كيف تعرف أن هرمون التستوستيرون منخفض فعلاً
هل تعاني من تعب مزمن أو تغيرات في المزاج؟ تعرف على أهمية فحص التستوستيرون وكيف يؤثر نمط حياتك على مستوياته قبل التفكير بالعلاج. اكتشف كل التفاصيل والنصائح الطبية في خَبَرَيْن.

في عيادتي كطبيب مسالك بولية، بدأتُ أتلقّى في الأشهر الأخيرة رسائل من نوعٍ لم أكن أراه بهذا الحجم من قبل: «دكتور، هل يمكنك أن تطلب لي تحليل التستوستيرون؟» الحديث عن هذا الهرمون انتقل من غرف تبديل الملابس إلى البودكاست، ومن البودكاست إلى عناوين الأخبار. وقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth مؤخّراً عن إطلاق برنامج فحص لمستويات التستوستيرون لدى أفراد الجيش الذين تجاوزوا الثلاثين من عمرهم.
رجالٌ لم يفكّروا يوماً في صحّتهم باتوا يطرحون أسئلةً جدّية عن هرموناتهم، وآخرون لم يسمعوا بهذا الفحص قد يجدون أنفسهم أمامه قريباً بشكلٍ تلقائي.
الاهتمام في حدّ ذاته أمرٌ إيجابي. لكنّ ما نفعله برقمٍ واحد في تقرير مختبري هذا هو السؤال الأصعب.
إن كنتَ مهتمّاً بمعرفة مستوى التستوستيرون لديك، فلا مانع من إجراء الفحص مع طبيب متخصّص. وإن كانت ثمّة أعراضٌ حقيقية ومتكرّرة انخفاض الرغبة الجنسية لأشهرٍ متتالية، وإرهاقٌ مزمن، وتغيّرات في المزاج، وفقدان الكتلة العضلية فالموعد الطبّي ضرورة لا خيار.
لكن قبل الحديث عن أيّ علاجٍ بديل، ثمّة خطوتان لا غنى عنهما: الأولى، استبعاد العوامل المتعلّقة بنمط الحياة النوم، والكحول، والوزن، والتوتّر، وانقطاع النَّفَس أثناء النوم، والأدوية التي تتناولها. والثانية، إن كنتَ تفكّر في الإنجاب مستقبلاً، فهذه المحادثة يجب أن تسبق أوّل جرعة علاج.
لأنّ الرقم في تقرير المختبر هو نقطة البداية، لا نقطة النهاية.
ما هو التستوستيرون فعلاً؟
التستوستيرون هو الهرمون الذكوري الرئيسي المسؤول عن النموّ والتطوّر، وتُنتجه الخصيتان استجابةً لإشاراتٍ صادرة من الدماغ. مستوياته لا تثبت على حالٍ واحدة تبلغ ذروتها في الصباح وتنخفض مع اقتراب المساء، وتتأثّر بالنوم والوزن والتمارين الرياضية وحتّى بالضغط النفسي. وبمجرّد أن يتجاوز الرجل الثلاثين أو الأربعين من عمره، يبدأ هذا الهرمون بالانخفاض التدريجي بمعدّل نحو 1% سنوياً.
تُحدّد معظم المختبرات النطاق الطبيعي بين 300 و1,000 نانوغرام لكلّ ديسيلتر وهو نطاقٌ واسع، وتحديد حدّ «الانخفاض» يعتمد على المرجعية التي يتّبعها طبيبك والمختبر الذي أجرى الفحص.
والأهمّ من ذلك: لا يُشخَّص انخفاض التستوستيرون بناءً على سحب دمٍ واحدة. يتحقّق الطبيب من المستويات مرّتَين على الأقلّ، ويُرافق ذلك فحوصاتٌ أخرى كهرمون الإستراديول وبروتين الغلوبيولين الرابط للهرمونات الجنسية، وذلك لاستبعاد العوامل الأخرى التي قد تؤثّر في النتيجة.
الحديث الذي نادراً ما يجري
حين يكون الانخفاض حقيقياً، يكون العلاج عادةً عبر هلامٍ جلدي أو لصقةٍ أو حقنة، وأحياناً حبيباتٍ مزروعة تحت الجلد. أمّا إن ارتفع المستوى أكثر من اللازم غالباً بسبب المكمّلات الغذائية أو جرعةٍ مفرطة فالحلّ هو التخفيف والسماح للجسم بإعادة ضبط نفسه.
لمن يعاني انخفاضاً حقيقياً مصحوباً بأعراض، الفوائد ملموسة: تحسّن في الطاقة والرغبة والمزاج والعضلات والعظام. والهدف دائماً هو الوصول إلى المستوى الطبيعي، لا إلى مستوىً مرتفع.
لكنّ رفع الرقم ليس مجّانياً. العلاج بالتستوستيرون يُوقف إنتاج الجسم الطبيعي للهرمون، ومعه الحيوانات المنوية. قد تتراجع الخصوبة في غضون أسابيع، ولا تعود دائماً إلى سابق عهدها. وكثيرٌ من المرضى الذين أتعامل معهم في سنٍّ تجعل الإنجاب خياراً قائماً لذا يجب أن تسبق هذه المحادثة أوّل جرعة، لا أن تأتي بعدها.
أمّا رفع المستويات فوق الحدّ الطبيعي، فيحمل مخاطر خاصّة به: زيادة لزوجة الدم وارتفاع خطر الجلطات، وارتفاع ضغط الدم، وتفاقم انقطاع النَّفَس أثناء النوم، وتضخّم الغدّة الحمراء في الدم، فضلاً عن تضخّم الخصيتَين مع الوقت حين يتوقّف الجسم عن إنتاج هرمونه بنفسه.
الرقم المنخفض عادةً له قصّة خلفه
رجال الإطفاء مثالٌ يوضّح الفكرة. دراسةٌ أُجريت على 341 من رجال الإطفاء المحترفين في ولاية فلوريدا أظهرت أنّ نحو 11% منهم يعانون انخفاضاً في التستوستيرون، وأنّ 26% آخرين في المنطقة الحدودية.
قد تبدو هذه النتائج دليلاً على أنّ طبيعة العمل تُدمّر الهرمونات. لكن حين تتأمّل البيانات عن كثب، تجد أنّ الرجال الذين سُجّل لديهم الانخفاض كانوا أكبر سنّاً وأثقل وزناً وفي صحّةٍ أيضيّة أسوأ، مع ارتفاعٍ في ضغط الدم. الرقم المنخفض كان يُرافق هذه المشكلات، لا يتسبّب فيها وهذا فارقٌ جوهري بين الارتباط الإحصائي والعلاقة السببية.
أرى الأمر ذاته في عيادتي أسبوعياً. يأتي رجالٌ مقتنعون بأنّ هرموناتهم مضطربة، فتُظهر التحاليل نتائج طبيعية. ما هو مضطرب فعلاً هو أنّ المريض ينام خمس ساعات في الليل ويتناول مشروباً كحولياً كلّ مساء للتعامل مع ضغط عملٍ لا يُحبّه. معظم الرجال الذين يظنّون أنّ تستوستيرونهم منخفض ليس كذلك في الواقع.
ما كشفته الدراسات العسكرية
حتّى حين ترفع مستوى التستوستيرون، قد لا تحصل على ما تتوقّعه. أجرى الجيش الأمريكي تجارب موسّعة لاختبار هذه الفكرة تحديداً، وكانت النتائج لافتة.
في تجربتَين موّلهما الجيش الأمريكي تحت مسمّى «تحسين أداء الجنود» (Optimizing Performance for Soldiers)، أُعطي التستوستيرون لرجالٍ شباب أصحّاء خلال فترة مكثّفة من التمارين وشحّ التغذية وكانت مستوياتهم الهرمونية طبيعية في الأصل.
دراسةٌ نُشرت عام 2019 في مجلّة The Lancet أظهرت أنّ المجموعة التي تلقّت التستوستيرون حافظت على كتلةٍ عضلية أكبر، لكنّ قدرتها على التحمّل وقوّتها تراجعتا بالقدر ذاته الذي تراجعت به المجموعة الضابطة. ودراسةٌ متابِعة نُشرت عام 2022 في مجلّة Journal of Applied Physiology أكّدت النتيجة نفسها: التستوستيرون منع فقدان الكتلة العضلية الهزيلة، لكنّه لم يُحسّن الأداء البدني.
هذا لا يعني أنّ التستوستيرون لا يُفيد مطلقاً. في الرجال الأكبر سنّاً الذين يعانون انخفاضاً حقيقياً، أظهرت الأبحاث أنّ العلاج التعويضي بالتستوستيرون يُحسّن القوّة والوظيفة البدنية، لا سيّما حين يُقترن بالتدريب المنتظم.
المنطق ذاته ينطبق على عسكريٍّ يعاني نقصاً هرمونياً حقيقياً العلاج التعويضي قد يُفيده. لكنّ هذا لم يكن ما اختبرته التجارب العسكرية؛ المشاركون فيها لم يكونوا يعانون نقصاً، بل كانوا شباباً في كامل لياقتهم، ورفع مستوياتهم الطبيعية أضاف عضلةً دون أن يُضيف أداءً.
التستوستيرون يُفيد من يعاني انخفاضاً حقيقياً. أمّا من يحمل رقماً طبيعياً فلن يحوّله العلاج الهرموني إلى رقمٍ أفضل.
هل يجب فحص كلّ رجلٍ تجاوز الثلاثين؟
لكثيرٍ من الرجال، سحب الدم البسيط هو أوّل تعاملٍ حقيقي مع صحّتهم. الفضول الذي يدفعهم نحو هذا الفحص قد يكون باباً يُوصلهم إلى فحوصاتٍ أخرى أكثر أهمّية. لكنّ أيّاً من هذا الفحص ليس معياراً سريرياً معتمداً حتّى الآن، وإن كان يستحقّ النقاش.
توصيات الجمعية الأمريكية لأمراض المسالك البولية تُوصي بفحص الرجال الذين يُعانون أعراضاً، لا بالفحص الشامل لكلّ الرجال. وشخصياً، أتمنّى أن تمنحنا الإرشادات مستقبلاً هامشاً أوسع للفحص المبكّر أعتقد أنّ في ذلك قيمةً حقيقية. لكنّ تحديث معيار الرعاية يجب أن يستند إلى أدلّة دامغة، ونحن قريبون من ذلك لكنّنا لم نصل بعد. وإلى أن تتحرّك البيانات، تبقى الإرشادات هي المرجع، وأحرص على الالتزام بها قدر المستطاع.
في كلّ الأحوال، إجراء الفحص لم يكن يوماً الجزء الصعب. ليس كلّ رقمٍ منخفض يستدعي علاجاً، وليس كلّ رجلٍ يرفع مستوى تستوستيرونه يحصل على ما انتظره.
الاهتمام المتزايد بفحص التستوستيرون لكلّ الرجال بعد سنٍّ معيّنة يبدو للوهلة الأولى خطوةً استباقية. لكنّ فحص مجتمعٍ بأكمله ليس كفحص رجلٍ لديه أعراض المعيار هنا أعلى، ولسببٍ وجيه. حين تفحص الجميع، تصطدم بأرقامٍ حدودية وطبيعية-منخفضة لدى رجالٍ يشعرون بصحّةٍ تامّة، وكلّ نتيجةٍ من هذه النتائج تُفتح نقاشاً وأحياناً وصفةً طبّية قد لا يكون أيٌّ منهما ضرورياً.
لكن ثمّة زاويةٌ أخرى للنظر: الرجال معروفون بتجنّب عيادات الأطباء، وإن كان فحص التستوستيرون هو ما يجلب الرجل الخامس والثلاثين إلى العيادة لأوّل مرّة، فلن أتجاهل قيمة ذلك. المهمّ أن يكون الرقم بوّابةً لتقييمٍ صحّي حقيقي، لا اختصاراً إلى وصفةٍ طبّية.
لماذا يُجري الأطباء فحوصاتٍ وقائية لبعض الأمراض دون غيرها؟
يُجري الأطباء فحوصاتٍ وقائية لأمراضٍ عديدة قبل ظهور الأعراض، بناءً على العمر وعوامل الخطر. تنظير القولون يبدأ في منتصف الأربعينيات. الكولسترول وسكّر الدم يُفحصان بجدولٍ منتظم مع التقدّم في العمر أو مبكّراً عند وجود تاريخٍ عائلي. سرطان البروستاتا يُناقَش الفحص له في حدود الخمسين.
ما يجمع هذه الفحوصات هو أنّها تجاوزت عتبةً معيّنة: المرض شائعٌ وخطير، واكتشافه مبكّراً يُغيّر مسار العلاج. والفحص يُميّز بموثوقية بين من يعاني المشكلة ومن لا يعانيها.
التستوستيرون لم يتجاوز هذه العتبة بعد. لم يثبت حتّى الآن أنّ الرقم المنخفض لدى رجلٍ يشعر بصحّةٍ جيّدة هو حالةٌ يُفيد اكتشافها مبكّراً وهذا، لا مدى أهمّية صحّة الرجل، هو الفارق الحقيقي بين الفحص الوقائي الشامل والفحص المبنيّ على الأعراض. القرار الشخصي في نهاية المطاف يبقى بينك وبين طبيبك المعالج، لا سيّما إن كانت لديك حالاتٌ صحّية مزمنة أو ظروفٌ خاصّة.
أخبار ذات صلة

إيبولا في الكونغو الديمقراطية: ثاني أكبر تفشٍ عالمياً

الولايات المتحدة تسجّل 2,318 حالة حصبة وتتجاوز إجمالي 2025

مواطن أمريكي يعمل في الكونغو الديمقراطية يُثبت إصابته بفيروس إيبولا
