فيتامين D وتأثيره على ذاكرة الطفل أثناء الحمل
هل يمكن أن يُحسّن فيتامين D خلال الحمل ذاكرة الطفل لاحقاً؟ دراسة جديدة تكشف تأثير الجرعات العالية على الأداء المعرفي للأطفال. تعرفوا على النتائج والتوصيات المهمة من خبيرة الصحة د. Leana Wen. تابعوا التفاصيل على خَبَرَيْن.

هل يُحسّن فيتامين D خلال الحمل ذاكرةَ الطفل لاحقاً؟ تجربةٌ سريرية تُجيب
صدرت الاثنين الماضي في مجلّة JAMA Network Open نتائج تجربةٍ سريرية عشوائية تابعت أطفالاً حتى سنّ العاشرة، وكانت أمّهاتهم قد تناولن جرعاتٍ مختلفة من فيتامين D خلال الحمل. خلصت الدراسة إلى أنّ أطفال المجموعة التي تلقّت الجرعة الأعلى أظهروا أداءً أفضل وإن كان محدوداً في بعض اختبارات الذاكرة، دون أن تظهر فوارق في درجات الذكاء الإجمالية.
لكن ماذا تعني هذه النتائج فعلاً؟ وهل يعني ذلك أنّ على الحوامل البدء بجرعاتٍ عالية من الفيتامين؟ وما المخاطر المحتملة لذلك؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، تم اجراء حواراً مع خبيرة الصحة الدكتورة Leana Wen، طبيبة طوارئ وأستاذة مشاركة في جامعة George Washington، وسبق أن شغلت منصب مفوّضة الصحة في مدينة Baltimore.
ماذا كشفت الدراسة الجديدة عن تناول فيتامين D خلال الحمل وتأثيره في الإدراك لدى الأطفال؟
د. Leana Wen: هذه تجربةٌ سريرية عشوائية أُجريت في الدنمارك، وتابعت قرابة 500 طفل حتى سنّ العاشرة. درس الباحثون ما إذا كانت الجرعات الأعلى من فيتامين D3 خلال الحمل مرتبطةً بأداءٍ معرفي أفضل في مرحلة الطفولة المتأخّرة.
شملت التجربة مئات النساء اللواتي وُزِّعن عشوائياً بين مجموعتَين: الأولى تلقّت جرعةً أعلى من فيتامين D3 بمقدار 2,400 وحدة دولية يومياً إضافةً إلى الجرعة المعتادة للحوامل، والثانية اقتصرت على الجرعة القياسية الموصى بها وهي 400 وحدة دولية يومياً.
عند بلوغ الأطفال سنّ العاشرة، خضعوا لسلسلة من الاختبارات المعرفية العصبية. وجد الباحثون أنّ أطفال المجموعة ذات الجرعة الأعلى أظهروا أداءً أفضل بشكلٍ محدود في بعض مقاييس الذاكرة اللفظية والبصرية والمرونة المعرفية أي القدرة على التحوّل بين المهام والتكيّف مع المتغيّرات. في المقابل، لم تظهر فوارق ذات دلالة في درجات الذكاء الإجمالية.
التحسينات الملاحَظة كانت ذات دلالةٍ إحصائية لكنّها متواضعة. تُشير هذه النتائج إلى احتمال وجود تأثيراتٍ دقيقة لفيتامين D قبل الولادة على جوانب معيّنة من تطوّر الدماغ، غير أنّها لا تعني أنّ الجرعات الأعلى تُحسّن الذكاء أو الأداء الأكاديمي تحسيناً ملحوظاً.
كيف أُجريت الدراسة، وما الذي يميّزها عن الأبحاث السابقة في هذا المجال؟
د. Wen: من أبرز نقاط القوّة أنّها تجربةٌ سريرية مضبوطة عشوائية (Randomized Controlled Trial). المشاركات لم يكنّ يعرفن في البداية إلى أيّ مجموعة ينتمين، وهذا مهمٌّ لأنّ كثيراً من الدراسات السابقة حول فيتامين D والنموّ العصبي كانت رصديّةً، تُحدّد الارتباطات لكنّها لا تُثبت علاقةً سببية.
