السيجارة الإلكترونية وخطر السرطان كيف نتجنب المخاطر؟
هل السيجارة الإلكترونية آمنة؟ دراسة جديدة تكشف أنها قد ترفع خطر الإصابة بالسرطان. تعرف على الأدلة العلمية وتأثير النيكوتين، وما يجب أن يعرفه الآباء عن أبنائهم المراهقين. اقرأ المزيد على خَبَرَيْن.

السيجارة الإلكترونية والسرطان: ما الذي تقوله الأدلة العلمية فعلاً؟
كثيراً ما تُسوَّق السيجارة الإلكترونية (Vaping) باعتبارها بديلاً أقلّ ضرراً من التدخين التقليدي و هذا صحيح جزئياً. لكنّ «أقلّ ضرراً» لا تعني «آمنة»، وهو فارقٌ دقيق لكنّه بالغ الأهمية. مراجعةٌ علمية موسّعة نُشرت مؤخّراً في مجلّة Carcinogenesis تُشير إلى أنّ السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد ترفع من خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان. فماذا وجدت هذه الدراسة؟ وهل يمكن للسيجارة الإلكترونية أن تساعد على الإقلاع عن التدخين؟ وما الذي ينبغي للآباء معرفته بشأن أبنائهم المراهقين؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، تم إجراء حواراً مع الدكتورة Leana Wen، طبيبة طوارئ وأستاذة مشاركة في جامعة George Washington، وهي خبيرة صحة وشغلت سابقاً منصب مفوّضة الصحة في مدينة Baltimore.
ماذا وجدت هذه الدراسة بشأن السيجارة الإلكترونية وخطر السرطان؟
د. Leana Wen: لم تكن هذه الورقة البحثية تجربةً مخبريةً واحدة، بل هي مراجعةٌ علمية موسّعة شملت دراساتٍ مخبرية وأخرى على الحيوانات ودراساتٍ بيولوجية على البشر وبحوثاً وبائية، جميعها تدرس تأثير السيجارة الإلكترونية على الخلايا والأنسجة بطرقٍ مرتبطة بتطوّر السرطان.
خلصت المراجعة إلى أنّ الهباء الجوي (Aerosol) الصادر عن السجائر الإلكترونية قادرٌ على إلحاق الضرر بالحمض النووي (DNA) وتحفيز الالتهاب المزمن وهما عمليّتان مرتبطتان بتكوّن السرطان. كما رصد الباحثون مركّباتٍ يُحتمل أن تكون مُسرطِنة في هذا الهباء، منها الفورمالديهيد (Formaldehyde) والأسيتالديهيد (Acetaldehyde)، فضلاً عن معادن ثقيلة كالنيكل والكروم والرصاص التي قد تنبثق من عناصر التسخين داخل الأجهزة. وأشارت الأدلة أيضاً إلى ارتباطاتٍ محتملة بين التدخين الإلكتروني وسرطانات الرئة والفم والمثانة.
غير أنّ الباحثين أقرّوا صراحةً بحدود الأدلة المتاحة. فالسجائر الإلكترونية لم تنتشر على نطاقٍ واسع إلّا منذ عقدٍ تقريباً، في حين تستغرق كثيرٌ من السرطانات عقوداً لتتطوّر. وهذا يعني أنّنا لا نملك بعدُ بيانات سكّانية طويلة الأمد تُحدّد خطر السرطان بالدقّة ذاتها المتوفّرة للسجائر التقليدية. كثيرٌ من الدراسات القائمة مخبريةٌ أو تجرى على الحيوانات أو تقيس تغيّراتٍ بيولوجية قصيرة الأمد، لا تشخيصاتٍ سرطانية فعلية لدى البشر.
ومع ذلك، خلص المؤلّفون إلى أنّ تناسق النتائج عبر أنواعٍ متعدّدة من الدراسات يُثير قلقاً جدّياً من أنّ السيجارة الإلكترونية ليست بريئةً وقد ترفع خطر السرطان مع مرور الوقت.
كيف يمكن للسيجارة الإلكترونية أن تُسهم في الإصابة بالسرطان إذا لم تكن تحرق التبغ؟
د. Wen: يفترض كثيرون أنّه بما أنّ السيجارة الإلكترونية لا تنطوي على احتراق، فهي في الأساس غير ضارّة. صحيحٌ أنّها تُعرّض المستخدم لعددٍ أقلّ من المواد الكيميائية السامّة مقارنةً بالسجائر التقليدية، لكنّ «أقلّ مواد ضارّة» لا تعني «لا مواد ضارّة».
تعمل السجائر الإلكترونية على تسخين محاليل سائلة تحتوي في الغالب على النيكوتين ومواد كيميائية مُنكِّهة ومذيباتٍ كالبروبيلين غليكول (Propylene Glycol) والغليسرين النباتي (Vegetable Glycerin). وعند تسخين هذه المواد، تتحلّل إلى مركّباتٍ قد تُلحق الضرر بالخلايا والحمض النووي. كما يحتوي الهباء الجوي الصادر عن هذه الأجهزة على جسيماتٍ دقيقة جداً يمكن استنشاقها عميقاً في الرئتين، ممّا يُسبّب التهاباً مزمناً.
