حرب حقيقية تنهي طموحات إيران النووية
في مقال جديد على خَبَرَيْن، نناقش تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تدمير قدراتها العسكرية، ومصير خامنئي. هل ستستمر واشنطن في الضغط لتحقيق تغيير حقيقي؟ اكتشف كيف أصبحت إيران في وضع يائس.

في الثامن والعشرين من فبراير، لم يكن ما جرى مجرّد ضربةٍ استباقية أو جولةٍ جديدة من جولات الردع المتبادل. كان حرباً حقيقية، خاضتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل ضدّ إيران، بهدفٍ معلَن: تدمير القدرة العسكرية للنظام وإنهاء طموحاته النووية بصورةٍ نهائية. لم تكن حرب استنزافٍ بالوكالة، تلك التي تغاضت عنها واشنطن أربعة عقود، ولم تكن ضرباتٍ انتقامية محدودة الأثر كما اعتادت الإدارات المترددة.
بعد مئة يوم، لا يدور النقاش حول ما إذا كان هذا الخيار يستحق الثمن فالإجابة تبدو واضحة لمن يقرأ المشهد بعيون مفتوحة. النقاش الحقيقي هو: هل تمتلك واشنطن الإرادة للمضيّ حتى النهاية؟
ما الذي تحقّق فعلاً؟
لنكن صادقين في قراءة ما أُنجز. البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني الذي كان الورقة الرابحة في استراتيجية الردع، والأداة التي احتجز بها النظام منطقة الشرق الأوسط بأسرها رهينةً دُمِّر في معظمه. أسطول البحرية الإيرانية مُنِي بخسائر فادحة. والمنشآت النووية في فوردو وناتانز وأصفهان، التي أفنى النظام عقوداً وعشرات المليارات من الدولارات في بنائها، تحوّلت إلى أنقاض.
وبصرف النظر عن الجدل الذي يثيره بعض المسؤولين في أجهزة الاستخبارات، فإنّ تقييم الوكالة الدولية للطاقة الذرية جاء صريحاً لا لبس فيه: الأضرار هائلة. قضى النظام جيلاً كاملاً يسعى نحو امتلاك أسلحة نووية، وهذا المشروع انتهى. وسيستغرق إعادة بناء القدرة العسكرية الإيرانية سنواتٍ طويلة.
نهاية عهد خامنئي
ثمّ هناك المرشد الأعلى.
لسبعةٍ وثلاثين عاماً، كان علي خامنئي هو الجمهورية الإسلامية بعينها مرجعها الديني واستراتيجيّها وإرادتها العليا. هو من بنى حزب الله ليصبح دولةً إرهابية داخل دولة شرعية. هو من أبقى حماس صامدة عبر كلّ حملةٍ عسكرية إسرائيلية. وهو من أرسل الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) لدعم الديكتاتور السوري بشار الأسد، وتسليح الحوثيين، وإقامة الميليشيات في أرجاء العراق.
ظلّ يُدير عمليات احتجاز الرهائن والإرهاب ومخطّطات الاغتيال أدواتٍ رسمية للدولة، بينما اكتفت العواصم الغربية بالمذكّرات الدبلوماسية والمؤتمرات، متوهّمةً أنّ الانخراط معه قد يُعدّل مساره. لم يتغيّر. ولم يكن ليتغيّر أبداً. وها هو قد رحل، قُتِل في اليوم الأوّل من حربٍ أمضى عمره يجعلها حتميّة.
حجّة المنتقدين لا تصمد
يُصرّ المنتقدون وهم كُثُر في قاعات الأكاديميين وممرّات مراكز الأبحاث وصفحات الرأي في المنابر المعتادة على أنّ تغيير النظام لم يتحقّق بعد، ويطرحون هذه الحجّة كأنّها تُنهي النقاش. لكنّها لا تُنهيه.
الأنظمة الشمولية لا تسقط وفق جدولٍ زمني يناسب خصومها. الاتحاد السوفيتي لم ينهر في صباح اليوم التالي لنشر الرئيس الأمريكي Ronald Reagan صواريخ Pershing II في أوروبا. مسار الانهيار التدريجي هو بطبيعته مسارٌ ممتدّ، لا حدثٌ آني.
