خَبَرَيْن logo

إنجاز طبي يعيد الأمل لعلاج أمراض القلب في اليمن

مبادرة طبية دولية في تعز اليمن تُنقذ حياة مئات الأطفال من أمراض القلب والكلى، وتوفر علاجاً مجانياً في بلد يعاني من الحرب والحصار، مع إنجازات طبية غير مسبوقة في المنطقة. خَبَرَيْن

مجموعة من الأطباء والمساعدين الصحيين يتبادلون الحديث في مركز طبي بتعز، حيث يتم إجراء عمليات جراحية للأطفال لعلاج أمراض القلب.
نفذت فريق الجراحين مئات من زراعة الأعضاء والعمليات الحيوية [بفضل مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى]
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في إحدى غرف مستشفى بمدينة تعز جنوب غرب اليمن، تستلقي طفلةٌ صغيرة على سرير الشفاء، تتعافى من عملية جراحية أُجريت لعلاج عيب الحاجز الأذيني (Atrial Septal Defect)، المعروف شعبياً بـ«ثقب القلب».

«هل تسمحين لي بالتقاط صورة لكِ؟» يسألها أحد الزوار. تبتسم، تُعدّل جلستها ببطء، وتستعدّ للصورة.

نور ماجد، عشر سنوات، تعيش مع هذا المرض منذ ولادتها. تُسبّب لها الحالة صعوبةً مستمرة في التنفّس وإرهاقاً مزمناً. ويأمل الأطباء أن تمنحها هذه العملية حياةً أقرب إلى حياة صديقاتها من بنات جيلها.

كانت نور واحدةً من 110 أطفال قادمين من مناطق يمنية مختلفة، تلقّوا علاجاً مجانياً في مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى بتعز، خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 21 مايو.

ونفّذ هذه العمليات مخيّم القسطرة وجراحة القلب الأطفال المعقّدة، وهو مبادرةٌ دولية متعدّدة الجنسيات تضمّ فرقاً طبية من مختلف أنحاء العالم، بدعمٍ من قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري.

طفلة صغيرة تستلقي على سرير في مستشفى بتعز، تتعافى من عملية جراحية لعلاج عيب الحاجز الأذيني، مبتسمةً أثناء استعدادها لالتقاط صورة.
Loading image...
نور ماجد بعد العلاج في المستشفى [عبدالحكيم هلال/الجزيرة]

أجرى العمليات الجراحية للأطفال أطباءٌ قطريون وعرب وفرنسيون من مستشفى Sidra Medicine القطري، أحد أبرز مراكز أمراض القلب على مستوى العالم، بمشاركة أطباء استشاريين من مختلف محافظات اليمن.

قال البروفيسور أبو ذر الغنادي، الذي يترأّس مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى منذ تأسيسه في تعز في يوليو 2021، إنّ هذا المخيّم يمثّل إنجازاً كبيراً للقطاع الطبي في اليمن.

وأضاف: «هذا هو أكبر مخيّم طبي في البلاد تُجرى فيه عمليات معقّدة من هذا النوع بهذا العدد وفي هذه المدة الزمنية الحرجة».

وعلى الرغم من أنّ المركز لم يمرّ على تأسيسه سوى خمس سنوات، فقد بات يُعدّ من أبرز الإنجازات الطبية في اليمن في العقد الأخير.

ورغم استمرار الحرب، أجرى المركز منذ افتتاحه 164 عملية زراعة كلى، و1,450 عملية قلب مفتوح، وما يقارب 4,000 عملية أوعية دموية، و4,340 إجراء قسطرة، و1,500 عملية في المسالك البولية. وقد استفاد من هذه الخدمات بصورة رئيسية المرضى اليمنيون المصابون بأمراض القلب والكلى، الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف العلاج أو زراعة الأعضاء في الخارج، فأصبح المركز شريانَ حياةٍ حقيقياً لمئات المرضى.

وفي الشهر الماضي، أعلن المركز عن إجراء أولى عمليات زراعة الكبد الثلاث، في خطوةٍ استقطبت اهتماماً دولياً واسعاً، وقد تكون نواةً لبرنامج مستدام لعلاج أمراض الكبد في اليمن.

يتحفّظ البروفيسور الغنادي على الاستعجال في إصدار الأحكام، مشيراً إلى أنّ الوقت وحده كفيلٌ بتقييم نجاح هذه العمليات، لكنّه يتطلّع إلى نتائج إيجابية.

وقال: «أطلقنا هذا البرنامج لزراعة الكبد بهدوء وحذر، بحالتَين ثمّ ثالثة، وسنواصل بالتدريج. لن نُعلن نتائج أوّلية إلا بعد 10 عمليات زراعة، ثمّ 50، تماماً كما فعلنا مع برنامج القلب».

عانت تعز أكثر من غيرها من مدن اليمن جرّاء الحصار والقصف، إذ كان قطاعها الصحي من أوائل القطاعات التي انهارت مع اندلاع الحرب. لذا يبدو ظهور هذا المركز في مدينةٍ محاصرة ومنهكة أشبه بالمعجزة.

مجموعة من الأطباء والمتطوعين في مركز أمراض القلب بتعز، يعبرون عن جهودهم في تقديم العلاج للأطفال المصابين بأمراض القلب.
Loading image...
نفذ الفريق اليمني-القطري المشترك لعملية القسطرة القلبية للأطفال والجراحة 110 عمليات للأطفال في تعز، بدعم من قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري [بإشراف مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى].

وأوضح الدكتور نادر الحمادي، الطبيب المقيم في وحدة جراحة القلب والأوعية الدموية، أنّ تلقّي اليمنيين علاجهم في بلدهم يوفّر عليهم الوقت والتكاليف الباهظة.

وقال: «كان المريض يعاني من تعقيدات السفر إلى الخارج لإجراء عملية قلب مفتوح، سواءٌ أكانت جراحة مجازة الشريان التاجي أم تركيب صمامات ميكانيكية».

وأضاف: «كانت تكلفة مثل هذه العمليات في الخارج تصل إلى نحو 20,000 دولار، فضلاً عن نفقات السفر والإقامة والمعيشة. في حين تُجرى العملية ذاتها في مركز القلب بتعز بـ5,000 دولار فقط، لا يدفع منها المريض سوى 2,000 دولار، ويتكفّل بالباقي متبرّعون من أمثال مجموعة هائل سعيد أنعم وشركة الزيلعي وبنك الكريمي وغيرهم».

وقد أجرى المركز حتى الآن 1,500 عملية قلب مفتوح، ممّا أكسب الجرّاحين خبرةً نوعية ووفّر للمرضى رعايةً منقذةً للحياة بتكلفة معقولة.

وأكد الحمادي: «من المؤكّد أنّ 1,000 من هذه العمليات كانت ستُجرى في الخارج لو لم يُفتتح المركز».

وأضاف: «ثمّة عمليات لا تُجرى حتى في الخارج، كعمليات القلب بالمنظار (Minimally Invasive Heart Procedures)، التي نتميّز بها وأجرينا منها 220 حالة. وهذا ما يضطرّ كثيراً من المغتربين إلى القدوم إلينا لإجرائها».

بالنسبة للبروفيسور الغنادي، كان إنشاء وحدة لعلاج أمراض القلب في مسقط رأسه تعز حلماً يراوده منذ عودته عام 2009 من دراسته في جامعة بافلوف الطبية الحكومية الأولى في سانت بطرسبرغ بروسيا. واجه في طريقه تحدياتٍ لا تُحصى، غير أنّ إصراره وصبره يقفان اليوم شاهداً ملهماً لجيلٍ يمني رأى أحلامه تتهاوى على مدى عقد من الحرب.

في أبريل 2018، وقد أنهكه الإحباط والحرب معاً، غادر البروفيسور الغنادي وهو الاستشاري الوحيد في جراحة القلب والأوعية الدموية في تعز آنذاك إلى المملكة العربية السعودية للعمل في مدينة الملك فهد الطبية.

لكنّ مكالمةً هاتفية في يوليو 2021 غيّرت مسار الأمور، حين اتّصل به محافظ تعز يسأله إن كان لا يزال يحلم بإنشاء مركز للقلب في المدينة، مطالباً إيّاه بالعودة فوراً إن كان الجواب نعم.

طبيب يتحدث في مركز طبي بتعز، حيث يُجري عمليات قلب للأطفال. يُظهر التزام الفريق الطبي بتقديم رعاية صحية متقدمة رغم الظروف الصعبة.
Loading image...
أسس البروفيسور أبودر الجندي المنشأة الطبية في تعز [بإذن من مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى]

حين عاد إلى تعز، وجد أنّ طابقَين فقط من مستشفى الجمهورية المدمّر يمكن استخدامهما، فيما كان الجهاز الوحيد للقسطرة المستخدم في علاج أمراض القلب معطّلاً.

بيد أنّ الغنادي لم يستسلم، وتمكّن من كسب دعم القطاع الخاص لبدء المسيرة الشاقّة في تحويل مركز أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى من فكرةٍ إلى واقع ملموس.

وقال: «بدأنا من الصفر، لكنّ مجموعة هائل سعيد أنعم كانت دائماً إلى جانبنا في اللحظات الحاسمة»، في إشارةٍ إلى المجموعة متعدّدة الجنسيات التي قدّمت دعماً متواصلاً للمنظومة الصحية اليمنية طوال سنوات الحرب.

وأضاف: «وافقوا على تزويدنا بجميع معدّات ومستلزمات جراحة القلب التابعة لمستشفى اليمن الدولي، الذي كان الأكبر والأفضل في تعز قبل أن تُغلق أبوابه عام 2015 بسبب الحرب».

بعد أن كان يُجري ما بين 3 و5 عمليات شهرياً في عامه الأول، بات المركز يُنجز 500 عملية في الشهر الواحد، منها 50 عملية قلب للبالغين، و70 عملية أوعية دموية، و300 إجراء قسطرة قلبية.

وحين افتُتح المركز، لم يكن يضمّ سوى 6 أسرّة في الطابق الأول؛ أمّا اليوم فيحتضن 131 سريراً، منها 23 مخصّصة للعناية المركّزة.

وختم الغنادي بالقول: «في العام الأول أجرينا 60 عملية قلب مفتوح؛ اليوم نُجريها في شهرٍ واحد. هذا يعني أنّنا أكبر مركز في اليمن يُجري عمليات القلب المفتوح».

«تأثّرت بالفكر الروسي، تعلّمت منه كيف تبدأ من الصفر وتعمل داخل مبنى مدمّر بنوافذ بلا زجاج. اكتسبنا الثقة، لكنّ الحلم لم يكتمل بعد. التحدّيات، مثل الطموح تماماً، لا تنتهي».

أخبار ذات صلة

Loading...
حارس أمن كيني يرتدي كمامة وقفازات في مطار جومو كينياتا الدولي وسط إجراءات الفحص الصحي لمواجهة فيروس الإيبولا.

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

فيروس بونديبوغيو يختبر فعالية فحوص الإيبولا في مطارات كينيا وأوغندا، ما يسلط الضوء على تحديات الكشف المبكر وانتقال العدوى عبر الحدود. اكتشف المزيد الآن.
صحة
Loading...
امرأة نائمة على أريكة مغطاة ببطانية وردية تحيط بها ثلاثة أطفال صغار، تعكس تعب الأم المصابة بالتغفيق من النمط الأول.

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

هل يمكن أن تعيش مع مرض نادر مثل التغفيق لعقود دون تشخيص؟ قصة إيمي تكشف معاناة الهلوسات والنعاس المفرط التي شوهت حياتها. اكتشف التفاصيل وكيفية التعرف على هذا المرض النادر الآن!
صحة
Loading...
عائلات تسير بهدوء في شارع بمدينة إيركوتسك بسيبيريا وسط أجواء طبيعية رغم الشائعات حول وفاة تقنية مخبرية بالطاعون.

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون

توفيت داريا شيبيلوفا، التقنية المخبرية في سيبيريا، وسط غموض حول سبب الوفاة الذي لم تؤكده الجهات الصحية الروسية، مما أثار قلق السكان وانتشار شائعات الطاعون. اكتشف تفاصيل القصة كاملة وكن على اطلاع على آخر المستجدات.
صحة
Loading...
بكتيريا يرسينيا بيستيس المسببة للطاعون تحت المجهر، مع خلايا دم حمراء وبيضاء تظهر تفاصيل العدوى المحتملة في معهد إيركوتسك الروسي.

الطاعون الرئوي بالأرقام

وفاة موظفة في معهد إيركوتسك الروسي تثير قلقاً عالمياً بسبب التهاب رئوي غامض مرتبط بالطاعون. منظمة الصحة العالمية تبحث التفاصيل وتراقب الوضع بدقة. اكتشف المزيد عن هذا اللغز الصحي وتأثيره المحتمل.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية