إيران تواجه الحرب الاقتصادية الأمريكية بتحذيرات حاسمة
إيران تواجه الحرب الاقتصادية الأمريكية بتحذيرات حادة لدول الجوار من المشاركة في العقوبات مؤكدة استعدادها للرد بقوة وحصار مضيق هرمز ومناطق التصدير البديلة ما يجعل الصراع الاقتصادي عسكرياً وأمنياً معقداً خَبَرَيْن

ثمّة منطقٌ يكاد يبدو بديهياً في أوقات الحرب: إنّ الطرف الأضعف اقتصادياً سيرضخ في نهاية المطاف أمام الضغط المتراكم. غير أنّ إيران تُقدّم منذ عقود شاهداً معقّداً على هذه الفرضية لم تنهار تحت العقوبات، ولم تُسوَّ مطالبها كلياً، بل تحوّلت إلى طرفٍ يُحسن توظيف الضغط ورقةً تفاوضية. واليوم، مع تصاعد حدّة الحرب الاقتصادية الأمريكية، تُطلق طهران تحذيراتٍ تتجاوز الخطاب المعتاد إلى ما يشبه العقيدة العسكرية المُعلنة.
ماذا قالت إيران؟
في يوم السبت، خاطب محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، القناةَ الرسمية IRIB، مُوجِّهاً نداءً إلى دول العالم كافة، بما فيها دول الجوار، بعدم الانضمام إلى ما وصفه بـ"الحرب الاقتصادية" الأمريكية على إيران.
قال رضائي: "أيّ دولة تشارك في فرض قيودٍ اقتصادية علينا ستُعدّ عدوّاً"، محذّراً من ردٍّ "زلزالي". وذهب أبعد من ذلك حين خاطب دول الجوار الخليجي تحديداً، مُنذِراً بأنّ مشاركتها في الحرب الاقتصادية التي يشنّها Trump ستعني أنّه "لن تخرج قطرةُ نفطٍ واحدة" من منطقة الخليج لا عبر مضيق هرمز الذي تمرّ منه في أوقات السلم خُمسُ صادرات النفط والغاز العالمية، ولا عبر مسارات التصدير البديلة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ إيران شنّت هجماتٍ على منشآت عسكرية أمريكية ومواقع مدنية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، مستندةً إلى ذريعة أنّ طهران كانت على وشك امتلاك أسلحةٍ نووية وهو ادّعاءٌ دحضته أجهزة الاستخبارات الأمريكية ووكالة الطاقة الذرية الدولية (IAEA) على حدٍّ سواء.
تأتي تصريحات رضائي بعد أيامٍ من إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump عزمَ بلاده تنفيذ "أشدّ عملية اقتصادية" ضد إيران، مُتوعِّداً بـ"تبعاتٍ اقتصادية هائلة" لأيّ دولةٍ تُقدّم لطهران "أيّ شكلٍ من أشكال شريان الحياة". وفي اليوم التالي، جاء وزير الخزانة الأمريكي Scott Bessent ليُردّد الموقف ذاته بصياغةٍ لا تخلو من حدّة: "إمّا معنا أو ضدّنا"، مُحثّاً الصين التي تستورد أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية على التعاون.
في المقابل، أكّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم الأحد أنّ بلاده تخوض "حرباً اقتصادية وعسكرية وأمنية شاملة" مع الولايات المتحدة، رافضاً التوقّعات الأمريكية السابقة بانهيار إيران. وقال في خطابٍ متلفز: "العدوّ قدّر أنّه إن سقطت إيران، ستصبح فنزويلا. لم يحدث ذلك، بل أصبحت قوّةً أذهلت العالم بصمودها وتضامنها وتماسكها."
كيف يمكن لإيران أن تردّ؟
وصف رضائي الاستراتيجية الإيرانية بأنّها تسير في ثلاث مراحل متتالية: تبدأ بالتفاوض مع الدول المتعاونة مع واشنطن، ثمّ تنتقل إلى الضغط، وأخيراً إلى الضربة المباشرة.
قال: "بالطبع، سنتفاوض معها أوّلاً. سنُجري محادثاتٍ ونقول لها أن تبتعد عن الولايات المتحدة. لكن إن لم تفعل، سنضرب. سنستهدف مصالح تلك الدولة."
والأرجح أنّ تحذيره من استهداف مسارات التصدير البديلة خارج هرمز يُشير تحديداً إلى مضيق باب المندب، بوّابة البحر الأحمر، الذي لجأت إليه السعودية لتصدير نفطها في ظلّ الحصار المفروض على هرمز. وقد فرضت طهران هذا الحصار رداً على الحرب الأمريكية، وباتت توظّفه ورقةَ ضغطٍ في مفاوضاتها مع واشنطن، فيما تفرض الولايات المتحدة بدورها حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.
وفي قراءةٍ تحليلية نشرها على منصّة X يوم السبت، رأى حميد رضا عزيزي، الباحث في الشأن الإيراني بمعهد Clingendael، أنّ "طهران تسعى إلى بناء الردع في مرحلةٍ أبكر، بالإشارة إلى أنّ حتى الاستعدادات للهجوم قد تُفضي إلى ردٍّ إيراني". وأشار عزيزي إلى عنصرين يتشكّلان في ما وصفه بـ"العقيدة الهجومية" الجديدة: الاستباق، الرامي إلى منع التهديد من التحقّق قبل وقوعه؛ والردّ غير المتناسب، الرامي إلى رفع تكلفة أيّ هجومٍ يقع فعلاً. وخلص إلى أنّ التحذير الإيراني لدول الخليج هو "في جوهره إنذارٌ نهائي"، مُضيفاً أنّ المؤسسة العسكرية-الأمنية الإيرانية "تستعدّ بصورةٍ متزايدة لجولةٍ أخرى من التصعيد".
هل ستنضمّ دول الجوار إلى الحرب الاقتصادية الأمريكية؟
تجد دول الخليج نفسها في موقفٍ بالغ الحرج: هي في الوقت ذاته حليفةٌ لواشنطن وجارةٌ لطهران، وقد أضرّت الهجمات الإيرانية باقتصاداتها التي تعتمد على مضيق هرمز في معظم صادراتها. وبينما أدانت هذه الدول الهجمات الإيرانية على أراضيها، يرى المحلّلون أنّها تُدرك في الوقت ذاته ضرورة الإبقاء على علاقةٍ وظيفية مع طهران، لا لشيءٍ إلا لأنّ الجغرافيا لا تتفاوض.
أعادت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 2022، غير أنّها فرضت حظراً تجارياً الأسبوع الماضي إثر اتهامها لطهران بشنّ هجومٍ صاروخي، وهو ما تنفيه إيران. أما السعودية وإيران، فقد اتفقتا على تطبيع العلاقات عام 2023 بوساطةٍ صينية، في حسابٍ استراتيجي مفاده أنّ الانخراط مع طهران أقلّ كلفةً من المواجهة الدائمة وإن كانت الهجمات الإيرانية قد اختبرت هذا الحساب دون أن تُسقطه كلياً.
يقول Simon Mabon، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة Lancaster، في تصريحاتٍ أدلى بها الشهر الماضي: "في نهاية المطاف، دول الخليج لا تستطيع تغيير الجغرافيا. عليها أن تعيش وتعمل جنباً إلى جنب مع إيران. هي لا تريد الفوضى التي ستنجم عن سقوط الجمهورية الإسلامية. أعتقد أنّ بعض دول الخليج دفعت باتجاه ضرباتٍ أشدّ لا لتعجيل انهيارها، بل لإضعاف العناصر المتشدّدة في الحرس الثوري."
وفي السياق ذاته، قال Trita Parsi، نائب رئيس معهد Quincy للحكمة في السياسة الخارجية، الشهر الماضي، إنّ الثقة في الدبلوماسية لا تزال متدنّية، لكنّ أيّ دولةٍ في المنطقة "لا تستطيع تحمّل حربٍ طويلة أخرى". وهذا بحدّ ذاته، في رأيه، سيُبقي الأطراف بعيدةً عن "مستوىً كاملٍ من التصعيد غير المنضبط"، كما أنّ تراجع المخزونات النفطية العالمية يجعل مواجهةً مطوّلة بين واشنطن وطهران أمراً مُكلفاً للجميع. وأضاف Parsi: "لم تتمكّن المخزونات من الانتعاش خلال فترة وقف إطلاق النار. نحن عند مستوياتٍ أدنى بكثير على الصعيد العالمي."
ماذا نعرف عن العقوبات الدولية على إيران على مرّ العقود؟
منذ عام 1979، تواجه إيران عقوباتٍ أمريكية وغربية ودولية متراكمة، تكشف في مجملها عن مفارقةٍ لافتة: كلّما تصاعد الضغط، تكيّفت طهران بأساليب جديدة، دون أن تنهار ودون أن تُذعن كلياً.
فرضت الولايات المتحدة عقوباتها الأولى عقب ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه رضا بهلوي، رداً على احتجاز الطلاب الإيرانيين للدبلوماسيين الأمريكيين في السفارة بطهران. وأوقفت واشنطن استيراد النفط الإيراني وجمّدت 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، وحظرت المنتجات الإيرانية باستثناء الهدايا الصغيرة والمواد المعلوماتية والأغذية وبعض أنواع السجاد.
في عام 1995، أصدر الرئيس Bill Clinton مراسيمَ تنفيذية تحظر على الشركات الأمريكية الاستثمار في قطاع النفط والغاز الإيراني أو التعامل التجاري مع طهران. وبعد عامٍ واحد، أصدر الكونغرس قانوناً يُلزم الحكومة الأمريكية بفرض عقوباتٍ على الشركات الأجنبية التي تستثمر أكثر من 20 مليون دولار سنوياً في قطاع الطاقة الإيراني.
في ديسمبر 2006، أقرّ مجلس الأمن الدولي بمشاركة الصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا عقوباتٍ على تجارة إيران في المواد والتكنولوجيا المرتبطة بالطاقة النووية، وجمّد أصول أفرادٍ وشركاتٍ ذات صلة. وكان الهدف الأساسي تقليص القدرة النووية الإيرانية المتنامية، غير أنّ برامج تخصيب اليورانيوم التي أُوقفت عام 2002 استُؤنفت في أواخر عام 2005، ليزيد مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي من حدّة العقوبات في السنوات التالية.
في عام 2015، وقّعت إيران الاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA) مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة، الذي قضى بتقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفعٍ كامل للعقوبات.
بيد أنّ Trump، خلال ولايته الأولى، أعلن عام 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وأعاد فرض جميع العقوبات التي رُفعت بموجبه، في إطار ما أسماه حملة "الضغط الأقصى". وفي عام 2019، صنّفت إدارته الحرس الثوري الإيراني (IRGC) "منظمةً إرهابية أجنبية"، وفرضت عقوباتٍ إضافية تطال البتروكيماويات والمعادن (الصلب والألومنيوم والنحاس) وكبار المسؤولين الإيرانيين. وفي عام 2020، اغتيل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، في ضربةٍ بطائرةٍ مسيّرة في بغداد.
أبقت إدارة Biden، التي حكمت بين عامَي 2021 و2025، على معظم العقوبات الأمريكية. وفي سبتمبر الماضي، أُعيد فرض العقوبات الأممية على إيران بسبب برنامجها النووي، بعد أن صوّت مجلس الأمن ضدّ رفعها بصفةٍ دائمة.
ما يستحقّ التأمّل في هذا المشهد المتشابك هو أنّ منطق العقوبات التراكمية لم يُفضِ حتى الآن إلى الاستسلام الإيراني الذي افترضه مُصمّموه، ولم يُفضِ في المقابل إلى تحوّلٍ جوهري في السياسة الإيرانية. وما تُلوح به طهران اليوم من تهديداتٍ بشأن مضيق هرمز وباب المندب يُذكّر بمعادلةٍ قديمة: الطرف المحاصَر لا يُسلّم سلاحه، بل يُعيد توزيع الأوراق. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل المحلّلين ليس "هل ستنهار إيران؟"، بل "ما الثمن الذي يدفعه الجميع ريثما تُحسم الإجابة؟"
أخبار ذات صلة

ترامب والأكاذيب المتكررة عن كندا: فحصٌ للحقائق

ترامب والنظام الدولي: اختبارٌ حاسمٌ في إيران وكندا

ترامب يهزّ الاقتصاد ويعمّق أزمات الحزب الجمهوري