ما يمكن قوله بثقة هو أنّ الجمهورية الإسلامية اليوم لا تشبه في شيءٍ ما كانت عليه في السابع والعشرين من فبراير. مرشدها الأعلى قُتِل. عشرات كبار مسؤوليها لقوا حتفهم. الهيكل القيادي للحرس الثوري جُرِّد من قياداته. واقتصادها، الذي كان على أجهزة الإنعاش قبل أن تسقط أولى القنابل، تكبّد أضراراً تبلغ 270 مليار دولار وفق اعتراف النظام نفسه. وعملتها في حالة انهيارٍ كارثي.
احتفل الإيرانيون في شوارع طهران حين مات خامنئي. هذا ليس تفصيلاً عابراً بل هو في الحقيقة كلّ شيء؛ إنّه البذرة التي قد تُزهر، إن مُنحت الوقت والإرادة، في تغييرٍ حقيقي.
ما كان البديل؟
التكاليف كانت حقيقية، ولا يُنكر ذلك أحدٌ جادّ. لكنّ التكاليف لا تُقرأ إلّا في مقابل البدائل، وهنا يصمت المنتقدون بشكلٍ لافت. ما كان البديل؟ عقدٌ آخر من المفاوضات النووية التي تُماطل فيها طهران بينما تدور أجهزة الطرد المركزي؟ جولةٌ أخرى من العقوبات التي تُعاني منها الشعوب بينما يظلّ الحرس الثوري بمنأى عنها؟ حملةٌ أخرى من «الضغط الأقصى» تُقابَل بعنادٍ إيراني أقصى؟
المؤسّسة الدبلوماسية التي تُعرب اليوم عن قلقها إزاء أسعار النفط وميزانيات البنتاغون هي ذاتها التي أمضت أربعين عاماً في إدارة نظامٍ يسعى لامتلاك قنبلة نووية، ويُحرّك جيوش الوكالة، ويقتل الأمريكيين. لمشورتهم تكلفتها أيضاً، غير أنّها لم تُدرَج في أيّ جدول حسابات.
هدنة إسلام آباد تقول كلّ شيء
وقف إطلاق النار الذي جرى التوصّل إليه في إسلام آباد يكشف ميزان القوى الحقيقي في هذا الصراع. إيران لم توافق على التوقّف لأنّها كانت تتقدّم بل لأنّها كانت في حالة يأسٍ شبه تامّ؛ جيشها تكسّر، واقتصادها ينزف، وهي تحتاج إلى وقتٍ لالتقاط الأنفاس.
وضع مضيق هرمز إزعاجٌ لا انتكاسةٌ استراتيجية. الحصار البحري يُكلّف طهران 500 مليون دولار يومياً. الضغط سيتصاعد. قدرة النظام على الصمود ستتآكل. والمطالب الإيرانية المتشدّدة بالتعويضات هي لغة نظامٍ يؤدّي دور المتحدّي أمام جمهوره الداخلي، لا لغة قوّةٍ تعتقد أنّها تمسك بأوراق اللعبة.
مئة يوم غيّرت المشهد
قبل مئة يوم، كانت الجمهورية الإسلامية القوّة المزعزِعة للاستقرار الأولى في الشرق الأوسط، مسلّحةً بصواريخ باليستية وقدرةٍ نووية شبه مكتملة وشبكة وكلاء تمتدّ من البحر المتوسّط إلى الخليج. اليوم، مرشدها الأعلى قتيل، وترسانتها محطّمة، وبرنامجها النووي في أنقاض، وخزينتها تُستنزف يومياً بفعل الحصار البحري الأمريكي.
هذا ما تبدو عليه القوّة الأمريكية حين تُوظَّف فعلاً. إنّها مُكلِفة. إنّها مُقلِقة. لكنّها، بأيّ معيارٍ استراتيجي جادّ، إنجازٌ يستحقّ أن يُسجَّل في صفحات التاريخ.
الجزء الأصعب لا يزال أمامنا. لكنّ من يرفضون الاعتراف بما تحقّق حتى الآن لا يقرؤون المشهد بموضوعية بل يُمارسون عمىً متعمّداً. وفي ملفّ إيران، كان العمى المتعمّد دائماً الخطيئة الأكثر كُلفةً.
أخبار ذات صلة

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي: أهدافٌ سهلة في الحرب الإيرانية

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً
