أمريكا تحت ضغط تصدير النفط في زمن الأزمات
تتسابق الدول لتعويض النفط المفقود بسبب الأزمات، بينما تتساءل الولايات المتحدة: لماذا لا نحتفظ بمزيد من النفط لمواجهة ارتفاع الأسعار؟ اكتشف التحديات والآثار المحتملة لقيود تصدير النفط في هذا التحليل العميق. خَبَرَيْن.

تُصدِّر الولايات المتحدة من النفط الخام ما يكفي لإرسال ملايين البراميل إلى الخارج كل يوم دون انقطاع.
وقد باتت هذه البراميل الأمريكية ذات قيمة استثنائية لبقية العالم، منذ أن حاصرت الحرب في الشرق الأوسط ما يقارب مليار برميل من النفط داخل الخليج، إثر إغلاق مضيق هرمز. وتسابقت الدول الآسيوية والأوروبية لتعويض هذا النفط المُقيَّد، مما أشعل الطلب على الصادرات النفطية الأمريكية.
وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الولايات المتحدة تملك من النفط ما يكفي للتصدير، فلماذا لا تحتفظ بمزيد من الخام والبنزين ووقود الطائرات في الداخل لكبح الأسعار المتصاعدة؟
لا سيما أن الولايات المتحدة تُصدِّر من الخام أكثر مما تستورد. وقد بادرت دول أخرى، من بينها الصين، إلى تقييد صادراتها النفطية قبل أسابيع.
يُقرّ المطّلعون على القطاع بأن ضوابط التصدير قد تُخفّف الضغط على الأسعار في المدى القصير. غير أن مخاوفهم تتمحور حول الأمد البعيد: فمثل هذه القيود قد تُجهز على هوامش أرباح المصافي الأمريكية، وتُدمّر سمعة الولايات المتحدة بوصفها مورّداً موثوقاً للطاقة، مع خطر دفع حلفائها نحو ركود اقتصادي.
وتؤكد إدارة Trump أن تقليص الصادرات ليس خياراً مطروحاً على الطاولة.
فقد أدلى وزير الطاقة Chris Wright ووزير الداخلية Doug Burgum بتطمينات متكررة، علنية وخاصة، بأن البيت الأبيض لا يدرس فرض قيود على الصادرات.
لكن بعض المشرّعين يأملون في أن يُعيد البيت الأبيض النظر في موقفه.
فقد أعاد النائب الديمقراطي Ro Khanna مؤخراً تقديم مشروع قانون يرمي إلى حظر تصدير البنزين في فترات ارتفاع الأسعار.
وقال Khanna لشبكة Fox Business الشهر الماضي: "الأمر بديهي. لماذا نُرسل نفطنا إلى الخارج بينما يدفع الأمريكيون أثماناً باهظة عند محطات الوقود؟ يجب أن يكون نفطنا للأمريكيين أولاً... هذا سيُخفّض الأسعار."
فكرة سيئة للغاية
رغم أن حظر صادرات الطاقة قد يُحقّق مكاسب سياسية، يُحذّر بعض المحلّلين من أنه لن يُفضي إلى النتيجة المرجوّة.
المشكلة أن سلسلة إمداد الطاقة الأمريكية تقوم على مزيج من الاستيراد والتصدير في آنٍ واحد. يُشدّد Matt Smith، كبير محلّلي النفط في Kpler، على أنه رغم كون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للنفط، فإنها لا تزال تستورد 6.5 مليون برميل من الخام يومياً.
فمصافي التكرير الأمريكية القديمة بلغت طاقتها القصوى في معالجة الخام الخفيف المنخفض الكبريت المستخرج من حوض Permian في غرب تكساس ونيومكسيكو. وهي في الغالب تحتاج إلى مزج هذا النفط الصخري الأمريكي بأنواع أثقل قادمة من كندا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، لإنتاج البنزين والديزل. أما الفائض من الخام الأمريكي فيتجه إلى التصدير.
بمعنى آخر، الولايات المتحدة ليست جزيرة طاقة معزولة عن العالم.
احتمال 35% لفرض قيود على التصدير
قد تأتي قيود تصدير الطاقة بنتائج عكسية، كما يقول خبراء القطاع.
يرى Bob McNally، مؤسس ورئيس Rapidan Energy Group والمستشار السابق للطاقة في عهد الرئيس George W. Bush، أن أي انخفاض في الأسعار ناجم عن قيود التصدير لن يكون إلا مؤقتاً. فإجبار المصافي على العمل بالنفط الأمريكي وحده سيضغط على هوامش أرباحها.
وقال McNally: "ستُنتج المصافي كميات أقل من البنزين، وهذا سيقود في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار."
غير أن McNally لا يستبعد فرض قيود على الصادرات إذا تصاعدت حدة الأزمة، وهو ما يتوقّعه. إذ يرى فريقه أن احتمال ارتفاع الأسعار بما يكفي لدفع إدارة Trump نحو فرض قيود نفطية بأي شكل يبلغ 35%.
وأضاف McNally: "عشت داخل البيت الأبيض حين تضيق الخيارات. هذه فكرة سيئة للغاية، لكن قد يصعب مقاومتها حين ترتفع الأسعار."
"لا أصدّق أنني أقول هذا"
الصدمة الكبرى في إمدادات الطاقة دفعت بعض المحلّلين إلى مراجعة قناعات راسخة بشأن ضوابط التصدير.
قال Vikas Dwivedi، استراتيجي الطاقة العالمي في Macquarie Group، إن حظراً مؤقتاً على تصدير النفط ومشتقاته سيُهبط أسعار البنزين والنفط في الولايات المتحدة على الأرجح، مما يُخفّف الضغط على المستهلكين في توقيت مناسب قُبيل انتخابات التجديد النصفي. ورأى أن المصافي قادرة على تجاوز مشكلات فقدان الوصول إلى الخام الأجنبي الثقيل.
وقال Dwivedi: "لا أصدّق أنني أقول هذا. طوال مسيرتي المهنية كنت أقول: الحظر لن ينجح، لا تفعله، هذا كلام لا معنى له."
"فوضى كاملة"
قال Robert Auers، مدير وحدة الوقود المكرَّر في RBN Energy، إن حظر تصدير النفط ومشتقاته قد يُخفّض أسعار البنزين مؤقتاً، لكن بتكلفة باهظة على المدى البعيد.
ووصف Auers الأمر بأنه سيكون "فوضى كاملة" تُرغم المصافي على تقليص إنتاجها، وقد يضطر بعضها إلى الإغلاق الدائم.
وقال: "يمكنك خفض الأسعار بشكل حاد الأسبوع المقبل. لكن هذا الأثر سيتلاشى مع الوقت. بعد عام من الآن، قد لا تختلف الأسعار عمّا هي عليه اليوم."
وستُعارض شركات النفط الكبرى مثل هذه الخطوة بشدة لا شك فيها.
وقال مصدر في قطاع النفط والغاز : "ستكون هذه سياسة بالغة السوء، وستواجه معارضة صريحة وصاخبة من القطاع."
وحذّر الرئيس التنفيذي لـ Chevron، Mike Wirth، هذا الأسبوع من أن حظر الصادرات وتحديد الأسعار وما شابهها من السياسات لن تُجدي نفعاً.
وقال Wirth في كلمة أمام المؤتمر العالمي لمعهد Milken، إن مثل هذه السياسات قد تكون "حسنة النية"، غير أن التاريخ يُثبت أن لها "عواقب غير مقصودة تُفاقم الأوضاع بدلاً من أن تُحسّنها."
وماذا عن بقية العالم؟
تقييد إمدادات النفط الأمريكي عن بقية العالم سيُلحق الضرر بالاقتصاد العالمي، وهو ضرر سيرتدّ على الولايات المتحدة نفسها.
قال Dwivedi إن أسعار النفط والبنزين ووقود الطائرات وسائر منتجات الطاقة عالمياً ستقفز إلى مستويات "جنونية."
وأضاف: "فجأة قد تجد نفسك تُخاطر بركود اقتصادي عالمي. ولن نكون بمنأى عنه. ستعود التداعيات إلينا."
وتوقّع Auers ردود فعل انتقامية حادة، بما فيها رسوم جمركية محتملة على الولايات المتحدة. وقال: "ستُشعل حرب تجارية جديدة أشد وطأة من تلك التي شهدناها العام الماضي."
وستتحمّل هذه الأسعار العالمية المرتفعة حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، وهم الدول التي تعتمد على الطاقة الأمريكية في خضمّ هذه الأزمة.
وختم McNally بالقول: "سنُدمّر سمعتنا بشكل دائم بوصفنا ترسانة الطاقة للعالم."
أخبار ذات صلة

SpaceX تستعدّ لطرح عام بقيمة 75 مليار دولار

ثروة الأمريكيين الأثرياء تتسع: الأرقام والأسباب

التضخم الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات وسط التوترات مع إيران