والنيكوتين نفسه ليس محايداً بيولوجياً. فرغم أنّه لا يُصنَّف مُسرطِناً كلاسيكياً بالمعنى ذاته لدخان التبغ، إلّا أنّه قد يُعزّز نموّ الأورام وتشكّل الأوعية الدموية ومسارات الإشارات الخلوية التي تدعم تطوّر السرطان. وللنيكوتين تداعياتٌ سلبية أخرى عديدة، لا سيّما في صفوف الشباب.
هل السيجارة الإلكترونية أكثر أماناً من التدخين التقليدي؟
د. Wen: بناءً على ما نعرفه حتى الآن، يبدو أنّ السيجارة الإلكترونية أقلّ ضرراً من تدخين السجائر الاعتيادية. فدخان السجائر يحتوي على آلاف المواد الكيميائية، منها عشرات المُسرطِنات المعروفة، ويظلّ التدخين أحد الأسباب الرئيسية القابلة للوقاية للوفاة على مستوى العالم.
لكنّني أخشى أن تُفسَّر عبارة «أكثر أماناً من السجائر» على أنّها «آمنة تماماً»، وهذا ما لا تدعمه الأدلة. فالسيجارة الإلكترونية تُعرّض مستخدمها للنيكوتين وهو مادّةٌ مُسبِّبة للإدمان إضافةً إلى طيفٍ من المواد التي يُحتمل أن تكون ضارّة. كما يمكنها أن تُفاقم مشكلات الجهاز التنفسي لدى المصابين بالربو والأمراض الرئوية المزمنة. ولا تزال التداعيات طويلة الأمد غير محسومة، إذ إنّ هذه المنتجات لم تُوجد طويلاً بما يكفي لدراستها كما درسنا السجائر.
هذا التمييز بالغ الأهمية تحديداً بالنسبة للمراهقين والشباب الذين لم يُدخّنوا أصلاً. فمن لا يُدخّن، لا يُعدّ البدء بالسيجارة الإلكترونية خياراً صحّياً بأيّ معيار.
هل يمكن للسيجارة الإلكترونية أن تساعد على الإقلاع عن التدخين؟
د. Wen: ثمّة تقاريرُ شخصية كثيرة عمّن يقولون إنّ السيجارة الإلكترونية ساعدتهم على الإقلاع، وبعض الدراسات تُشير إلى أنّها قد تُساعد بعض البالغين على تقليل استخدام التبغ الاعتيادي أو الإقلاع عنه. بيد أنّ دراساتٍ أخرى تتعارض مع هذه النتائج، والأهمّ من ذلك أنّ السجائر الإلكترونية لم تحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بوصفها أدواتٍ للإقلاع عن التدخين.
والمخاوف الكبرى هنا أنّ كثيراً ممّن يبدؤون بالسيجارة الإلكترونية بهدف الإقلاع ينتهون باستمرار تناول النيكوتين على المدى البعيد، إمّا عبر السيجارة الإلكترونية وحدها أو من خلال ما يُسمّى «الاستخدام المزدوج» للسجائر التقليدية والإلكترونية معاً. بمعنى آخر، قد يتغيّر وسيط الإيصال دون أن تُعالَج إدمانية النيكوتين في جوهرها.
في المقابل، تحظى أدوات الإقلاع المعتمدة من FDA بأدلّةٍ أقوى بكثير. وتشمل هذه الأدوات العلاجات التعويضية بالنيكوتين كاللصقات والعلكة والأقراص والبخّاخات الأنفية والأجهزة الاستنشاقية، وهي مُصمَّمة للتخفيف من أعراض الانسحاب بطريقةٍ مضبوطة. كما يتوفّر دواءان بوصفةٍ طبية هما فاريينيكلين (Varenicline) وبوبروبيون (Bupropion)، ويمكنهما تحسين معدّلات الإقلاع بشكلٍ ملحوظ، لا سيّما حين يُقرنان بالإرشاد السلوكي وبرامج الدعم.
لمن يُدخّن ويرغب في الإقلاع، أنصح بمناقشة برنامجٍ منظّم مع الطبيب المعالج والاستناد إلى الأساليب القائمة على الأدلّة والمعتمدة من FDA، بدلاً من الاعتماد على منتجات التدخين الإلكتروني التجارية غير المرخّصة لهذا الغرض.
ماذا عن من يُدخّنون ويستخدمون السيجارة الإلكترونية في آنٍ واحد؟
د. Wen: هذا «الاستخدام المزدوج» شائعٌ جداً. كثيرٌ من الناس يواصلون تدخين السجائر مع استخدام السيجارة الإلكترونية، إمّا في محاولةٍ للتقليل أو لأنّهم يلجؤون إلى الأخيرة في الأماكن التي يُحظر فيها التدخين.
المشكلة أنّ هؤلاء يستمرّون في التعرّض للتأثيرات السامّة للسجائر التقليدية مع إضافة تعرّضاتٍ جديدة من السيجارة الإلكترونية. وقد أشارت عددٌ من الدراسات إلى أنّ مستخدمي الاثنين معاً قد يواجهون مخاطر قلبيةً وتنفسية مماثلةً أو حتى أعلى ممّا يُشاهَد مع التدخين التقليدي وحده.
ومسألةٌ جوهرية هنا: بأيّ قدرٍ انخفض التدخين فعلاً؟ ثمّة فارقٌ كبير بين من ينتقل من علبةٍ يومياً إلى سيجارةٍ واحدة أسبوعياً، ومن يواصل تدخين نصف علبةٍ يومياً مع استخدامٍ مكثّف للسيجارة الإلكترونية. الهدف النهائي يجب أن يبقى الإقلاع التامّ عن التدخين.
ما المخاطر التي يواجهها المراهقون والشباب الذين يستخدمون السيجارة الإلكترونية؟
د. Wen: المراهقون والشباب يمثّلون مصدر قلقٍ رئيسياً، إذ يمكن للنيكوتين أن يؤثّر على الدماغ النامي، ولا سيّما المناطق المرتبطة بالانتباه والتعلّم والتحكّم في الاندفاع.
وفق المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، أفاد أكثر من 1.6 مليون طالبٍ في المرحلتَين الإعدادية والثانوية بالولايات المتحدة باستخدامهم الحالي للسيجارة الإلكترونية في عام 2024، وكثيرٌ منهم يستخدمونها بشكلٍ متكرّر، فيما تظلّ المنتجات المُنكِّهة الأكثر شعبيةً في هذه الفئة العمرية.
يميل المراهقون أيضاً إلى الاستهانة بكميّة النيكوتين التي يستهلكونها، إذ تحتوي كثيرٌ من منتجات التدخين الإلكتروني على تركيزاتٍ عالية جداً من النيكوتين، والإدمان يمكن أن يتطوّر بسرعةٍ لدى المراهقين.
تُشير الأدلّة كذلك إلى أنّ استخدام السيجارة الإلكترونية في سنّ المراهقة يرتبط بارتفاع احتمال التدخين التقليدي لاحقاً وتعاطي مواد أخرى. وبعيداً عن إدمان النيكوتين، ثمّة مخاوف تتعلّق بـالتأثيرات التنفسية، وارتباطاتٍ بحالاتٍ نفسية كالاكتئاب.والتعرّض لمواد كيميائية يُحتمل أن تكون سامّة خلال مراحل تطوّرٍ حرجة.
ماذا ينبغي للآباء أن يقولوا لأبنائهم بشأن السيجارة الإلكترونية؟
د. Wen: على الآباء أن يُجروا محادثاتٍ مباشرة وغير استنكارية مع أبنائهم بشأن السيجارة الإلكترونية، بدلاً من افتراض أنّ أبناءهم بمنأى عنها. فكثيرٌ من المراهقين يتعرّضون لهذه المنتجات عبر مجموعات الأقران و وسائل التواصل الاجتماعي.
من المهمّ توضيح أنّ السيجارة الإلكترونية ليست مجرّد بخارٍ مُنكَّه. هذه المنتجات قد تحتوي على نيكوتينٍ شديد الإدمان ومواد كيميائية قد تُلحق الضرر بالرئتين وتزيد من خطر الإصابة بالسرطان على المدى البعيد.
ماذا ينبغي لمن يستخدم السيجارة الإلكترونية حالياً أن يفعل؟
د. Wen: بدايةً، إن كان الشخص لا يُدخّن السجائر التقليدية، فنصيحتي ألّا يبدأ باستخدام السيجارة الإلكترونية. أمّا من يستخدمها بالفعل، ولا سيّما بشكلٍ منتظم، فينبغي له التفكير في التقليل منها والإقلاع عنها تدريجياً.
بالنسبة للمدخّنين الذين تحوّلوا كلّياً من السجائر التقليدية إلى الإلكترونية، فالأمر أكثر تعقيداً. استخدام السيجارة الإلكترونية أفضل من التدخين التقليدي، لكنّ الهدف البعيد ينبغي أن يكون التحرّر من إدمان النيكوتين كلّياً.
وفي جميع الأحوال، يبقى القرار الشخصي المناسب رهيناً بالحالة الفردية لكلّ شخص وما يُقرّره بالتشاور مع طبيبه المعالج.
أخبار ذات صلة

إيبولا في الكونغو الديمقراطية: ثاني أكبر تفشٍ عالمياً

الولايات المتحدة تسجّل 2,318 حالة حصبة وتتجاوز إجمالي 2025

هرمون التستوستيرون: ليس ما يعتقده معظم الناس