التوزيع العشوائي للمشاركات بين الجرعتَين يُساعد على تقليل التحيّز والعوامل المُربِكة. علاوةً على ذلك، تابع الباحثون الأطفال لفترةٍ طويلة نسبياً؛ فكثيرٌ من الدراسات السابقة قيّمت النتائج في مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكّرة، في حين درست هذه الدراسة الإدراك عند سنّ العاشرة، وهو عمرٌ يتيح اختبار وظائف معرفية أكثر تطوّراً كالذاكرة والوظائف التنفيذية.
من النقاط اللافتة أنّ الدراسة لم تُحدّد مستوى واضحاً لفيتامين D في دم الأمّ يرتبط بشكلٍ قاطع بأداءٍ أفضل لدى الطفل. وقد أشار التعليق المرافق للدراسة إلى أنّ فيتامين D قد يعمل أشبه بجزيءٍ إشاراتيٍّ في التطوّر، تأثيراته معقّدة ولا تخضع لعتبةٍ محدّدة.
كيف نفسّر أنّ التحسينات ظهرت في اختبارات الذاكرة تحديداً دون الذكاء الإجمالي؟
د. Wen: هنا تحديداً تكمن أهمّية التواصل الدقيق حول ما أثبتته الدراسة وما لم تُثبته. الدراسة لا تقول إنّ فيتامين D يجعل الأطفال «أذكى» بمعنى شامل؛ فلم تظهر فوارق في درجات الذكاء الإجمالية أو المقاييس العامة للذكاء.
التحسينات اقتصرت على مجالاتٍ أكثر تخصّصاً، ولا سيّما جوانب معيّنة من الذاكرة. وأشار التعليق المرافق إلى أنّ هذا النمط قد يكون منطقياً بيولوجياً، إذ تتوزّع مستقبلات فيتامين D في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة والوظائف التنفيذية.
في الوقت ذاته، هذه الفوارق صغيرة نسبياً. لا ينبغي أن تُفضي هذه النتيجة إلى استنتاجاتٍ مبالَغ فيها أو تغييراتٍ جذرية في السلوك. هي قطعةٌ واحدة من أدلّة تُضاف إلى نقاشٍ علمي أوسع حول تأثير التغذية خلال الحمل في النموّ المعرفي طويل الأمد للطفل.
ما التوصيات الحالية لتناول فيتامين D خلال الحمل؟
د. Wen: وفقاً لـالكلية الأمريكية لأطباء التوليد وأمراض النساء (ACOG)، لا يُوصى بالفحص الروتيني لنقص فيتامين D لجميع الحوامل. غير أنّ الفحص قد يُنظر فيه للحوامل الأكثر عرضةً للنقص، كمن يتعرّضن لأشعة الشمس بشكلٍ محدود، أو ذوات البشرة الداكنة، أو من يعانين من اضطراباتٍ معيّنة في الجهاز الهضمي أو السمنة.
معظم فيتامينات الحمل تحتوي أصلاً على فيتامين D، عادةً نحو 400 وحدة دولية يومياً. وتُفيد توصيات ACOG بأنّه حين يُكتشف نقص فيتامين D خلال الحمل، تُعدّ جرعة 1,000 إلى 2,000 وحدة دولية يومياً آمنةً بشكلٍ عام.
تجدر الإشارة إلى أنّ الجرعة المستخدمة في هذه الدراسة كانت أعلى بكثيرٍ من الجرعة القياسية للحوامل. هذا لا يعني أنّها ضارّة بالضرورة، لكنّه لا يعني أيضاً أنّ على الحوامل البدء بها من تلقاء أنفسهنّ.
هل يمكن أن تكون الجرعات العالية من فيتامين D ضارّة خلال الحمل؟
د. Wen: نعم. لأنّ فيتامين D ذائبٌ في الدهون، فإنّ الكميات الزائدة منه تتراكم في الجسم. ارتفاع مستوياته بشكلٍ مفرط قد يُفضي إلى ارتفاع الكالسيوم في الدم، ممّا قد يُسبّب الغثيان والتقيّؤ وحصى الكلى وتلف الكلى. وفي الحالات الشديدة، قد يؤثّر الكالسيوم الزائد على القلب وأعضاءٍ أخرى.
الحمل أيضاً مرحلةٌ تتناول فيها المرأة في الغالب مكمّلاتٍ غذائية متعدّدة في آنٍ واحد. قد تحصل الحامل على فيتامين D من خلال فيتامينات الحمل، ثمّ تتناول مكمّلاتٍ إضافية عالية الجرعة دون أن تُدرك الكمّية الإجمالية التي تستهلكها.
لهذا أُحذّر بشدّة من وصف الجرعات الكبيرة لأنفسنا. التدخّلات الغذائية خلال الحمل يجب أن تكون فردية ومدروسة بالتشاور مع طبيب التوليد.
هل يجب على الحوامل البدء بجرعاتٍ عالية من فيتامين D بناءً على هذه النتائج؟
د. Wen: لن أُقدّم هذه التوصية استناداً إلى هذه الدراسة وحدها. النتائج مثيرةٌ للاهتمام وربّما مهمّة، لكنّ الفوارق المعرفية الملاحَظة كانت محدودة.
أعتقد أنّ الدراسة تطرح تساؤلاتٍ علمية مهمّة وقد تُسهم في مراجعة التوصيات مستقبلاً، لكنّنا لم نصل بعد إلى مرحلة توصي فيها المنظّمات المهنية بأن تتناول جميع الحوامل جرعاتٍ عالية من فيتامين D بشكلٍ روتيني.
في الوقت الراهن، الرسالة المناسبة هي أن تناقش الحامل ظروفها الفردية مع طبيب التوليد. من تعاني نقصاً في فيتامين D أو تكون في خطرٍ مرتفع للإصابة بهذا النقص قد تستفيد من المكمّلات، لكنّ هذا القرار ينبغي أن يُتّخذ بتأنٍّ وفي سياق الرعاية الشاملة للحمل.
ما أهمّ ما يمكن للحوامل فعله لدعم صحّة أطفالهنّ ونموّهم على المدى البعيد؟
د. Wen: أهمّ شيءٍ هو التركيز على الأسس التي نعرف أنّها تُحسّن نتائج صحّة الأمّ والطفل. وتشمل هذه الأسس: الحصول على رعايةٍ منتظمة قبل الولادة، وتناول فيتامينات الحمل الموصى بها، واتّباع نظامٍ غذائي متوازن، والابتعاد عن التبغ والكحول، وإدارة الأمراض المزمنة، والحفاظ على النشاط البدني.
النوم والصحّة النفسية بالغا الأهمّية أيضاً وكثيراً ما يُهمَلان. الإجهاد المزمن والاكتئاب غير المُعالَج وقلّة النوم تُؤثّر في صحّة الأمّ ونتائج الحمل على حدٍّ سواء.
ومن المهمّ أن تتذكّر الحامل أنّ النموّ الصحّي للطفل يتشكّل من عواملٍ متعدّدة عبر سنواتٍ طويلة. التغذية خلال الحمل مهمّة، لكنّ ما يأتي بعد الولادة لا يقلّ أهمّيةً: بيئةٌ مستقرّة، وفرصٌ للتعلّم المبكّر، ونومٌ كافٍ وتغذيةٌ سليمة ودعمٌ عاطفي. نادراً ما تكون مغذّيةٌ واحدة أو تدخّلٌ بعينه هو ما يُحدّد وحده المستقبل المعرفي للطفل.
القرار الشخصي في تناول أيّ مكمّلٍ غذائي خلال الحمل يبقى شأناً طبّياً فردياً، ولا يُغني عنه أيّ مقال مهما كانت جودة الدراسة التي يستند إليها. استشيري طبيبك المعالج دائماً.
أخبار ذات صلة

إيبولا في الكونغو الديمقراطية: ثاني أكبر تفشٍ عالمياً

الولايات المتحدة تسجّل 2,318 حالة حصبة وتتجاوز إجمالي 2025

هرمون التستوستيرون: ليس ما يعتقده معظم الناس
