انتخابات رئاسية تاريخية تعيد الحياة للديمقراطية في بنغلاديش
في دكا جرت أول انتخابات رئاسية تنافسية منذ 35 عاماً بين مرشحين بارزين في بنغلاديش تعكس تحولات سياسية كبيرة بعد انتفاضة أطاحت بحكم طويل. قراءة تحليلية عن دلالات هذا الاستحقاق في بناء الدولة الجديدة على خَبَرَيْن.

في قاعة البرلمان بالعاصمة البنغلاديشية دكا، جرى يوم الخميس ما لم يحدث منذ 35 عاماً: انتخابٌ رئاسيٌّ تنافسيٌّ حقيقي، يتواجه فيه مرشّح حزب BNP الحاكم Mirza Fakhrul Islam Alamgir في مواجهة الضابط العسكري المتقاعد Oli Ahmad، مرشّح التحالف المعارض المؤلّف من 11 حزباً بقيادة Jamaat-e-Islami.
أُتيح التصويت لـ349 عضواً في البرلمان بين الساعة 8:00 و11:00 بتوقيت غرينتش، على أن تُعلَن النتيجة في وقتٍ لاحق من اليوم ذاته، وفق ما أعلنته لجنة الانتخابات البنغلاديشية.
جاء هذا الاستحقاق إثر استقالة Mohammed Shahabuddin الشهر الماضي، الذي كان قد انتُخب رئيساً بالتزكية عام 2023 بوصفه مرشّح حزب Awami League برئاسة رئيسة الوزراء المُقالة Sheikh Hasina. وقد أنهى Shahabuddin ولايته في منتصف مدّتها البالغة خمس سنوات، بعد أن شهد إزاحة Hasina في أغسطس 2024، ثمّ المرحلة الانتقالية بقيادة Muhammad Yunus، وأخيراً عودة BNP إلى السلطة في فبراير الماضي.
وكان آخر انتخابٍ رئاسيٍّ تنافسي في بنغلاديش قد جرى في أكتوبر 1991، حين هزم مرشّح BNP Abdur Rahman Biswas منافسه من Awami League Badrul Haider Chowdhury بفارق 172 صوتاً مقابل 92. وظلّت كلّ الانتخابات الرئاسية اللاحقة بلا منافسة.
غير أنّ النتيجة تبدو محسومةً سلفاً في نظر المراقبين: من بين 349 نائباً مؤهَّلاً للتصويت، ينتمي 247 إلى BNP و90 إلى التحالف المعارض بقيادة Jamaat، مما يمنح Alamgir تفوّقاً عددياً لا يُنازَع. ومع ذلك، يحمل هذا التصويت دلالةً رمزية لبلدٍ يُعيد بناء مؤسّساته بعد انتفاضة 2024 التي أسقطت حكم Hasina الحديدي الذي امتدّ 15 عاماً.
من هما المرشّحان؟
يبلغ Alamgir من العمر 78 عاماً، وهو من أبرز وجوه BNP؛ تولّى منصب الأمين العام بالإنابة عام 2011، ثمّ عُيِّن رسمياً في المنصب عام 2016، وكان الوجه الأكثر حضوراً للحزب طوال سنوات المعارضة في عهد Hasina. وعقب فوز BNP الساحق في انتخابات هذا العام، أصبح وزيراً للحكومة المحلية والتنمية الريفية والتعاونيات.
وفي اجتماع الكتلة البرلمانية لـBNP يوم الأربعاء، شكر Alamgir رئيسَ الوزراء Tarique Rahman على ترشيحه، وأكّد أنّه لن يتهاون في صون استقلال بنغلاديش وسيادتها. وبدوره، حثّ Tarique Rahman نوّاب الحزب على التصويت لصالحه.
أمّا منافسه، العقيد المتقاعد Ahmad، البالغ من العمر 85 عاماً، فهو من المحاربين القدامى المُكرَّمين في حرب تحرير بنغلاديش عام 1971، ورئيس حزب Liberal Democratic Party (LDP)، وعضو برلمان لستّ دوراتٍ متتالية.
كان Ahmad في وقتٍ من الأوقات من المقرّبين من الرئيس الراحل Ziaur Rahman، والد رئيس الوزراء الحالي Tarique Rahman. انضمّ إلى BNP عام 1980 بعد مغادرته الجيش بعام واحد، وشغل منصب وزير الاتصالات في عهد رئيسة الوزراء السابقة Khaleda Zia، قبل أن يؤسّس حزب LDP عام 2006.
ولترشيح Ahmad دلالةٌ سياسية لافتة: فالداعم الرئيسي له، Jamaat، كان قد عارض استقلال بنغلاديش عام 1971 ووقف إلى جانب باكستان إبّان الحرب، في حين أنّ Ahmad نفسه قاتل في صفوف حرب التحرير.
وعلى الرغم من ضآلة حظوظه في الفوز، رحّب التحالف المعارض بترشيحه بوصفه مرشّحاً ذا خبرةٍ واسعة ومقبوليةٍ جامعة، مما يضمن أن يُحسَم منصب الرئاسة بالتصويت لا بالتزكية.
وتتباين آراء البنغلاديشيين حول السجلّ السياسي للرجلين. فـAnwarul Islam، المسؤول السابق في بنك بنغلاديش المركزي، يرى في Alamgir نموذجاً للنزاهة النادرة.
يقول Islam : "زرتُ دائرة Mirza Fakhrul الانتخابية. الناس هناك، بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية، يكنّون له محبّةً عميقة. نزاهته نادرة في الوسط السياسي البنغلاديشي."
في المقابل، يُفضّل Abdul Baten، مشرف في موقع بناءٍ بالعاصمة دكا، المرشّح الآخر. يقول: "أُفضّل Oli بلا تردّد، فهو سياسيٌّ محنّك. أمّا منافسه Fakhrul وحزب BNP، فلم يفِيا بوعودهما في ما يخصّ إصلاحات الدولة."
تاريخيٌّ، لكن إلى أيّ حدّ؟
يمنح دستور بنغلاديش الرئيسَ صفة رئيس الدولة، لكنّه يُقيّد صلاحياته التنفيذية المستقلّة تقييداً صارماً. فالمادة 48(3) تُلزمه بالتصرّف وفق مشورة رئيس الوزراء، باستثناء تعيين رئيس الوزراء ورئيس القضاء.
Ali Riaz، عالم السياسة الذي شغل منصب نائب رئيس لجنة التوافق الوطني لإصلاحات الدولة في عهد حكومة Yunus الانتقالية، رحّب بعودة الانتخاب التنافسي، لكنّه حذّر من المبالغة في تقدير أهمّيته العملية.
قال Riaz "من الجيّد أن يتولّى منصب الرئاسة شخصٌ كان في طليعة الحركة الديمقراطية وناضل ضدّ نظامٍ استبدادي. غير أنّ الانتخاب الرئاسي يظلّ محدود الأثر نظراً للصلاحيات المقيّدة للرئيس."
وأشار Riaz إلى أنّ الميثاق الوطني لشهر يوليو، الذي أقرّته الأحزاب السياسية في أعقاب انتفاضة 2024 وتمّت المصادقة عليه باستفتاءٍ في انتخابات هذا العام، كان قد اقترح انتخاب الرئيس من قِبَل أعضاء مجلسَي البرلمان معاً. إلّا أنّ مشروع الغرفة البرلمانية العليا، التي كان مُقرَّراً أن تتمتّع بصلاحياتٍ واسعة على الهيئات الدستورية والتشريعية الكبرى لتحقيق التوازن في السلطة، لم يُنفَّذ حتى الآن.
وتساءل Riaz عن جدوى تصويتٍ علني تمتلك فيه الحكومة أصلاً الأغلبية الكافية للفوز، مستخلصاً: "هذا الانتخاب أقرب إلى الطقس الرسمي منه إلى حدثٍ ذي أثرٍ حقيقي في الحوكمة والسياسة."
تساؤلاتٌ حول الإجراءات
بالنسبة لعائلات أكثر من 1,400 شخصٍ سقطوا برصاص قوّات الأمن خلال انتفاضة 2024، فإنّ رحيل Shahabuddin وانتخاب رئيسٍ جديد يمثّلان استحقاقاً متأخّراً.
Sanjida Khan Deepti، والدة Shahriar Khan Anas البالغ من العمر 17 عاماً حين لقي حتفه خلال الانتفاضة، قالت : "كان ينبغي أن يحدث هذا قبل ذلك بكثير، لكنّ من الجيّد أن نراه يحدث الآن."
غير أنّ Deepti أبدت تحفّظها على إلزام النوّاب بتوجيهات أحزابهم في التصويت. وتساءلت: "إذا كان النائب لا يستطيع التصويت لمن يراه الأصلح لبلده، فما الجدوى من إجراء انتخابٍ أصلاً؟ أبناؤنا ضحّوا بأرواحهم من أجل الديمقراطية."
وقد أعاد هذا الانتخاب إحياء النقاش حول ما إذا كانت المادة 70 من الدستور التي تُهدّد النوّاب بفقدان مقاعدهم البرلمانية إن صوّتوا ضدّ توجيه أحزابهم ينبغي أن تُطبَّق على الانتخابات الرئاسية.
بكلّ ما يحمله من قيودٍ دستورية ونتيجةٍ مرسومة سلفاً، يظلّ تصويت الخميس لحظةً استثنائية في المشهد السياسي البنغلاديشي: للمرّة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وجد المشرّعون أمامهم ورقةَ اقتراعٍ تحمل اسمَين لاختيار رأس الدولة القادم.
أخبار ذات صلة

كيف نجا أحد أكثر الأماكن التي تعرضت للقصف على هذا الكوكب؟

أستراليا تؤكد تحويل أجزاء مقاتلات F-35 إلى هونغ كونغ بالخطأ

صعود اليمين المتطرف في ألمانيا يرسل موجة قلقٍ عبر أروقة السلطة الأوروبية
