صعود اليمين المتطرف يغير خريطة السياسة الأوروبية
خَبَرَيْن يكشف كيف حقق حزب AfD اليميني المتطرف في شرق ألمانيا فوزاً مدوياً بنسبة 44% مما يهدد جدار الحماية الديمقراطي وينعكس على المشهد السياسي الأوروبي مع تصاعد موجة اليمين المتشدد وتأثيراتها على الاستقرار المستقبلي للقارة.

في مقاطعة Saxony-Anhalt، شرقي ألمانيا، حيث تتشابك ذاكرة التحوّلات السياسية الكبرى مع إرث ما بعد توحيد البلاد، أعلنت نتائج الانتخابات المحلية يوم الأحد عن زلزالٍ سياسي لم يكن خافياً على المراقبين، لكنّ حجمه فاجأ الجميع: حصل حزب Alternative for Germany (AfD) على 44% من أصوات الناخبين، أكثر من ضِعف ما حقّقه في انتخابات 2021. وفي المقابل، خسر حزب Christian Democratic Union (CDU) أكثر من نصف رصيده الانتخابي في المقاطعة ذاتها.
لم يُخفِ المستشار الألماني Friedrich Merz هول الصدمة، إذ قال في تعليقه على النتيجة: "إنّه نتيجةٌ انتخابية لا يمكننا تجاوزها كأنّ شيئاً لم يحدث. إنّها أشدّ هزيمةٍ انتخابية يتكبّدها حزب CDU منذ سنواتٍ بل منذ عقود". في المقابل، وصفت Alice Weidel، القائدة المشاركة لحزب AfD، الفوز بأنّه "تاريخي".
ما الذي يكسره هذا الفوز؟
ألمانيا ما بعد الحرب بنت نظامها الديمقراطي على ركيزةٍ صريحة: منع عودة اليمين المتطرف إلى السلطة. هذا ما يُعرف بـ"Brandmauer" أو "جدار الحماية من اليمين المتطرف"، وهو الخطّ الفاصل الذي يحول دون انضمام أحزابٍ كـAfD إلى ائتلافاتٍ حاكمة. غير أنّ فوزاً بنسبة 44% يُصعّب الحفاظ على هذا الجدار من الناحية العملية، ويُعيد طرح السؤال: إلى متى يمكن عزل الحزب الأكثر شعبيةً في مقاطعةٍ بأكملها؟
ولا يقتصر الأمر على الداخل الألماني. فقد أطلّ نائب الرئيس الأمريكي JD Vance في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2025 ليهاجم علناً هذا الجدار، قبل أن يلتقي بـ Weidel قُبيل الانتخابات بأيامٍ معدودة. كذلك وصف المليادير Elon Musk حزب AfD بأنّه سيُنقذ "مستقبل الحضارة"، وكان قد أعلن دعمه للحزب قبيل الانتخابات الفيدرالية الألمانية عام 2023. وقد وصف سياسيٌّ ألماني رفيع المستوى لم يُكشف عن هويّته هذا الدعم بأنّه "دفعةٌ كبيرة لليمين المتطرف في ألمانيا وأوروبا".
أمّا مرشّح AfD في Saxony-Anhalt Ulrich Siegmund، فقد شنّ حملته الانتخابية على وعدٍ بإقامة علاقاتٍ جيدة مع كلٍّ من البيت الأبيض والكرملين في آنٍ واحد وهو خطابٌ يعكس التوجّه الجيوسياسي الأشمل لأجنحةٍ من اليمين الأوروبي.
موجةٌ تعبر القارة
ما يحدث في Saxony-Anhalt ليس استثناءً، بل حلقةٌ في سلسلةٍ أوروبية متصلة. في البرلمان الأوروبي، تجمع ثلاث كتلٍ يمينية متشدّدة 196 مقعداً، لتُشكّل مجتمعةً القوّة الثانية بحسب عدد المقاعد. وعلى مستوى الحكومات، تقود أحزابٌ يمينية متطرفة ائتلافاتٍ حاكمة في إيطاليا وجمهورية التشيك، وتشارك بوصفها شريكاً في الحكم في كلٍّ من فنلندا وكرواتيا وسلوفاكيا والسويد.
في النمسا، تصدّر Freedom Party of Austria (FPÖ) نتائج الانتخابات الوطنية عام 2024. وفي هولندا، لا يزال حزب Party for Freedom بقيادة Geert Wilders أحد أكبر الكتل البرلمانية. أمّا في فرنسا، فإنّ حزب National Rally بقيادة Marine Le Pen يحتلّ مكانة الحزب الأكثر شعبيةً باستمرار منذ سنوات. والمفارقة الوحيدة في هذا المشهد جاءت من المجر، حيث أسدلت انتخابات أبريل 2024 الستار على 16 عاماً من حكم Viktor Orbán، بعد فوز حزب Tisza بقيادة Péter Magyar.
تتغذّى هذه الموجة على مظالم حقيقية: ضغوط الهجرة، وتراجع الأجور، وتفكّك القاعدة الصناعية، وإخفاقات الأحزاب التقليدية في الاستجابة لهذه التحوّلات. وتُعزّزها في الوقت ذاته أطرافٌ خارجية، من موسكو إلى واشنطن، ممّن يرون في صعود هذه الأحزاب فرصةً لإعادة رسم خريطة التوازنات الأوروبية.
ما الذي ينتظر أوروبا؟
لا يُتيح الزمن السياسي فرصةً للتأمّل الطويل. فبعد أقلّ من أسبوعَين من انتخابات Saxony-Anhalt، تُجري كلٌّ من برلين ومقاطعة Mecklenburg انتخاباتٍ محلية، وستكون اختباراً آخر لمدى اتّساع الموجة. وعلى المدى الأبعد، تُلقي الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة عام 2027 بظلالها الثقيلة على المشهد، مع تقدّم Le Pen في استطلاعات الرأي. السؤال الذي يُلحّ على صانعي القرار في برلين وبروكسل وسواهما ليس هل ستواصل هذه الأحزاب صعودها، بل كيف يمكن لمنظومةٍ ديمقراطية أن تستوعب هذا الصعود دون أن تتآكل من الداخل.
أخبار ذات صلة

كيف نجا أحد أكثر الأماكن التي تعرضت للقصف على هذا الكوكب؟

أستراليا تؤكد تحويل أجزاء مقاتلات F-35 إلى هونغ كونغ بالخطأ

عمران خان ينقل إلى المستشفى بأمر من المحكمة
