تصاعد العنف في مالي بين الجماعات المسلحة والجيش
خَبَرَيْن ترصد موجة هجمات جديدة في شمال مالي تستهدف الجيش المالي والقوات الروسية وتكشف عن دور جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في تصعيد النزاع المستمر بين الجماعات المسلحة والحكومة وسط توتر أمني متصاعد.

في شمال مالي، حيث تمتدّ الرمال بلا حدود وتتشابك خطوط النزاع منذ عقود، شهدت مناطق عدة يوم السبت موجةً جديدة من الهجمات المنسّقة التي شنّتها جماعات مسلّحة على مواقع الجيش المالي الذي يقوده العسكريون. وقد طالت الهجمات قاعدةً تستخدمها القوات المالية إلى جانب عناصر روسية، في مؤشّرٍ على تصعيدٍ لافت يأتي بعد أكثر من شهرَين على هجماتٍ مماثلة استهدفت العاصمة باماكو ومواقع أخرى.
أين وقعت الهجمات؟
في بيانٍ أوّلي، أكّد الجيش المالي تعرّضه لهجماتٍ على خمسة مواقع: في أغيلهوك وأنيفيس وغاو في الشمال، وسيفاري في وسط البلاد، وكينيروبا في الجنوب.
وأعلن الجيش لاحقاً أنّ الوضع بات «تحت السيطرة الكاملة»، مشيراً إلى مقتل 20 «إرهابياً» في سيفاري وستّة آخرين في غاو، فيما لقي مقاتلٌ موالٍ للحكومة حتفه في غاو وأُصيب أربعة آخرون.
وفي بيانٍ لاحق صدر يوم السبت ذاته، أفاد الجيش بأنّه أحبط هجماتٍ في مدينتَي كونّا وسوماداغو الواقعتَين في وسط البلاد، وذلك بمساندة Africa Corps، المجموعة شبه العسكرية المدعومة من روسيا.
وفي يوم الأحد، نشرت Africa Corps على قناتها في Telegram مقاطع مصوّرة تُظهر هجوماً بطائرة مسيّرة على موقعٍ للمتمرّدين في أنيفيس، فضلاً عن مشهدٍ لجندي روسي فوق مبنى في قاعدة أغيلهوك. غير أنّه لم يتسنَّ التحقّق من هذه المقاطع بصورةٍ مستقلّة.
أمّا في كينيروبا، فقد تعرّض مجمّعٌ سجني كبير — يُحتجز فيه عددٌ من أبرز وجوه المعارضة السياسية في مالي — لهجومٍ وفق ما أُفيد.
من يقف وراء الهجمات؟
أعلن متحدّثٌ باسم جبهة تحرير أزواد (FLA)، الجبهة المتمرّدة ذات الغالبية الطوارقية، لوكالة Reuters مشاركةَ الجبهة في هذه الهجمات.
كما تبنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة المسؤوليةَ عن الهجمات، مؤكّدةً في بيانٍ لها أنّها هاجمت واستولت على ما لا يقلّ عن سبعة مواقع تابعة للجيش أو للمجموعات الموالية للحكومة. ولم يُتحقَّق من هذه التصريحات بصورةٍ مستقلّة.
من هي هذه الجماعات؟
تأسّست JNIM عام 2017 بوصفها تحالفاً يضمّ الفرع الصحراوي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلى جانب جماعاتٍ مالية مسلّحة هي: أنصار الدين، وكتيبة ماسينا، والمرابطون.
ويقودها إياد أغ غالي، مؤسّس أنصار الدين عام 2012، وينتشر عناصرها عبر المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
تسعى JNIM في المقام الأوّل إلى السيطرة على الأراضي وطرد النفوذ الغربي من مناطق عملياتها. ويرى بعض المحلّلين أنّ الجماعة قد تطمح إلى السيطرة على المدن الكبرى، بل إلى حكم البلاد بأسرها في نهاية المطاف.
أمّا FLA، فقد تأسّست عام 2024 من تحالفٍ بين قوى انفصالية في شمال مالي، ويقودها الغباس أغ إنتالا. وتمثّل الجبهة آخر حلقاتٍ في سلسلة طويلة من تمرّدات الطوارق الساعين إلى تقرير المصير والاستقلال.
وعلى الرغم من التنافس الذي يسم العلاقة بين الجماعتَين في أحيانٍ كثيرة، فإنّ مقاتليهما — أو مقاتلي التنظيمات التي سبقتهما — سبق أن تعاونوا في مناسباتٍ عدة في مواجهة عدوٍّ مشترك، هو الحكومة المالية وحلفاؤها.
وفي أواخر أبريل الماضي، كانت الجماعتان وراء سلسلة هجماتٍ منسّقة طالت مواقع متفرّقة في مالي، وأودت بحياة وزير الدفاع صادياو كاميرا.
كيف آلت مالي إلى ما هي عليه اليوم؟
منذ استقلالها عام 1960، عاشت مالي دوّاماتٍ متعاقبة من الاستقرار والاضطراب السياسي، تتخلّلها تمرّداتٌ وأزماتٌ اقتصادية وانقلاباتٌ عسكرية.
في عام 2012، أطلق انفصاليو الطوارق، بالتحالف مع مقاتلين من تنظيمٍ فرعي للقاعدة، تمرّداً أحكموا من خلاله قبضتهم على شمال البلاد. غير أنّ المقاتلين المرتبطين بالقاعدة سرعان ما أقصوا الطوارق وسيطروا على المدن الشمالية الكبرى، ممّا استدعى تدخّلاً عسكرياً فرنسياً مطلع عام 2013 بطلبٍ من الحكومة المالية.
وفي سبتمبر 2013، انتُخب إبراهيم بوبكر كيتا رئيساً للبلاد. وفي عهده، رعت الأمم المتحدة عام 2015 اتّفاقية سلامٍ بين الحكومة وجماعات الطوارق الشمالية المطالبة باستقلال أزواد.
بيد أنّ كيتا أُطيح به في انقلابٍ عسكري في أغسطس 2020، إثر أشهرٍ من الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت على خلفية الأزمة الاقتصادية الحادّة وتردّي الأوضاع الأمنية. وفي سبتمبر من العام ذاته، أدى العقيد المتقاعد ووزير الدفاع السابق باه نداو اليمين الدستورية رئيسًا مؤقتًا، فيما تولّى قائد الانقلاب عاصمي غويتا منصب نائب الرئيس.
وفي مايو 2021، أمسك غويتا بزمام السلطة في انقلابٍ ثانٍ، متعهّداً باستعادة الأمن. وقد قطعت حكومته علاقاتها مع فرنسا، المستعمر السابق، وطردت القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام الأممية.
وفي ديسمبر 2021، دعا غويتا مجموعة فاغنر الروسية للمرتزقة إلى دعم الحكومة العسكرية في مواجهة الجماعات المسلّحة. وفي يونيو من العام الماضي، أعلنت فاغنر انسحابها من مالي بعد أكثر من ثلاث سنواتٍ ونصف من الانتشار، إلّا أنّ المرتزقة الروس ظلّوا في البلاد تحت مسمّى Africa Corps.
وفي هذا السياق، قال Alex Vines، مدير برنامج أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إنّ الهجمات الأخيرة أسفرت عن حصر سيطرة السلطات المالية في «جيوبٍ وممرّاتٍ مُحصَّنة».
وأضاف: «لم يتحسّن الوضع الأمني بوجهٍ عام»، مشيراً إلى أنّ الجماعات المسلّحة باتت تنسّق عملياتها العسكرية بدلاً من التنافس فيما بينها. وخلص إلى أنّ «الدعم العسكري الأجنبي في هذا السياق لا يُحقّق سوى نجاحٍ محدود».
