التحقيقات تعود بقوة حول وصيِّي إرث إبستين المشبوه
خَبَرَيْن ترصد تحقيقات فدرالية جديدة تكشف تورط محامي ومحاسب جيفري إبستين في إدارة تركته ودعم عملياته المشبوهة وسط اتهامات بتضارب مصالح ودعاوى ضحايا تطالب بالعدالة والشفافية.

بعد ستّ سنوات على موت جيفري إبستين داخل زنزانته، يعود اسمه إلى واجهة التحقيقات الفدرالية الأمريكية، هذه المرّة عبر بوّابة اثنين من أقرب مساعديه: محاميه السابق دارين إندايك (Darren Indyke)، ومحاسبه ريتشارد كاهن (Richard Kahn). فقد كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" هذا الأسبوع أن السلطات الفدرالية فتحت تحقيقاً بشأن الرجلين، فيما أُكد أن محقّقين بدؤوا الاتصال بشهود محتملين، من بينهم ناجيات من عمليات إبستين للاستغلال الجنسي، في خطوةٍ تُعيد إلى الواجهة سؤالاً لطالما طرحه الناجون: من كان يعرف، وماذا فعل بما عرفه؟
ماذا تكشف التحقيقات الجديدة؟
بحسب مصدرٍ مطّلع ، إنّ التحقيقات التي أجراها المحقّقون في وقتٍ سابق من هذا العام شملت استجواب مصدرٍ ناقش تفصيلاً علاقة إبستين بكلٍّ من إندايك وكاهن. وتُظهر المعطيات المتوفّرة أنّ جهاتٍ فدرالية، من بينها مكتب المدّعي العام لمنطقة نيويورك الجنوبية (SDNY)، طلبت وثائق تتعلّق برسائل بريد إلكتروني وشيكات مصرفية ومستندات أخرى مرتبطة بإبستين. كما أفاد المصدر نفسه أن المحقّقين فحصوا شركاتٍ صورية (Shell Companies) معروفة لدى إندايك وكاهن، في إشارةٍ إلى أن التحقيق يتجاوز مسألة "المعرفة الشخصية" ليطال البنية المالية التي قيل إنها سهّلت عمليات إبستين.
ومن الملفّات التي أعادت الأضواء إليها هذه التحقيقات، مؤسّسة "Florida Science Foundation"، وهي منظّمة غير ربحية أسّسها إبستين في نوفمبر 2007. وقالت ناجياتٌ عديدات إن إبستين اعتدى عليهنّ في مقرّ هذه المؤسّسة، بل إن بعض الاعتداءات، بحسب روايات الناجيات، وقعت بينما كان إبستين يقضي عقوبةً بالسجن.
في المقابل، التزمت الجهات الرسمية بموقفها التقليدي من عدم التعليق. فقد رفضت وزارة العدل الأمريكية تأكيد وجود تحقيقٍ من هذا النوع أو نفيه، وقال متحدّثٌ باسمها: "لا نُعلّق على وجود تحقيقاتٍ من عدمه. لطالما قلنا فيما يتعلّق بإبستين إننا سنحقّق إذا ما توفّرت الأدلّة". وسلك مكتب المدّعي العام لمنطقة نيويورك الجنوبية نهجاً مماثلاً، برفضه تأكيد التحقيق أو التعليق عليه.
الوصيّان اللذان يديران التركة ويستفيدان منها
ما يجعل موقع إندايك وكاهن محلّ تدقيقٍ خاص ليس مجرّد قربهما التاريخي من إبستين، بل ازدواجية أدوارهما داخل تركته. فالرجلان هما وصيّان مشتركان (Co-Executors) على تركة إبستين، وفي الوقت نفسه من أوائل المستفيدين من صندوقه الاستئماني المعروف بـ"صندوق 1953"، بمبالغ قد تصل، في حال دُفعت، إلى ملايين الدولارات. وتتولّى التركة حالياً الدفاع عن نفسها في دعاوى مدنية رفعها ضحايا إبستين، كما تتحمّل تكاليف الدفاع القانوني عن الوصيّين أنفسهما في تلك الدعاوى.
هذا التداخل بين صفة "الوصي" وصفة "المستفيد" هو ما دفع الناجيات إلى رفع دعوى جماعية (Class Action) ضدّ إندايك وكاهن في أغسطس الماضي، زعمت أن الرجلين "لعبا أدواراً محورية في تسهيل أفعال إبستين" عبر تقديم "الدعم المالي والقانوني اللازم لعملية الاتّجار الجنسي التي يقودها". وفي هذا السياق، تقول جينيفر فريمان، محامية ضحايا إبستين، إن "كان لديهما كلّ هذه الأدوار المتناقضة. فالوصي على تركةٍ يُعتبر أمين ائتمان (Fiduciary)، وهذا معيار عالٍ جداً في السلوك". وتضيف فريمان بلهجةٍ لا تخلو من التشكيك: "لا أفهم كيف يمكنهما، بصفتهما وصيّين على التركة، أن يقرّرا أيضاً ما إذا كانا مسؤولين بأي شكلٍ من الأشكال. أنت تتّخذ قراراً بشأن مسؤوليتك الشخصية، فقرّرا أنه لا مسؤولية عليهما. لا عجب في ذلك".
وقد طرحت فريمان هذا التضارب في المصالح خلال جلسة تسوية عُقدت في مانهاتن الأسبوع الماضي، لكن القاضي المسؤول عن الجلسة رفض الاعتراض المتعلّق بتضارب المصالح الذي أثارته.
نفيٌ متكرّر وسط شكوك متصاعدة
لم تكن هذه المرّة الأولى التي يُطلب فيها من إندايك وكاهن الإجابة على أسئلةٍ من هذا النوع. فقد شهد إندايك أمام المشرّعين في وقتٍ سابق من هذا العام، نافياً "أي معرفة على الإطلاق" بعمليات إبستين، ورافضاً "أي إشارة" إلى تورّطه. كما شهد كاهن أمام الكونغرس، مؤكّداً أن علاقته بإبستين كانت "على مستوىً مهني بحت"، وقال بالحرف: "لم أشاهد أي اعتداء جنسي أو اتّجار بالنساء، ولم أتلقّ أي شكوى سواء من إحدى ضحايا إبستين أو من أي شخصٍ آخر - بشأن مثل هذا الاعتداء أو الاتّجار".
أمّا في ما يتعلّق بالمسائل المالية، فقد نفى الرجلان توقّعهما الحصول على أي مبالغ من التركة. وأكّد محاموهما، دانيال واينر ودانيال روزوما، أنهما لم يتلقّيا أي أموالٍ من التركة حتى الآن، مشيرين إلى أن أي مدفوعاتٍ محتملة من "صندوق 1953" لن تُصرف إلا "بعد حسم جميع المطالبات المرفوعة على التركة والانتهاء الكامل من إجراءات التصفية". وبحسب محامين تحدّثوا ، فإن إجراءات التصفية هذه قد تستغرق ما لا يقل عن ثلاث سنوات أخرى، وهو ما يعني أن الوضع المالي للتركة، المنهك أصلاً بأعباء التقاضي المتوقّعة والتسويات المرتقبة، قد يحول أساساً دون دفع أي مستحقّات للوصيّين.
مسار طويل من المساءلة الناقصة
يأتي هذا التحقيق في سياق ملفٍّ لم يُغلق منذ وفاة إبستين في السجن عام 2019 وهو يواجه محاكمةً فدرالية بتهم الاتّجار الجنسي. فحتى اليوم، لم تُلاحَق قضائياً في الولايات المتحدة سوى غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين السابقة، بينما ظلّت شبكة العلاقات الأوسع التي مكّنته من العمل لعقودٍ خارج دائرة المساءلة القانونية المباشرة. وقد ضاعف الناجون ومناصروهم من الضغط لفتح تحقيقاتٍ إضافية وملاحقاتٍ قضائية جديدة، مطالبين بمزيدٍ من الشفافية. وقد استجاب المشرّعون جزئياً حين أقرّوا قانوناً العام الماضي يُلزم وزارة العدل بالإفراج عن ملايين الوثائق المتعلّقة بإبستين، رغم أن ملايين الوثائق الأخرى لا تزال بحوزة الوزارة دون نشر.
وفي تعليقها على التحقيق الجديد، رحّبت لورين هيرش، المؤسّسة المشاركة لمنظّمة "World Without Exploitation" العاملة عن قربٍ مع ناجيات إبستين، بالخطوة قائلة: "نُرحّب بالأنباء التي تفيد بأن المدّعين الفدراليين يحقّقون مع دارين إندايك وريتشارد كاهن، ويطرحون أسئلةً كان يجب طرحها منذ سنوات". وأضافت أن ما جرى "أصبح ممكناً بفضل شبكةٍ من الأشخاص والمؤسّسات المحيطة به، سهّلت الاستغلال، وحمت أشخاصاً أصحاب نفوذ، وخذلت النساء والفتيات اللواتي تعرّضن للأذى". وختمت هيرش بالقول: "يستحقّ الناجون سرداً كاملاً لكيفية تمكّن إبستين ومن كان في محيطه من العمل لفترةٍ طويلة، ومساءلة كل من سهّل أو شارك في استغلالهم".
يبقى السؤال المعلّق: هل يترجم هذا التحقيق الفدرالي، الذي لا تزال تفاصيله طيّ الكتمان الرسمي، إلى ملاحقاتٍ قضائية فعلية تتجاوز صمت وزارة العدل المعتاد؟ الإجابة، إن وُجدت، ستتوقّف على ما ستكشفه الوثائق التي لا يزال جزءٌ كبيرٌ منها حبيس أدراج الحكومة الأمريكية، وعلى مسار إجراءات تصفية تركةٍ لن تكتمل، بحسب المحامين، قبل ثلاث سنواتٍ على الأقل.
أخبار ذات صلة

نيكولاس مادورو وزوجته يواجهان اتهامات جديدة بتعذيب أمريكيين

كورنيل تعيّن سالي يتس للتحقيق في التعامل مع اتهامات الاغتصاب

نيكول براون سيمبسون: رسالة أختها حول العنف الأسري
