لا يعني أنّ رضائي وحده سيغيّر بنية القرار أو الثقل القانوني للرئيس بزشكيان والخارجية وقيادة الحرس الثوري، «لأنّ المجلس يعمل ضمن معاملاتٍ محدّدة ويؤدّي وظيفة التنسيق بين المؤسسات تحت إشراف المرشد الأعلى وقراراته النهائية».

بيد أنّ تعيينه، وفق فرخاني، سيُضفي ثقلاً أكبر على الاعتبارات العسكرية والأمنية في صنع القرار وتنفيذه، فيما ستغدو تقديرات الردع والحرب أكثر حضوراً حين تُوضع الخيارات السياسية والتفاوضية على الطاولة.

وفي المحصّلة، يرى فرخاني في هذا التعيين مؤشّراً على تقديم الاعتبارات العسكرية والأمنية وتصلّب الموقف الإيراني، في حين يذهب شمس الواعظين إلى أنّ خلفية القائد السابق للحرس الثوري المتشدّدة قد تمنحه، على العكس من ذلك، القدرة على توفير غطاءٍ داخلي لأيّ تسويةٍ تفاوضية محتملة.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لقاء رسمي، مع تراجع قدرات الولايات المتحدة في حربها مع إيران وتزايد الضغوط السياسية والعسكرية.

تصاعد الضغوط الإيرانية على إدارة ترامب

تصاعدت أزمة الحرب بين ترامب وإيران وسط شح الذخيرة وتوترات سرية تهدد الطائرة الرئاسية. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيراته على الأمن القومي الأمريكي واستعد لمعرفة ما سيحدث لاحقاً.
Loading...
انفجار ليلي في مضيق هرمز خلال تصاعد التوترات الأمريكية-الإيرانية وتأثيره على حركة الملاحة النفطية الحيوية.

الولايات المتحدة والمضيق الحساس: هل تسيطر فعلاً على هرمز؟

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز وسط نزاع أمريكي-إيراني يهدد إمدادات النفط العالمية. هل سيستمر الحصار أم تنجح جهود فتح المضيق؟ اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الاقتصاد العالمي الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يلوح بيده مرتديًا قبعة تحمل شعار "USA" في سياق حديثه عن الضغط الاقتصادي على إيران والمفاوضات.

ترامب يختار الضغط الاقتصادي على إيران بدلاً من الضربات العسكرية

تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران وسط مفاوضات اقتصادية دقيقة تركز على الحصار البحري وتأثيره على الاقتصاد الإيراني المتدهور. هل تنجح الدبلوماسية في إعادة فتح مضيق هرمز وتجنب التصعيد العسكري؟ اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اجتماع رسمي، يعكس توتر المفاوضات مع إيران حول مضيق هرمز وسط تهديدات متكررة وتراجع في التصعيد.

آخر فرصة: تاريخ تهديدات ترامب لإيران والوعود بصفقة وشيكة

تتصاعد التوترات بين ترامب وإيران حول مضيق هرمز مع تهديدات مستمرة وتراجع مفاجئ في اللحظات الأخيرة، مما يزيد من غموض مستقبل الحرب. اكتشف التفاصيل وتابع آخر التطورات الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية