عودة تدفقات النفط من مضيق هرمز تثير مخاوف فائض المعروض
عودة حركة الملاحة في مضيق هرمز أسرع من المتوقع بعد اتفاق بين أمريكا وإيران مما خفّض أسعار النفط عالمياً. رغم ذلك، تراجع الطلب الصيني يثير مخاوف فائض المعروض وسط تقلبات جيوسياسية مستمرة تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

مضيق هرمز يعود إلى الحياة أسرع مما توقّعه كثيرون، إذ وقّعت الولايات المتحدة وإيران مذكّرة تفاهم وأطلقتا محادثات غير مباشرة في قطر تتعلّق بحركة الملاحة عبر المضيق.
أسهم ذلك في تراجع أسعار النفط العالمية، ممّا أتاح قدراً من الراحة للمستهلكين عند محطّات الوقود. وللمرّة الثالثة على التوالي، تراجعت الأسعار يوم الخميس بنحو 1%، في أعقاب إعلان قطر تقدّمَ المحادثات الأمريكية الإيرانية بشأن هذا الممرّ المائي الحيوي الذي كان يمرّ عبره خُمس إمدادات النفط العالمية قبل أن تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران في 28 فبراير.
غير أنّ استئناف تدفّقات النفط فجأةً أثار قلقاً موازياً يتعلّق بضعف الطلب العالمي، لا سيّما أنّ الصين أكبر مستورد للنفط في العالم قلّصت وارداتها بصورة ملحوظة.
وخفّض بنك Morgan Stanley توقّعاته لأسعار النفط للمرّة الثانية في غضون أسبوعين، محذّراً من خطر الفائض أي وفرة حادّة في المعروض من الخام تفوق الطلب الفعلي. ويرى المحلّلون أنّ هذا السيناريو مشروط ببقاء الواردات الصينية عند مستوياتها المنخفضة، فضلاً عن صمود الهدنة الهشّة بين واشنطن وطهران.
كيف استُؤنفت تدفّقات النفط؟
أطلقت مذكّرة التفاهم الموقّعة في 17 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران مرحلةَ تفاوض مدّتها 60 يوماً، بهدف التوصّل إلى اتفاق سلام دائم يشمل السماح بمرور ناقلات النفط المحمّلة التي ظلّت عالقة في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب.
وبموجب شروط الاتفاق المؤقّت، وافقت إيران على السماح للسفن بالعبور خلال 60 يوماً دون رسوم، إلّا أنّ صياغة الاتفاق أثارت جدلاً واسعاً؛ إذ تتمسّك طهران بأنّه يُبقي لها حقّ السيطرة المشتركة على المضيق بالتنسيق مع عُمان.
وفي الأسبوع الماضي، شنّت الولايات المتحدة ضربات على إيران مستشهدةً بهجوم على سفينة تجارية ذريعةً لذلك، في مؤشّر صريح على هشاشة الاتفاق.
وعلى الرغم من حدّة التوتّرات الجيوسياسية، استُؤنفت حركة الناقلات بوتيرة أسرع مما توقّعه كثيرون، ممّا دفع الأسعار نحو الانخفاض. ونقلت وكالة Bloomberg عن Morgan Stanley أنّ 35 ناقلة نفط وغاز خرجت من مضيق هرمز يوم الخميس، في أوّل مرّة تعود فيها الأرقام إلى النطاق المعتاد لمرحلة ما قبل الحرب.
وتراجعت عقود خام برنت الآجلة المعيار العالمي لأسعار النفط بمقدار 0.79 دولار، أي ما يعادل 1.1%، لتستقرّ عند 70.78 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 06:42 بتوقيت غرينتش يوم الخميس، فيما تراجع خام West Texas Intermediate الأمريكي بمقدار 0.84 دولار أو 1.2%، ليبلغ 67.74 دولاراً للبرميل. وكان كلا المؤشّرَين قد سجّلا تراجعاً يتجاوز 1% في الجلسة السابقة.
هل ثمّة خطر فعلي لفائض في النفط؟
أبدى محمد رضا فرزانيغان، أستاذ الاقتصاد في مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط (CNMS) وكلّية إدارة الأعمال والاقتصاد بجامعة Philipps-Universität Marburg الألمانية، تحفّظاً واضحاً على توقّعات Morgan Stanley.
وقال فرزانيغان : "أنصح بالحذر من التعامل مع توقّعات الفائض باعتبارها أمراً محسوماً. السوق يُسعّر حالياً استعادة تدفّقات هرمز وانفتاحاً مؤقّتاً على صادرات النفط الإيراني، لكنّ كلا الافتراضَين لا يزالان هشَّين."
قد ترتفع الأسعار مجدّداً بحسب مستوى الأمن في مضيق هرمز، غير أنّ المضيق ليس العامل الوحيد في المعادلة.
فمع ارتفاع أسعار النفط بشكل حادّ في الأسابيع الأخيرة، قلّصت الصين وارداتها مستعيضةً عنها بالسحب من المخزونات التجارية. وفي الوقت ذاته، بينما كانت تستورد تقليدياً نحو نصف نفطها الخام من الشرق الأوسط قبل الحرب، باتت تتّجه إلى الاستيراد من روسيا وكازاخستان والبرازيل وإندونيسيا وفنزويلا.
أدّى ذلك دور المُوازِن في أسواق النفط العالمية، إذ حال دون ارتفاع الأسعار بصورة أكبر خلال فترة النزاع. لكن مع إعادة فتح مضيق هرمز، لا تزال الواردات الصينية منخفضة بشكل لافت في حين يرفع المنتجون طاقتهم الإنتاجية.
