موجة حر تاريخية تضرب أوروبا وتثير القلق
أوروبا تواجه موجة حرٍّ ثانية تتجاوز 40 درجة مئوية، مع تحذيرات من 26 دولة. فرنسا تحظر الكحول في الأماكن العامة وتغلق المدارس، بينما تسجل المملكة المتحدة درجات حرارة قياسية. اكتشف المزيد عن هذه الظاهرة المناخية القاسية. خَبَرَيْن.

موجة حرٍّ ثانية تضرب أوروبا خلال شهرين، وفرنسا تُسجّل درجات حرارة تاريخية
تعاني أوروبا من موجة حرٍّ شديد للمرة الثانية في غضون شهرين، إذ تجاوزت درجات الحرارة في أجزاء واسعة منها 40 درجةً مئوية (104 درجات فهرنهايت)، مُلقيةً بظلالها على القارة الأسرع احتراراً في العالم. وفي مواجهة هذه الموجة الاستثنائية، أصدرت فرنسا حظراً على استهلاك الكحول في الأماكن العامة، وأغلقت إسبانيا منطقة مشجّعي كأس العالم في مدريد، فيما تترقّب المملكة المتحدة كسراً محتملاً للرقم القياسي التاريخي لدرجات الحرارة في شهر يونيو.
وأصدرت 26 دولةً أوروبية، تمتدّ من أيرلندا غرباً إلى اليونان شرقاً، تحذيراتٍ من الحرّ الشديد يوم الاثنين، في واحدة من أسوأ موجات الحرّ في يونيو التي تشهدها أوروبا الغربية منذ عقود.
قبّة الحرارة: الآلية الفيزيائية وراء الظاهرة
درجات الحرارة القياسية هذه ناجمةٌ عن ما يُعرف بـ"قبّة الحرارة" (Heat Dome)، وهي منظومة ضغطٍ مرتفع مستقرّة تعمل كغطاءٍ على إناءٍ مغلق: تحبس الهواء الساخن وتدفعه نحو الأسفل، مانعةً أيّ تهوية أو انخفاضٍ في درجات الحرارة. وتأتي هذه الموجة في سياقٍ إضافي يزيد من حدّتها، إذ يتشكّل نمط مناخي طبيعي معروف بـ"النينيو" (El Niño) في المحيط الهادئ الاستوائي، وهو نمطٌ ثبت علمياً أنّه يرفع وتيرة الظواهر الحرارية المتطرفة وشدّتها على مستوى العالم.
والجدير بالتمييز هنا: موجة الحرّ الراهنة حادثٌ طقسي بعينه، لكنّ تكرار هذه القِبَب الحرارية وتصاعد شدّتها على مدى العقود الماضية إشارةٌ مناخية لا يمكن إغفالها. يقول العلماء إنّ احتراق الوقود الأحفوري وتراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي يجعلان مثل هذه الموجات أكثر تكراراً وأشدّ وطأةً في كلّ مرة.
فرنسا: إغلاق مدارس وحظر الكحول
في فرنسا، بلغ الوضع درجةً استثنائية. فقد رُفعت تحذيرات الحرّ الحمراء أعلى مستوياتها على أكثر من نصف المناطق الإدارية البالغة 96 منطقة، وتجاوزت درجات الحرارة في بعض أرجاء البلاد 40 درجةً مئوية يوم الأحد.
وكان الحرّ بالغ الشدّة لدرجة دفعت الحكومة إلى حظر استهلاك الكحول في الأماكن العامة خلال احتفالات "عيد الموسيقى" (Fête de la Musique)، وهو مهرجانٌ سنوي يخرج فيه الملايين إلى الشوارع في أرجاء فرنسا كافّة. وقال مكتب رئيس الوزراء في بيانٍ رسمي: "أُعطيت تعليمات لجميع الفعاليات التي تنظّمها الدولة وهيئاتها بعدم تقديم الكحول".
وتوقّعت التقديرات أن يكون يوم الاثنين أشدّ حرارةً بعد، مع ارتفاع الحرارة إلى ما يتجاوز 42 درجةً مئوية (107 درجات فهرنهايت) في بعض المناطق. وأصدرت الحكومة أوامر بإغلاق أكثر من 800 مدرسة، وفق ما أفيد به.
وحذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية Météo France من أنّ الاثنين قد يُسجَّل بوصفه أشدّ يومٍ حرارةً في تاريخ فرنسا على الإطلاق، وأنّ درجات الحرارة ستبقى مرتفعة جداً" حتى الخميس على أقلّ تقدير. ووصفت الهيئة الموجة بأنّها "حلقةٌ استثنائية من موجة الحرّ على المستوى الوطني، بمستوى شدّةٍ قد يقترب من شدّة أغسطس 2003"، في إشارةٍ إلى موجة الحرّ المميتة التي راح ضحيّتها نحو 15,000 شخص.
