تعليق الضربات الأمريكية يفتح باب الدبلوماسية مع إيران
واشنطن توقف ضرباتها على إيران بعد تصعيد في مضيق هرمز وسط نقص محتمل في صواريخ الاعتراض وتصاعد الضغوط الدبلوماسية لتهدئة التوترات الإقليمية التي تؤثر على الملاحة وأسعار النفط تابع التفاصيل على خَبَرَيْن

علّقت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران يوم الجمعة، بعد نحو أسبوعين من القصف المتواصل الذي شمل منطقة مضيق هرمز، وذلك عقب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته إسلام آباد. وقد أوقفت واشنطن هجماتها على إيران، ما أسهم في وقف الضربات الانتقامية الإيرانية على الأصول والبنية التحتية العسكرية الأمريكية في دول المنطقة.
وعلى الرغم من نفي الرئيس الأمريكي Donald Trump ذلك، تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن واشنطن ربما تعاني نقصاً في مخزون صواريخ الاعتراض الجوي، فيما تتصاعد الضغوط على الطرفين لإعطاء الدبلوماسية فرصةً أخرى في ظل رهانات بالغة الخطورة.
فيما يلي ما نعرفه عن أسباب تعليق الولايات المتحدة لضرباتها، وما يجري في القنوات الدبلوماسية.
ما هو الوضع الراهن؟
على الرغم من الهدوء المفاجئ الذي خيّم على تبادل الضربات، لا يزال مضيق هرمز ذلك الممر المائي الحيوي الذي غدا أحد أبرز بؤر التوتر في هذه الحرب مغلقاً أمام الملاحة الدولية.
وأفادت قناة IRIB الإيرانية الرسمية بأن ست سفن حاولت العبور عبر مسار «غير قانوني وغير آمن» في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز في ساعات الفجر الأولى من يوم الاثنين، بعد أن أوقفت أنظمة الملاحة والتحديد الجغرافي لديها. وأشارت القناة إلى أن إحدى السفن تعرّضت لحادث لم تُحدَّد طبيعته، فيما عادت الأخريات إلى الخليج «تحت الإدارة الإيرانية الحازمة»، ونقلت عن مسؤول اتهامه للجيش الأمريكي بـ«التحريض» على سلوك هذا المسار غير المرخّص.
في المقابل، توقّفت الضربات الانتقامية الإيرانية على الأصول والبنية التحتية العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت والأردن. وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا: «كانت استراتيجيتنا في جوهرها انتقامية، وقد أوقفنا نحن أيضاً عملياتنا الانتقامية».
وتراجعت أسعار النفط العالمية بنحو 4 بالمئة في أعقاب توقف تبادل الصواريخ بين الطرفين، في إشارة إلى احتمال التحوّل نحو المسار الدبلوماسي.
وأعلن الجيش الأمريكي يوم السبت أن حصاره البحري للموانئ الإيرانية، بما فيها تلك الواقعة في مضيق هرمز، «لا يزال سارياً بالكامل»، دون أن يوضح أسباب تعليق واشنطن ضرباتها على إيران بعد 13 ليلة من التصعيد المتواصل.
ما هي نقاط التوتر القائمة؟
تبقى بؤرة التوتر الأكبر، والسبب المباشر الذي أفضى إلى استئناف الضربات قبل أسبوعين، هي مضيق هرمز الذي أغلقته إيران فعلياً أمام الشحن الدولي بُعيد بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على طهران في 28 فبراير.
وتجري إيران مشاورات مع سلطنة عُمان، التي تمتد مياهها الإقليمية هي الأخرى داخل المضيق، بشأن مقترحات لإعادة فتح مضيق هرمز وفق بروتوكول إدارة مشتركة. غير أنه لم يتضح بعد ما إذا كان ذلك سيحظى بقبول Trump أو دول مجلس التعاون الخليجي.
وكان من المقرّر، عقب توقيع مذكرة التفاهم (MoU) بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، أن يظل المضيق مفتوحاً أمام حركة الشحن لمدة لا تقل عن 60 يوماً ريثما تجري محادثات السلام. بيد أن الطرفين اختلفا حول من يملك السيطرة النهائية على مسارات الشحن والمسلك الذي ينبغي للسفن أن تسلكه، وهو ما أفضى إلى هجمات إيرانية على السفن التي سلكت المسارات «الخاطئة»، ثم إلى استئناف Trump ضرباته على إيران.
وقد امتدّت التوترات المرتبطة بالملاحة في هرمز لتطال ممرات مائية حيوية أخرى. إذ تباطأت حركة الشحن عبر مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر على الجانب الآخر من المملكة العربية السعودية، وذلك إثر هجمات الحوثيين على السفن قبالة الساحل اليمني على البحر الأحمر، وإعلان الجماعة فرض حصار بحري على أكبر دول مجلس التعاون الخليجي، وفق بيانات الشحن الصادرة عن منصة التحليلات Kpler.
وفي السياق ذاته، أضافت ضربة أوكرانية استهدفت سفينة إيرانية في بحر قزوين مزيداً من التوتر، إذ أسفرت عن مقتل بحار إيراني واحد على الأقل. وقد استدعت طهران الدبلوماسيين الأوكرانيين وأدانت ما وصفته بالعمل «العدائي والإجرامي». وأكد الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy أن صواريخ بعيدة المدى استهدفت سفناً تحمل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران، متّهماً روسيا بدعم الحملة العسكرية الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة.