يُضاف إلى ذلك أنّ رفع واشنطن مؤقّتاً للعقوبات النفطية على إيران أسهم في تعافي صادراتها تدريجياً. وأفادت وكالة Bloomberg بأنّ أكثر من 20 مليون برميل من الخام الإيراني بات جاهزاً للإبحار منذ ما لا يقلّ عن سبعة أيام، بارتفاع يناهز 18% مقارنةً بالأسبوع السابق، وفق بيانات مجموعة Kpler لاستخبارات التجارة العالمية.
أمّا الحجم الإجمالي المقدَّر للنفط الإيراني المحمّل على السفن سواء في العبور أو في حالة ثبات فيتراوح بين 58 و68 مليون برميل منذ دخول الإعفاء الأمريكي من العقوبات حيّز التنفيذ الأسبوع الماضي، وفق بيانات Vortexa وBloomberg.
والأكثر لفتاً للنظر أنّ أكثر من 90% من هذه الشحنات التي تجوب البحار حالياً لا وجهة محدّدة لها، في ظلّ توجّه المصافي الصينية المستقلّة وهي الزبائن الرئيسيون لإيران قبل النزاع نحو إبرام صفقات مع موردين بديلين.
وقال Kevin Morrison، المحلّل المتخصّص في تمويل الطاقة بمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (IEEFA)، إنّ توقّعات Morgan Stanley "مشروطة ببقاء الواردات الصينية عند مستوياتها المنخفضة، بدلاً من العودة إلى ما كانت عليه قبل النزاع".
بيد أنّ Morrison أشار إلى عامل إضافي يُعزّز احتمالات الفائض: الزيادة في الإنتاج النفطي في الأمريكتَين، حيث ترفع كلٌّ من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين طاقتها الإنتاجية هذا العام. وسجّلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم رقماً قياسياً في أبريل بلغ 13.934 مليون برميل يومياً، وهو أعلى معدّل إنتاج شهري تُسجّله على الإطلاق.
غير أنّ المحلّل أوضح أنّ توقّعات الفائض "تفترض استمرار الاتفاق الأمريكي الإيراني واستئناف إمدادات النفط بالكامل عبر مضيق هرمز للعودة إلى مستوى ما قبل النزاع البالغ 20 مليون برميل يومياً".
وأضاف Morrison: "من غير المرجّح بلوغ هذا الحجم قبل مطلع العام المقبل، نظراً للأضرار التي لحقت ببعض البنية التحتية الإنتاجية خلال النزاع"، في إشارة إلى الضربات الإيرانية على الأصول الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في دول الخليج، في خضمّ الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
إذن، هل سيكون هناك فائض فعلي في السوق؟
تُظهر بيانات الشحن الصادرة عن منصّة PortWatch تعافياً جزئياً وبطيئاً في حركة العبور عبر مضيق هرمز، لا عودةً إلى الوضع الطبيعي الكامل.
وبحسب فرزانيغان من مركز CNMS، فإنّ أعداد الناقلات الواردة وحمولاتها انهارت بعد مطلع مارس مع اندلاع الحرب على إيران، وظلّت في حضيضها طوال أبريل ومايو، قبل أن تبدأ في التعافي التدريجي مع نهاية يونيو في أعقاب المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
وقال: "حتى في هذه المرحلة، لا يزال المتوسّط المتحرّك لسبعة أيام أدنى بوضوح من مستواه في العام الماضي. هذا يعني أنّ برامل إضافية قد تعود إلى السوق، لكنّ التعافي اللوجستي لم يكتمل بعد."
ومن المقرّر أن ينتهي الإعفاء الأمريكي من العقوبات المفروضة على إيران في 21 أغسطس. وتساءل فرزانيغان: "يظلّ مصير هذا الانفراج ما بعد أغسطس ضبابياً." وإن لم يُجدَّد، فسيُلقي ذلك بضغوط إضافية على المعروض النفطي.
علاوةً على ذلك، أشار المحلّل إلى أنّ انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر قد تُشكّل عاملاً ضاغطاً يُعيد مضيق هرمز إلى دائرة التوتّر في حال استُؤنفت الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة. وقال: "إن خشي الجمهوريون من خسائر انتخابية، فقد تتعرّض إدارة Trump لضغوط لتجنّب صدمة أسعار النفط قبيل الاقتراع عبر عملية عسكرية في الخليج."
ومع عودة المزيد من البراميل إلى التدفّق عبر مضيق هرمز على المدى القريب، قد يُعيد الغموض الجيوسياسي بسرعة تسعير علاوة المخاطر الأمنية.
وخلص فرزانيغان إلى القول: "لذا أُفضّل وصف المشهد بأنّه خطر فائض مؤقّت في ظلّ حالة عدم يقين سياسي مرتفعة، لا فائضاً نفطياً مستقرّاً."
أخبار ذات صلة

البنوك المركزية ترى الدولار أقلّ أماناً.. وتتجه للذهب

أسعار وقود الطائرات تنخفض بسرعة.. تذاكر الطيران تقاوم الهبوط

أسواق الأسهم تصعد... والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع
