أزمة الاكتظاظ في السجون البلجيكية تتفاقم
تعاني السجون البلجيكية من أزمة اكتظاظ متزايدة، حيث تجاوز عدد المحتجزين الطاقة الاستيعابية. يتحدث بلال عن ظروف السجون القاسية وتأثيرها على الصحة النفسية. تعرف على التحديات التي تواجه النظام العقابي في بلجيكا. خَبَرَيْن.

بلال يعرف معنى القضبان الحديدية جيداً.
على مدار 10 سنوات، قضى هذا الرجل البالغ من العمر 34 عاماً محكوماً عليه في 5 سجون مختلفة عبر أنحاء بلجيكا. يتذكّر بوضوح تامٍّ ما عاشه في سجن Mons، ذلك المبنى المتواجد منذ القرن التاسع عشر القابع قرب الحدود الفرنسية، حيث كانت زنازين مساحتها 9 أمتار مربعة تضمّ ثلاثة سجناء أو أربعة في آنٍ واحد. يتذكّر موجات الجرب وبق الفراش وجدري القردة وهي تنتشر بين المحتجزين، ويتذكّر الحرّاس الذين كان الإرهاق ينهشهم نهشاً.
يقول بلال، مشترطاً الاكتفاء باسمه الأول: "خلال سنواتي العشر في السجن، كانت الأوضاع تزداد سوءاً باستمرار. سلبونا جزءاً من وقت الخروج من الزنازين، وأُلغيت أنشطة كثيرة."
بلجيكا، إحدى أغنى دول أوروبا، تعيش اليوم أزمةً متفاقمة من الاكتظاظ في سجونها.
في منتصف مايو، بلغ عدد المحتجزين في 39 سجناً بلجيكياً نحو 13,733 نزيلاً، متجاوزاً بشكلٍ ملحوظ الطاقة الاستيعابية البالغة 11,064، وفقاً لبيانات المديرية العامة للسجون.
حذّر Pieter Houbey، نائب رئيس مجلس الرقابة المركزي على السجون (CCSP)، وهو هيئةٌ رقابية مستقلة، قائلاً: "إنّ تضافر الاكتظاظ المتصاعد مع نقص الكوادر البشرية يجعل الوضع بالغ الصعوبة."
وأضاف: "بات من شبه المستحيل الحفاظ على منظومة احتجازٍ تهدف إلى إعادة دمج الأفراد في المجتمع."
وفي منتصف مايو أيضاً، كان 754 محتجزاً ينامون على مراتب فوق الأرض مباشرةً، ارتفاعاً من 672 في ديسمبر الماضي.
على المستوى الأوروبي، شهدت أعداد السجناء ارتفاعاً حاداً منذ جائحة كوفيد-19، إذ يطال الاكتظاظ ثُلث الإدارات السجنية في القارة. وتتصدّر قبرص قائمة أعلى معدلات الإشغال، تليها سلوفينيا وفرنسا وكرواتيا وإيطاليا ورومانيا والنمسا وبلجيكا.
وفي مواجهة هذا الواقع، تجد الحكومات نفسها تحت ضغطٍ متزايد، فيما يرفض الخبراء والعاملون في القطاع الحلول المعتادة من بناء مزيدٍ من مرافق الاحتجاز إلى نقل السجناء إلى الخارج معتبرين إياها حلولاً غير ناجعة.
'فئران في قفص'
قال Yasin Sarikaya، نائب رئيس سجون بروكسل: "لضمان ظروفٍ لائقة، يجب أوّلاً احترام حقوقهم، أي التوقّف عن معاملتهم كفئرانٍ في قفص."
كثيراً ما يُحبس المحتجزون، ولا سيّما الموقوفون احتياطياً، في زنازينهم من 22 إلى 23 ساعةً يومياً، ما يُفاقم انعدام الخصوصية ويُعمّق مشكلاتٍ صحية ونفسية وإدمانية قائمة أصلاً. والحصول على الرعاية الطبية قد يستغرق أشهراً.
Loic، الذي يقضي السنة الثالثة من حكمٍ بالسجن سبع سنوات في سجن Saint-Gilles ببروكسل المقرّر إغلاقه بحلول عام 2028 يقول إنّ فرص العمل والأنشطة شبه معدومة في هذا المرفق، وإنّ غالبية المحتجزين لا يحملون إقامةً قانونية.
نظر الشاب البالغ 23 عاماً إلى الأرض وهو يقول : "ستكون العودة إلى سوق العمل أمراً عسيراً."
أما بلال، المحكوم عليه بتهمتَي سطو مسلّح على بنكين ومحاولة قتل، فقد كشف أنّه عاش أفكاراً انتحارية خلال فترة احتجازه.
وفي السنوات الأخيرة، انتشرت مقاطع مصوّرة تُظهر طائرات مسيّرة (درونز) تُهرّب بضائع إلى داخل السجون. وفي عام 2024، انتشر مقطعٌ فيديو على نطاقٍ واسع يُظهر سجيناً يتعرّض للتعذيب على أيدي خمسة من زملائه داخل الزنزانة، بينما لم يُدرك الحرّاس المضربون عن العمل لمدة 48 ساعةً ما جرى إلا بعد أيام.
إرهاق الحرّاس
هذه الأوضاع تُغذّي أزمة نقص الكوادر القائمة أصلاً.
في سجن Haren، أكبر مجمّعات الاحتجاز في البلاد، قال Sarikaya الذي يعمل هناك: "بعض الحرّاس يُصابون بإصاباتٍ تحول دون مجيئهم إلى العمل."
وبحسب المديرية العامة للسجون، تضاعفت الحوادث الحرجة داخل السجون في غضون عامٍ واحد.
ورغم تذبذب معدلات الجريمة العامة في السنوات الأخيرة، يربط الخبراء هذا الوضع بالسياسة العقابية في بلجيكا وسعيها للتصدّي للجرائم المرتبطة بالمخدرات. وبينما تعاني البلاد من الاكتظاظ منذ عقود، فإنّ الارتفاع الأخير يعود في جوهره إلى قرارٍ اتُّخذ عام 2023 يقضي بتنفيذ جميع الأحكام التي تصل إلى ثلاث سنوات، وكانت تُنفَّذ في السابق في الغالب تحت نظام المراقبة الإلكترونية.
علاوةً على ذلك، باتت بلجيكا تحتجز الأشخاص لفتراتٍ أطول من ذي قبل؛ إذ يبلغ متوسط مدة الاحتجاز حالياً 9.9 أشهر، بزيادةٍ تُعادل 39.4% خلال خمس سنوات. كما أنّ معدل الاحتجاز السابق للمحاكمة في بلجيكا يبلغ 32%، متجاوزاً بوضوح المتوسط الأوروبي الذي سجّل 24.7% في عام 2024.
تدابير طارئة
في يوليو الماضي، أقرّ البرلمان البلجيكي قانوناً طارئاً صاغته وزيرة العدل Annelies Verlinden، يُشجّع على اعتماد عقوباتٍ بديلة للأحكام التي تقلّ عن ثلاث سنوات، ويُتيح لمديري السجون الإفراج عن المحكوم عليهم بحدٍّ أقصى 10 سنوات قبل ستة أشهر من انتهاء محكوميتهم.
وعلى المدى البعيد، تسعى الحكومة إلى تركيب وحداتٍ معيارية قابلة للتوسّع وتجديد السجون القائمة في انتظار بناء مرافق جديدة.
غير أنّ ذلك لن يُفضي على الأرجح إلى الحدّ من الاكتظاظ، كما حذّرت An-Sofie Vanhouche، أستاذة في قسم علم الجريمة بجامعة Vrije Universiteit Brussel.
وقالت: "تُظهر الأبحاث أنّه كلّما توفّرت لدينا طاقةٌ استيعابية أكبر في السجون، كلّما أرسلنا إليها أعداداً أكبر من الناس."
زنازين للإيجار
في إطار سياسةٍ هجرية أكثر صرامة، تسعى بلجيكا أيضاً إلى ترحيل المحتجزين غير الحاملين لإقامةٍ قانونية، الذين يُشكّلون نحو ثُلث إجمالي المحتجزين.
في مطلع هذا العام، زارت Verlinden إستونيا لبحث إمكانية استئجار زنازين هناك، وكانت الحكومة قد رصدت مسبقاً صفقاتٍ مماثلة مع كوسوفو وألبانيا.
ولا تنفرد بلجيكا بهذا التوجّه؛ فقد أبرمت السويد اتفاقيةً مع إستونيا لاستئجار 400 زنزانة، وبحسب وزارة العدل الإستونية، قد يبدأ وصول السجناء بحلول نهاية الصيف. وفي عام 2019، أبرمت الدنمارك اتفاقيةً لاستئجار 300 زنزانة من كوسوفو.
وصفت Vanhouche هذه الخطوات بأنّها "شعبوية للغاية ورمزية في مجملها"، مؤكّدةً أنّها لن يكون لها سوى "أثرٍ محدود"، فضلاً عن أنّها تُثير تساؤلاتٍ أخلاقية جدية حول حماية حقوق السجناء ورفاههم.
وقد امتنعت وزارة العدل البلجيكية ونظيرتاها السويدية والدنماركية عن الردّ على طلبات التعليق، في حين أكّدت الوزارة الإستونية أنّ "السجناء يظلّون محميّين وفق معايير حقوق الإنسان الأوروبية والقانون الدولي المعمول به."
مسارات للمضيّ قُدُماً
يطالب المنتقدون بأن تتحوّل بلجيكا نحو تعزيز إعادة الاندماج الاجتماعي بدلاً من الاكتفاء بالبُعد الأمني، وذلك عبر توسيع نطاق العقوبات البديلة.
حذّر Tahar Elhamdaoui، مؤسّس منظمة Collectif Desistance غير الحكومية المعنية بمساعدة الشباب المُفرج عنهم على الاندماج في المجتمع، قائلاً: "السجن يُنتج العودة إلى الإجرام."
وبحسب Houbey، تتراوح نسبة العودة إلى الجريمة في بلجيكا بين 60% و70%.
بفضل منظمة Elhamdaoui، يُمضي بلال اليوم فترة تدريبٍ كمدرّبٍ لكرة القدم، فيما يُجرّب Loic مهناً مختلفة في إطار نظام الإفراج النهاري.
لكنّ Elhamdaoui يُحذّر من أنّ هذا ليس الحال السائد.
ويختم بقوله: "ما لم تُوجد سجونٌ تُعدّ الناس فعلاً للنجاح خارج أسوارها، فلن نكتفي بإنتاج المزيد من الجريمة عند الإفراج عنهم، بل سنُنتج أيضاً يأساً عميقاً يعجز معه الأفراد عن الاندماج في المجتمع من جديد."
أخبار ذات صلة

هجوم درون أوكراني يقتل 8 في أراضٍ روسية محتلّة

استشهاد 8 أشخاص في هجمات على لبنان بعد إعلان ترامب خفض التصعيد

الجيش الإسرائيلي يصل إلى النبطية في جنوب لبنان