وتشكّل لبنان بؤرة توتر رئيسية أخرى، حيث تحتل إسرائيل نحو خُمس البلاد منذ مطلع مارس. وأصرّ المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي على أن السلام بين طهران وواشنطن لن يكون ممكناً ما لم تُوقف إسرائيل هجماتها على لبنان، حيث تدّعي أنها تستهدف معاقل حزب الله المدعوم إيرانياً.
وكتب على منصة X: إن إيران «جعلت الحفاظ على السلامة الإقليمية للبنان، والإنهاء المطلق غير المشروط لعدوان الكيان الصهيوني، الشرطَ الأساسي لأي اتفاق لإنهاء الحرب المفروضة من قِبَل الولايات المتحدة المعتدية».
لماذا علّقت الولايات المتحدة ضرباتها الآن؟
أفاد المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة Mike Waltz في تصريحات بأن وقف الضربات من شأنه أن يُفسح المجال للمحادثات بين البلدين، قائلاً: «ما يفعله الرئيس الآن، كما رأينا طوال الوقت، هو إتاحة بعض المساحة للمحادثات. والمحادثات جارية».
وأوضح الاقتصادي الإيراني-الأمريكي Nader Habibi في تصريحات لقناة الجزيرة أن الاقتصاد العالمي تعرّض لضغوط حادة حين عاد الطرفان إلى المواجهة قبل أسبوعين، إذ قفزت أسعار النفط الخام بأكثر من 20 بالمئة لتتجاوز 100 دولار للبرميل، معتبراً أن ذلك يمثّل أحد الأسباب الرئيسية لتعليق الضربات.
وأضاف Habibi : «كانت هناك ضغوط على إدارة Trump من كل الجهات، سواء من الداخل أو من الشركاء الدوليين، لإيجاد حل. كل الضربات الأمريكية الأخيرة لم تُنتج ضغطاً كافياً لتغيير سياسة إيران وإجبارها على قبول مطالب واشنطن».
وأشار إلى أن تكلفة الضربات الإيرانية على دول الخليج «كانت باهظة جداً، وخاطرت الولايات المتحدة بإبعاد حلفائها بسبب الأضرار التي لحقت باقتصاداتهم جراء استمرار تلك الضربات».
وفي السياق ذاته، أوضح Habibi أن الحصار البحري الأمريكي والعقوبات المفروضة وضعا الاقتصاد الإيراني تحت ضغط شديد، مشيراً إلى أن إيران «شهدت طوابير طويلة للحصول على البنزين والديزل، وصل بعضها إلى كيلومتر كامل»، وهو ما يُضاف إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية جراء الضربات الأمريكية التي طالت الجسور والسكك الحديدية.
وخلص إلى القول: «كلا الطرفين لديه حافز بسبب التكلفة الباهظة وعجز كلٍّ منهما عن إجبار الآخر على الاستسلام».
أما Ali Vaez، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، فقد أبدى لقناة الجزيرة رأياً مماثلاً: «أسبوعان من القتال ذكّرا كلاً من واشنطن وطهران بأن التصعيد يرفع التكاليف دون أن يحسم النزاع. الأمل يكمن في أن تتوصّل إيران وعُمان إلى صيغة لإعادة فتح المضيق تجدها جميع الأطراف المعنية مقبولة».
وأضاف: «لا يمكن سدّ الفجوة إلا بالعودة إلى مذكرة التفاهم وتسوية غموضها».
وتعمل كلٌّ من قطر ومصر وباكستان مع وسطاء إقليميين آخرين للتوصّل إلى وقف إطلاق نار جديد بين الولايات المتحدة وإيران، وقد قدّموا مؤخراً مقترحاً بهدنة مدتها 10 أيام.
وفي هذا الإطار، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في تصريحات لقناة ORF النمساوية يوم الأحد أن الوسطاء يتبادلون الرسائل بين إيران والولايات المتحدة، مضيفاً أن إيران رغم جهودها الدبلوماسية السابقة تعرّضت للـ«خيانة».
هل تعاني الولايات المتحدة نقصاً في مخزون أسلحتها؟
تشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن واشنطن تعاني نقصاً في مخزون صواريخ الاعتراض الجوي من طراز Patriot ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى المنتشرة في الشرق الأوسط.
وأفادت منصة Axios بأن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال Dan Caine حذّر وزير الدفاع Pete Hegseth والرئيس Trump من أن النقص في صواريخ الاعتراض قد يُضعف القدرة على حماية القوات الأمريكية والحلفاء في المنطقة.
وكانت الحكومة الأمريكية قد أقرّت الأسبوع الماضي بأن الحرب على إيران أودت بحياة 18 من عناصرها على الأقل وأسفرت عن إصابة 482 آخرين، قبل أن تُخفّض وزارة الدفاع (Pentagon) لاحقاً عدد القتلى إلى 14.
وردّ Trump على المخاوف المتعلقة بمخزون الذخيرة بتصريح لصحيفة The Wall Street Journal، قائلاً: «لدينا من الذخيرة ما يفوق أي دولة في العالم، وأكثر بكثير مما نحتاجه».
وبعد تعليق الضربات على إيران يوم الجمعة، قال Trump للصحفيين: «ثمة مخرج عسكري يقوم على الاستمرار بالوتيرة الراهنة أو تكثيفها، وهو يُدمّر كل ما لديهم. أو ثمة استراتيجية أذكى: أن تُبرم صفقة. وهم يريدون إبرام صفقة».
وعلى الرغم من نفيه، يرى خبراء أن تراجع مخزون الأسلحة يمثّل سبباً رئيسياً آخر وراء تعليق الضربات على إيران في هذه المرحلة.
أخبار ذات صلة

ترامب وملفّ إيران: هل تكون هذه الخطوة طريقاً للانفراج؟

ترامب: أمريكا ستوجّه "ضربةً قاسيةً" لإيران بعد استهداف قواعدها مجدّداً

ترامب يعبّر عن إحباطه من نتنياهو قبل اللقاء بالبيت الأبيض