المملكة المتحدة: "فرنٌ تحرّكه قبّة الحرارة"
تترقّب المملكة المتحدة بدورها أرقاماً قياسية مرتقبة. وتوقّع مكتب الأرصاد الجوية البريطاني Met Office أن تبلغ درجات الحرارة يوم الأربعاء 39 درجةً مئوية على الأقلّ (102.2 فهرنهايت)، وهو ما سيتجاوز الرقم القياسي التاريخي لشهر يونيو البالغ 35.6 درجةً مئوية (96.08 فهرنهايت)، المُسجَّل آخر مرة عام 1976. وستُضاف إلى ذلك مستوياتٌ مرتفعة من الرطوبة تزيد الحرارة إجهاداً، فضلاً عن ليالٍ استوائية لن تهبط فيها درجات الحرارة دون 20 درجةً مئوية (68 فهرنهايت). وتُعدّ حرارة الليل من أخطر جوانب الموجة، إذ تحرم الناس من فرصة الراحة والتعافي.
وأبدى العلماء قلقاً بالغاً حيال ما تشهده المملكة المتحدة. وقالت Liz Bentley، الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية للأرصاد الجوية، إنّ هذا يعني شهرين متتاليين "تُحطَّم فيهما الأرقام القياسية لدرجات الحرارة في المملكة المتحدة بفارقٍ يتجاوز درجتين مئويتين (3.6 فهرنهايت)". أمّا Akshay Deoras، عالم الأرصاد في جامعة Reading، فقد ذهب أبعد من ذلك قائلاً: "هذه ليست مجرّد موجة حرّ، بل هي فرنٌ تحرّكه قبّة الحرارة سيُحكم قبضته على معظم جنوب المملكة المتحدة ويدفع درجات الحرارة إلى مناطق استثنائية حقيقية".
إسبانيا: ليالٍ استوائية وإغلاق مناطق المشجّعين
لا تختلف الصورة كثيراً في إسبانيا، حيث تسجّل مناطق واسعة درجاتٍ تتجاوز 40 درجةً مئوية وليالي استوائية لافتة. وعلى ساحل ألمريا في جنوب شرق البلاد، لم تهبط درجات الحرارة ليلة الأحد إلى الاثنين دون 30 درجةً مئوية (86 فهرنهايت)، وفق ما أعلنته هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية AEMET. وفي مدريد، أُغلقت منطقة المشجّعين المُجهَّزة بشاشاتٍ عملاقة لمتابعة مباريات كأس العالم بسبب الحرّ، وفق ما أوردته وكالة Reuters. وحذّرت AEMET من أنّ يوم الاثنين سيكون بالغ الحرارة هو الآخر، مؤكّدةً أنّ "الخطر بالغٌ في معظم أنحاء البلاد".
الحرّ: القاتل الصامت
كثيراً ما يُوصف الحرّ بـ"القاتل الصامت"؛ فهو لا يُخلّف الدمار المرئي الذي تتركه الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات، غير أنّه الأكثر فتكاً بين الظواهر الجوية. فحين ترتفع درجات الحرارة وتتصاعد الرطوبة معاً، يتراجع التعرّق وسائر آليات تبريد الجسم في فاعليّتها، مُعرِّضاً الإنسان لخطر الإصابة بضربة الشمس.
وتجدر الإشارة إلى أنّ نحو 20% فقط من المنازل الأوروبية مُجهَّزة بأجهزة تكييف الهواء، مقارنةً بنحو 90% في الولايات المتحدة، وهو ما يُضاعف الخطر على ملايين الأوروبيين.
وقد رصدت منظمة الصحة العالمية (WHO) أكثر من 200,000 حالة وفاة في أوروبا جرّاء الحرارة الشديدة خلال السنوات الأربع الماضية، مُنبّهةً إلى أنّ الغالبية العظمى من هذه الوفيات كانت يمكن تفاديها.
ويُحذّر العلماء من أنّ موجات الحرّ الشديدة ستزداد تكراراً مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب. ويُلخّص Deoras المشهد بقوله: "لقد وفّر تغيّر المناخ المدفوع بالنشاط البشري منصّة الانطلاق لهذا الحدث، إذ أضاف إلى الغلاف الجوي حرارةً فائضة جعلت درجات الحرارة القصوى أشدّ بكثير ممّا كانت ستكون عليه في الماضي".
أخبار ذات صلة

موجة حرّ قياسية تجتاح أوروبا.. هل يحلّ القنّب أزمة التبريد والاستدامة؟

أستراليا تحذّر من ظاهرة النينيو الأقوى منذ عقود

المهاجرون المناخيون في زيمبابوي يخشون الإخلاء وسط تشديد القمع
